شرح أسماء الله الحسنى 77

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 77، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

مقدمة في اسم الله المعطي

اسم الله المعطي يعني أن الله متفرد بالعطاء الحقيقي، ويعطي من يشاء بحكمة. عطاء الله واسع في الدنيا والآخرة للمؤمنين.

الرضا بعطاء الله وعدم الاعتراض

يجب الرضا بعطاء الله وعدم الاعتراض عليه، مع شكر نعمه وعدم كفرانها. هذا الرضا يأتي من فهم حكمة الله.

مقتضيات الإيمان باسم الله المعطي وتطبيقاته

الإيمان باسم الله المعطي يستلزم شكر الله والتصدق في سبيل الخير، مع عدم الاغترار بعطاء الدنيا. الدين يعطى لمن يحب الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاهم. بعد ذلك، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه «القواعد المثلى» اسم الله جل وعلا المعطي. فالمعطي اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في صحيح الإمام البخاري رحمه الله تعالى، من حديث المغيرة بن شعبة، ومن حديث معاوية. نعم، حديث معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من يرد الله به خيرًا فقهه في الدين، والله المعطي، وأنا القاسم، ولتظل هذه الأمة ظاهرة على من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون». فذكر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث المعطي، قال: «والله المعطي». فدل هذا على أن المعطي اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى. ومعنى هذا الاسم: أن الرب جل وعلا المعطي، أي المتفرد بالعطاء على الحقيقة. فالمتفرد بالعطاء على الحقيقة هو المعطي جل وعلا وحده لا شريك له. فهو المعطي سبحانه وتعالى الذي لا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع. ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيحين عن ثوبان وغيره، كان عليه الصلاة والسلام يقول دبر كل صلاة: «اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام». يقول: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد». فالذي يعطي هو الله جل وعلا، وهو الذي يمنع سبحانه وتعالى. وعطاءه جل وعلا، ومنعه سبحانه وتعالى بحكمة. فهو يعطي من شاء من خلقه، ويمنع من شاء. وعطاء المعطي جل وعلا لحكمة، ومنعه جل وعلا لحكمة. فالله جل وعلا أفعاله كلها أفعال خير وحكمة، وهي وضع الأشياء في مواضعها الموافقة للغايات المحمودة. وعطاء المعطي جل وعلا واسع، فقد وسع عطاء المعطي جل وعلا خلقه أجمعين في الدنيا، فأعطى المسلم والكافر، وأعطى البر والفاجر، أعطى جميع خلقه في هذه الدنيا. أما الآخرة، فالمعطي جل وعلا إنما أعطاه لأوليائه. أما الدنيا، فالمعطي أعطاها وسع كل العباد، برهم وفاجرهم، مسلمهم وكافرهم. أما في الآخرة، فإعطاء المعطي إنما هو لأوليائه ولعباده المؤمنين. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا﴾. إذن، من الله جل وعلا على هؤلاء وهؤلاء: ﴿كلا نمد هؤلاء وهؤلاء﴾ بمعنى الجميع، المسلم والكافر، البر والفاجر: ﴿كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك﴾ هذا في الدنيا، ﴿وما كان عطاء ربك محظورا﴾ في الدنيا، أعطى المعطي جل وعلا جميع العباد، ولم يحظر عطاءه على أحد في هذه الدنيا. فضل بعضهم على بعض كما قال جل وعلا: ﴿انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا﴾. وهكذا قال جل وعلا: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون﴾. إذن، في الدنيا جعل الله جل وعلا العطاء للجميع، للمؤمن وللكافر، لكن في الآخرة خالصًا للمؤمنين. ﴿قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة﴾. فعطاء