الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اسم الله الفتاح يعني الذي يفتح على عباده بحكمه الديني والجزائي والقدري، ويفتح بينهم بالحق. الفتاح يشرع على ألسنة رسله ويحكم بين عباده بالعدل والإحسان.
الفتاح العليم يفتح على عباده قلوب الناس ويفتح عليهم في العلم الشرعي. من مقتضى الإيمان بهذا الاسم أن يكثر العبد الدعاء لله بأن يفتح عليه ويأخذ بأسباب الفتح.
يتحدث عن أهمية الأخذ بأسباب الفتح ليفتح الله على العبد، ويشير إلى أن كثرة الدعاء والتوجه إلى الله من أسباب الفتح. كون الإنسان مفتاحا للخير يفتح الله عليه.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. ما بعد، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا "الفتاح". فالفتاح اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد في كتاب الله جل وعلا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم﴾. وهكذا هو جل وعلا خير الفاتحين، كما قال جل وعلا: ﴿وسع ربنا كل شيء علما على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين﴾. والفتاح معناه -يقول ابن قيم رحمه الله تعالى كما في نونيته، مبينا مدلول هذا الاسم ومعناه-: "ومعناه يقول رحمه الله تعالى في نونيته: وكذلك الفتاح من أسمائه، والفتح في أوصافه أمران، فتح بحكم هو شرع إلهنا، والفتح بالأقدار فتح ثاني، وربنا الفتاح وربنا فتاح، بدينك ليهما عدلا وإحسانا من الرحمن". فذكر رحمه الله تعالى أن معنى اسم الله "الفتاح" أي: الذي يفتح على عباده، الموصوف بالفتح في حكمه الديني الشرعي والجزائي، وحكمه كذلك القدري. فالله جل وعلا الفتاح يفتح بين عباده جل وعلا بحكمه الشرعي الديني، وبحكمه القدري. ذكر الشيخ العلامة محمد بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى في شرح هذه الأبيات -أبيات بن القيم- في كتابه "الحق الواضح المبين" قال رحمه الله تعالى: "الفتاح الحكم المحسن الجواد، وفتحه نوعان، فتحه بحكمه الديني، وفتحه بحكمه الجزائي". والثاني: "فتحه القدري". فأما فتحه بحكمه الشرعي: هو ما شرعه على ألسنة رسله، مما يحتاجه المكلفون، فيستقيمون به على الصراط المستقيم. وحكمه الجزائي: هو حكمه جل وعلا بين أنبيائه ومخالفيهم، وبين أوليائه وأعدائه، فيكرم أنبياءه، ويهين أعداءه. وهكذا حكمه جل وعلا يوم القيامة، حين يوفي كل عامل عمله، فهذا هو الحكم الشرعي الجزائي. وأما النوع الثاني من أنواع فتحه جل وعلا: هو فتحه بحكمه القدري، قال السعدي رحمه الله تعالى: "وأما حكمه القدري: فهو ما قدره الله جل وعلا من خير وشر، ونفع وضر". فهذا قدر الله سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم﴾. فالله سبحانه وتعالى هو الذي له الحكم القدري، فما من خير وشر، ونفع وضر، إلا قدره الله جل وعلا على عباده سبحانه وتعالى. وأنواع فتحه جل وعلا "الفتاح" كثيرة، فأعظم ما فتح به "الفتاح العليم" جل وعلا على عباده: ما فتح لأنبيائه من الفتوحات العظيمة، حيث انتصر أنبياء الله جل وعلا على أعدائهم، فكان انتصار أنبياء الله جل وعلا على أعدائهم من الفتح العظيم الذي فتح به "الفتاح العليم" عليهم. وذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم، مخاطبا نبينا محمدا عليه الصلاة والسلام: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾. وهكذا قال جل وعلا: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾. وهكذا فتح على أتباع الأنبياء، قال جل وعلا: ﴿قد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا﴾. فالفتاح العليم يفتح على عباده، ومن أعظم ما يفتح به "الفتاح العليم" على عباده: الفتح بالنصر والظفر لأنبيائه ولأوليائه على أعدائهم. ومن أعظم أنواع الفتح من "الفتاح العليم" لعباده: أن يجعلهم فاتحين، فيفتح الله جل وعلا على يديهم فتحا عظيما، فيفتحوا بهم قلوبا غلفا، وآذانا صما، وأعينا عميا، كما وصف ربنا جل وعلا نبيه محمدا عليه الصلاة والسلام في التوراة، قال جل وعلا: ﴿فإن أرسلنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحكما للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولا يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء، فيفتح الله به قلوبا غلفا، وآذانا