المعطي جل وعلا في الدنيا للجميع، وأما يوم القيامة، فعطاء المعطي سبحانه إنما هو لأوليائه ولعباده المؤمنين. ومن مقتضى التعبد والإيمان لله جل وعلا، وثمار الإيمان باسم الله جل وعلا المعطي: أولًا الرضا بما قسم المعطي جل وعلا، وبما أعطى. فإن الله جل وعلا أعطى أناسًا ومنع آخرين. إذا آمنت بأن الله جل وعلا هو المعطي، كان الواجب عليك أن ترضى، لا تعترض على أحد. قولك: «فلان ما يستحق ذلك العطاء»، «فلان ما يستحق ليكون صاحب مال»، «فلان ما يستحق أن يكون كذا»، «فلان ما يستحق أن يعطى كذا وكيف أعطي؟» إذن تعترض على الله جل وعلا، كأنه وضع الأمر في غير موضعه حين تقول: «فلان ما يستحق ذلك العطاء». من الذي أعطاه؟ المعطي جل وعلا. نعم، أعطاه ابتلاءً. لا تظن أنه أعطاه لأنه أحبه، لا. فالله جل وعلا يعطي العبد نعم استدراجًا، فيعطي العبد والعبد قائم على معصية الله جل وعلا، فلا خير لذلك في ذلك العطاء، وإنما هو استدراج. كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيت الله يعطي العبد وهو قائم على معصية الله، فاعلم أن ذلك استدراجًا». كما قال جل وعلا: ﴿سنستدرجهم من حيث لا يعلمون﴾. أما أن تقول: «فلان لا يستحق ذلك العطاء»، أو «فلان كذا»، أو «فلان كذا»، هذا ما يجوز؛ لأنك تعترض على عطاء الله جل وعلا، وكأنه وضع العطاء في غير موضعه حين أعطى فلانًا وهو لا يستحق كما تقول. فإذا وجب الرضا، ولتعلم أن الله ما أعطى فلانًا الكافر إلا لحكمة، وما أعطى فلانًا الفاجر إلا لحكمة. نعم، قد تعلمها وقد تجهلها، لكن الواجب عليك الرضا بما أعطى المعطي سبحانه وتعالى، ولا تعترض على ما أعطى المعطي جل وعلا، ولا تقول: «أنا ما أعطاني شيئًا وأعطى فلانًا، لم أعطِ فلانًا ولم يعطني؟» لا، لا تعترض. الواجب الرضا. وهكذا من مقتضى إيمانك وتعبدك لله جل وعلا باسم المعطي: أن تشكر المعطي جل وعلا على ما أعطاك. لا تكون من الذين يكفرون النعم ويقولون: «ما أعطاني شيئًا». الناس اليوم عنده البيت، وربما عنده السيارة، وربما عنده كذا وعنده كذا. إذا قيل له: «ماذا عندك؟» قال: «ما عندي شيء». سبحان الله! ما عندك شيء؟ هذا كفران للنعم، كفران لعطاء المعطي سبحانه وتعالى. أو ينسب ما أعطاه جل وعلا إلى نفسه أو إلى خبرته أو إلى ذكائه أو إلى مهارته. تعلمون حديث الثلاثة في الصحيحين، حتى عند البخاري، قصة الأبرص والأقرع والأعمى، حين ابتلاهم الله جل وعلا بهذه الأمراض، وأرسل إليهم ملكًا ليبتليهم ويختبرهم. جاء إلى الأبرص، قال: «ما هو أحب إليك؟» قال: «أن يذهب عني هذا البرص». فمسحه، فذهب عنه البرص، وأعطي ناقة عشراء. ثم جاء إلى الأقرع، قال: «ما هو أحب إليك؟» قال: «أن يذهب عني القرع». فمسح على رأسه، فذهب عنه القرع، وأعطي شعرًا حسنًا. قال: «أي المال أحب إليك؟» قال: «البقر». فأعطي بقرة حاملًا. ثم جاء إلى الأعمى، قال: «ما هو أحب إليك؟» قال: «أن يذهب الله عني هذا العمى». فمسح على عينيه، فأبصر. قال: «أي المال أحب إليك؟» قال: «الغنم». فأعطي شاة والد واحد، فنتج هذا وذاك حتى حصل لكل واحد منهم واد من المال. صاحب الإبل عنده واد من الإبل، وصاحب البقر عنده واد من البقر، والذي عطي الغنم عنده واد من الغنم. ثم جاء الابتلاء والاختبار، فأرسل الله الملك هذا بصورة رجل إلى الأبرص الذي كان أبرص، وقد شفاه الله، صار الآن على جلد حسن وعنده مال كثير. فسأله بعيرًا يصل به إلى أهله، قد انقطعت به السبل. فقال: «هذا المال ورثته كابرًا عن كابر، والحقوق كثيرة». فكفر نعمة الله، فدعا عليه الملك، فصيره الله على ما كان عليه. وجاء الأقرع، طلب منه بقرة يتبلغ بها في سفره إلى أهله، وهكذا كفر النعمة، ونسب هذا المال إلى آبائه وأجداده. قال له: «ألم تكن أبرص؟» قال: «نعم، كنت أبرص، فشفاني الله». فكفروا نعمة الله. أما الأعمى، فشكر نعمة الله، قال: «قد كنت أعمى مثلك، فشفاني الله». خذ ما شئت، ودع ما شئت. فقال: «لا، أمسك عليك مالك. إنما ابتليتم، فقد رضي الله عنك، وسخط على صاحبيك». إذن، لابد من شكر النعم على ما أعطاك الله، ولو الشيء القليل، فهو العطاء. أعطاك الله جل وعلا السمع والبصر والصحة والقوة. بكم تدفع هذا؟ إذا قيل لك: «هل تبيع سمعك؟ كم ستبيع السمع؟» وإذا قلت: «تبيع بصرك؟ بكم تبيع البصر؟» هل ستبيع بصرك بمليارات؟ يعطونك عشرين مليارًا يريدون منك البصر، ما ستبيع؟ إذن كيف ما أعطاك الله جل وعلا شيئًا؟ وكم ستبيع السمع إذا كان يجوز بيعه، وهو لا يجوز؟ نعم، فإذن معنى ذلك: أن عندك مما أعطاك الله جل وعلا أكثر من الدنيا. الدنيا كلها عندك ما تساوي شيء. نعم، أن يأخذ سمعك أو بصرك أو صحتك أبدًا. فإذن عندك أعظم من الدنيا، عندك عطاء من المعطي أكثر مما في الدنيا. فكيف بعد ذلك تكفر نعمة الله جل وعلا عليك؟ إذن، من مقتضى إيمانك وتعبدك لله جل وعلا باسمه المعطي: أن تشكر المعطي على ما أعطاك سبحانه وتعالى، وتكون دائمًا على ذكر الله وشكر الله سبحانه وتعالى على كل حال، في السراء والضراء. بخلاف حال كثير من الناس، ما تسمع منهم إلا الشكاوي وعدم شكر النعم: «وأنا ما عندي، وأنا كذا، وأنا كذا». هذا مما يخالف شكر المنعم والمعطي سبحانه وتعالى. وهكذا عليك أن تكون معطاءً. الله جل وعلا المعطي أعطاك، فمن مقتضى إيمانك باسم الله المعطي: أن تكون معطاءً، تنفق في سبيل الخير، في أوجه الخير، فيما يكون به مرضاة الرب سبحانه وتعالى. وتجعل مالك عطاءً في أبواب الخير، فتسابق بمالك. لا تسابق أهل الشر، سابق أهل الخير، نافس أهل الخير. وأبواب الخير كثيرة: كم من الأيتام؟ وكم من المساكين؟ وكم من الأرامل؟ وكم من المحتاجين؟ وكم وكم؟ فأنت اجعل مالك فيما يرضي المعطي جل وعلا الذي أعطاك المال أمانة وفتنة وابتلاء. ستسأل عن المال هذا. لن تبرح قدمك يوم القيامة حتى تسأل عن أسئلة، ومنها عن هذا المال: من أين اكتسبته؟ وفيما أنفقته؟ فعليك أن تعد لهذه الأسئلة أجوبة، ولا يكفي أن تكون عندك أجوبة، بل لابد أن تكون صائبة. وهكذا من مقصد وثمار الإيمان باسم الله جل وعلا المعطي: أن لا تجعل عطاء الرب جل وعلا لك دليلًا وميزانًا على محبته لك. لا. فالله جل وعلا أعطى كثيرًا من الناس وهو لا يحبهم، ومع هذا أعطاهم أعطاهم الدنيا وهو لا يحبهم جل وعلا، لكن ابتلاهم بذلك. صدق من قال: «إن الله جل وعلا يعطي الدنيا من أحب ومن لم يحب». الله جل وعلا أعطى الدنيا من أحب ومن لم يحب، ولم يعط الدين إلا من أحب. فالدين لا يعطيه المعطي جل وعلا إلا من أحب. أما الدنيا، فيعطيها من أحب ومن لم يحب. أعطى قارون من الدنيا، أعطى فرعون من الدنيا، أعطى الجبابرة، أعطى كذا، أعطى الكفار. اليوم الكفار، اليهود يعني اليوم عندهم من الأموال كثير، يمكنهم أن يكونوا أغنى الناس في العالم. هل معنى أن الله جل وعلا يحب اليهود حيث أعطاهم هذه الأموال يتحكمون في الأسواق، يتحكمون في كذا ويتحكمون في كذا؟ أبدًا. بل لعنهم الله جل وعلا وطردهم من رحمته سبحانه وتعالى. فإذا ليس العطاء من المعطي جل وعلا في الدنيا ميزانًا، إلا إذا كان معه طاعة ومعه إنفاق في مرضاة الله جل وعلا. نسأل الله جل وعلا المعطي أن يعطينا من فضله، وأن يجعل عطاءه لنا دافعًا لنا وعونًا على ذكره وشكره وحسن عبادته. إنه المعطي جل وعلا. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.