صما، وأعينا عميا﴾. فهذا من أعظم أنواع الفتح من "الفتاح العليم" جل وعلا على عباده: أن يفتح على يديهم قلوب الناس، تلك القلوب التي صارت غلفا، وتلك الأعين التي صارت عميا، وتلك الآذان التي صارت صما، بما أوحى الله جل وعلا إليهم من وحيه سبحانه وتعالى، فيحصل على يديهم الخير العظيم. ومن أعظم أنواع الفتح من "الفتاح العليم" لعباده: أن يفتح عليهم في العلم الشرعي، قد فتح الله جل وعلا على من اصطفى من عباده فتحا عظيما، فكانت لهم المؤلفات العظيمة التي هي من الفتح العظيم. فعندنا "فتح الباري"، وعندنا "الفتح الرباني"، وعندنا "فتح المجيد"، وعندنا "فتح الوهاب في الرد على شبه المرتاب"، وعندنا "فتح القدير" للشوكاني، هذه فتوحات من "الفتاح العليم" على عباده سبحانه وتعالى، هذه مراجع عظيمة للأمة، فحق أن تسمى بالفتح؛ لأنها فتحت للناس آفاقا عظيمة، وفتحت للناس كذلك علوما كثيرة، واستفادوا منها فهما جما، فكانت فتحا من "الفتاح العليم". ولذلك كان العلماء يسمون كتبهم بـ "الفتح الرباني" أو بـ "فتح الباري" أو بـ "فتح المجيد"، إشارة إلى أن هذا من الفتح الذي فتح به عليهم "الفتاح العليم" جل وعلا. ومن أنواع فتح "الفتاح العليم" على عباده: أن يفتح عليهم جل وعلا من خزائن رحمته، وجوده وكرمه، ومن خزائن مغفرته سبحانه وتعالى، فيفتح عليهم من أسباب الرزق الحلال، ومن كذلك الكرم والنعم العظيمة التي هي من "الفتاح العليم" سبحانه وتعالى. فمن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا والتعبد له باسمه "الفتاح العليم": أن يكثر العبد الدعاء لله جل وعلا "الفتاح العليم" بأن يفتح عليه. أنت يا عبد الله علمت أن الله جل وعلا هو "الفتاح العليم"، فمن مقتضى إيمانك وتعبدك لله جل وعلا بأنه "الفتاح": ادع الله جل وعلا "الفتاح" أن يفتح عليك. فالفتاح هو الذي يفتح على عباده، فادع الله جل وعلا "الفتاح" أن يفتح عليك، أن يفتح عليك أسباب الهداية، فتحصل الهداية، فالهداية فتح من "الفتاح العليم" جل وعلا، لن تتحصل عليها إلا إذا فتح عليك "الفتاح العليم". فادعوا الله جل وعلا "الفتاح العليم" أن يفتح عليك بأسباب الهداية، وأن يفتح عليك بأسباب ثبات عليها، وأن يفتح عليك كذلك بأسباب الرزق الحلال. فمفاتيح الخير إنما تحصل بدعاء "الفتاح العليم"، فعليك أن تدعو دائما "الفتاح العليم" أن يفتح عليك في قلبك، وأن يفتح عليك في سمعك، وأن يفتح عليك في بصرك، وأن يفتح عليك في جوارحك كلها لتسخرها في طاعة الله سبحانه وتعالى. أن يفتح عليك في العلم الشرعي، بعض الناس ربما يقول: "أنا لا أفهم، وأنا أريد العلم الشرعي، ولكن ما فتح الله علي". نقول: عليك أن تأخذ بأسباب الفتح من "الفتاح العليم" ليفتح الله جل وعلا عليك، خذ بأسباب الفتح، عليك من "الفتاح العليم" أن تكون صاحب تقوى؛ فإن العلم لا يتحصل عليه إلا التقي، فهو نور من الله جل وعلا، ونور الله لا يؤتاه عاصي. كيف تريد العلم وأنت عاص لله جل وعلا، وأنت -والعياذ بالله- على غير تقوى؟ أين ستضع هذا العلم؟ هذا العلم يريد وعاء صافيا، يريد قلبا معظما لله جل وعلا، يريد لسانا ذاكرا لله سبحانه وتعالى، يريد قلبا خاشعا لله سبحانه وتعالى. أين تضع هذا العلم؟ إذا أردت العلم من الله جل وعلا "الفتاح العليم"، وأنت لم توفر الوعاء له، كيف تريد علما وليس عندك الوعاء لذلك العلم؟ فلابد أولا من أن توجد الوعاء لذلك العلم الذي تريد من الله جل وعلا "الفتاح العليم" أن يفتح به عليك، وذلك لا يكون إلا بتقوى الله جل وعلا، وذلك لا يكون إلا بالابتعاد عن الذنوب والمعاصي، وذلك لا يكون إلا بالمسابقة والمسارعة في مرضات الله جل وعلا، والحرص على حضور مجالس الذكر، والصبر والمصابرة. فأنت بعد ذلك يفتح الله جل وعلا عليك "الفتاح العليم"، إذا رأى صدقك، وإذا رأى صبرك، وإذا رأى نيتك الصالحة، وأنك تريد بهذا العلم نفع نفسك، ورفع الجهل عن نفسك، وأن تنفع الناس، لا تريد بهذا العلم حطاما ثانيا زائلا، ولا تريد بهذا العلم منصبا من مناصب الدنيا، ولا تريد به مالا، ولا سمعة، ولا شرفا، ولا رياء. فلابد من الأخذ بأسباب الفتح ليفتح "الفتاح العليم" جل وعلا عليك يا عبد الله. وكذلك أيضا من مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسمه "الفتاح العليم" سبحانه وتعالى: أن تكون يا عبد الله ممن يكون للناس مفتاحا للخير. فالله جل وعلا إنما يفتح على من كان مفتاحا للخير. فإن كنت من مفاتيح الخير فتح الله جل وعلا عليك، وأما إن كنت من مفاتيح الشر -والعياذ بالله- فأنت تحرم الفتح من الله جل وعلا. فكن مفتاحا للخير حتى يفتح عليك "الفتاح العليم"، لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن من الناس لمفاتيح خير، مغالق شر، وإن من الناس لمفاتيح شر، مغالق خير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله جل وعلا مفاتيح الشر على يديه». فإذا من كان مفتاحا للخير فتح الله سبحانه وتعالى عليه. فكثرة الدعاء والتوجه إلى الله جل وعلا من أسباب الفتح، تأملوا أدعية الأنبياء في كتاب الله جل وعلا، كيف توجهوا إلى "الفتاح العليم" سبحانه وتعالى بأن يفتح عليهم. هذا نوح عليه الصلاة والسلام يقول عنه ربنا جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قال ربي إن قومي كذبوني فافتح بيني وبينهم فتحا ونجيني ومن معي من المؤمنين﴾. نوع عليه الصلاة والسلام لما لاقى من قومه ما لاقى توجه إلى "الفتاح العليم" بأن يفتح "الفتاح العليم" بينه وبين قومه. وهذا كذلك شعيب عليه الصلاة والسلام دعا "الفتاح العليم" بأن يفتح بينه وبين قومه، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين﴾. وهكذا رسل الله فإنهم دعوا "الفتاح العليم" بأن يفتح عليهم جل وعلا، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد﴾، ﴿واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد﴾. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "يحتمل أن المراد أن الرسل استنصروا ربهم جل وعلا على أقوامهم، أي: أنهم طلبوا الفتح من "الفتاح العليم" بينهم وبين أقوامهم، ويحتمل أن يكون المراد الأمم، أي: أن الأمم استعجلت النصر من "الفتاح العليم" جل وعلا". قال: "وهذا وهذا مراد". وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، كما جاء في مسلم من حديث أبي حميد أو أبي أسيد رضي الله تعالى عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك». فهو دعاء إلى "الفتاح العليم" جل وعلا بأن يفتح لك يا عبد الله أبواب رحمتك. فأرشد النبي عليه الصلاة والسلام لهذا الدعاء العظيم عند دخول المسجد. قد فتح الله سبحانه وتعالى على أنبيائه، وفتح على أوليائه، فالله سبحانه وتعالى يوم القيامة يفتح على نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فتحا عظيما في ذلك الموقف العظيم، في حديث الشفاعة الذي جاء ذكره في الصحيحين وغيرهما. الناس يأتون إلى آدم، ثم إلى نوح، ثم بعد ذلك إلى إبراهيم، ثم إلى موسى، ثم إلى عيسى، ثم إلى محمد، فكلهم يعتذر عن الشفاعة، فيأتون إلى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم فيشفع نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم للأمم كلها. وفي ذلك اليوم يفتح "الفتاح العليم" جل وعلا على نبينا فتحا عظيما، فيقول"آتي فأسجد لله جل وعلا تحت العرش، فيفتح الله علي بمحام لم أكن قد ألهمني إياها من قبل". فالشاهد: "يفتح الله علي". فالله جل وعلا يفتح ذلك الفتح العظيم يوم القيامة، وهو المقام المحمود للنبي عليه الصلاة والسلام. ومن الليل فتهجد به نافلة لك، عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا. فيفتح ربنا جل وعلا على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ذلك الفتح العظيم. وعلى العبد أن يأخذ بأسباب الفتح من "الفتاح العليم". فالفتح من "الفتاح العليم" لا يتحصل عليه الإنسان إلا بالأخذ بالأسباب، والأسباب كثيرة، لكنها تجمل في أمرين: تجمل الأسباب لحصول الفتح من "الفتاح العليم" في أمرين، وهما الإيمان والتقوى، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾. انظروا: الفتح من "الفتاح العليم" يكون للمؤمنين، يكون للمتقين الذين آمنوا بالله جل وعلا واتقوه حق تقواه سبحانه وتعالى. فنسأل الله جل وعلا "الفتاح العليم" أن يفتح علينا من خزائن جوده وكرمه ورحمته سبحانه وتعالى، ويجعلنا مفاتيح خير، مغالق شر، وأن يجعلنا من عباده الفاتحين الذين يفتحون بهم قلوبا غلفا، وآذانا صما، وأعينا عميا. وصلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.