شرح أسماء الله الحسنى 30

الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 30، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

اسم الله الرؤوف ومعناه

اسم الله الرؤوف يعني واسع الرحمة، وقد ورد في عشر آيات في القرآن الكريم. الإيمان بهذا الاسم يقتضي حسن الظن بالله وأنه لا يضيع أعمال عباده الصالحة.

مقتضيات الإيمان باسم الله الرؤوف الرحيم

مقتضيات الإيمان باسم الله الرؤوف الرحيم تشمل السعي لمرضاة الله، التوبة، والتحاكم إلى أحكامه الشرعية. كما تشمل التمسك بكتاب الله وسنة رسوله والتراحم بين المسلمين.

التطبيق العملي للإيمان باسم الله الرؤوف الرحيم

التطبيق العملي يشمل شكر الله على نعمه، التوبة، والتراحم بين المسلمين. كما يتضمن الدعاء للأمة بالرحمة والرأفة.

  • 15 جمادى الأولى 1432هـ - 18/04/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد. فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها المؤلف -رحمه الله تعالى- اسم الله الرؤوف. فالرؤوف اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، وذكر هذا الاسم في عشر آيات في كتاب الله جل وعلا. في سورة البقرة ذكر في موضعين، في قوله جل وعلا: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وفي الموضع الآخر قال جل وعلا أيضا في سورة البقرة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. وفي سورة آل عمران قال جل وعلا: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. وفي سورة التوبة قال جل وعلا: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وفي سورة النحل قال جل وعلا: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، وقال جل وعلا في سورة النحل أيضا: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقال جل وعلا في سورة الحج: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. قال جل وعلا في سورة النور: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. وقال جل وعلا في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. والموضع العاشر في سورة الحشر، قال جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. فاسم الله جل وعلا الرؤوف ذكر في عشر آيات في كتاب الله جل وعلا. ومعنى اسم الله الرؤوف، قال ابن الجرير -رحمه الله تعالى-: الرأفة هي أعلى الرحمة. وذكر السعدي -رحمة الله تعالى عليه- في تفسيره أن الرأفة هي واسعة الرحمة، والرؤوف هو واسع الرحمة. فإذا معنى الرؤوف واسع الرحمة، ومعنى الرأفة أي أعلى الرحمة. فالله جل وعلا هو الرؤوف الموصوف بصفة الرأفة التي هي أعلى الرحمة. ومن رأفة الرؤوف جل وعلا بعباده أنه سبحانه وتعالى لا يضيع أعمال عباده ولا يضيع جل وعلا سعيهم. ولذلك قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. فالرؤوف الرحيم لا يضيع أعمال عباده. ونزلت هذه الآية كما جاء في البخاري وغيره عن البراء بن عازب -رضي الله تعالى عنهما- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا. فمن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الرؤوف حسن الظن بالرؤؤؤؤؤؤؤؤؤؤؤؤؤؤف حسن الظن بالرؤوف الرحيم. ومن حسن الظن بالرؤوف الرحيم أن يعتقد العبد اعتقادا جازما أن الله جل وعلا لا يضيع السعي ولا يضيع أجر عمله. إن الله جل وعلا لا يضيع أجر من أحسن عمل. بعض الناس ربما يأتيهم الشيطان ويقول: لو أنت تتعب نفسك وتعمل هذه الأعمال ما يدريك لعله يختم لك بالخاتمة السيئة، تكون من يعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينه الذي رأى فيسبق عليه الكتاب. لا، عليك أن تعتق اعتقادا جازما أن الرؤوف سبحانه وتعالى لا يضيع أجر الأعمال، ولا يضيع كذلك الأعمال الصالحة منك إذا أخلصت فيها لله جل وعلا وصدقت فيها؛ لأنه الرؤوف سبحانه وتعالى. كيف يضيع أعمالك وهو سبحانه وتعالى يعفو ويغفر عن أعمال سيئة ارتكبها صاحبها لكن تاب بعد ذلك منها؟ أفيضيع عملك أنت -يا عبد الله- الذي أخلصت فيه لله جل وعلا أو يضيع سعيك؟ لا، فهو الرؤوف الرحيم. فمن مقتضى إيمانك وثقتك بربك الرؤوف الرحيم أن تحسن الظن بالرؤوف الرحيم. ومن ذلك أن تعتقد الاعتقاد الجازم بأن الله سبحانه وتعالى لا يضيع أعمالك. ومن رأفة الرؤوف الرحيم جل وعلا بعباده أنه وفق عباده لشراء أنفسهم ابتغاء مرضاته سبحانه وتعالى. ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله، والله رؤوف بالعباد. وهذه الآية سبب نزولها كما جاء عند الحاكم وغيره، وهي في الصحيح المسند كذلك لشيخنا الوادعي -رحمه الله تعالى- أنها نزلت في صهيب الرومي -رضي الله تعالى عنه- لما أراد الخروج من مكة. قال له أهل مكة: جئتنا لا مال لك، فكيف تخرج ولك هذا المال؟ اترك مالك إذا أردت هذا الدين. فترك لهم ماله -رضي الله تعالى عنه-. فلقيه النبي -عليه الصلاة والسلام- وقد نزلت في هذه الآيات: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. فمن مقتضى الإيمان باسم الله الرؤوف الرحيم أن يجعل العبد أعماله ابتغاء مرضاة الله جل وعلا، وأن يجعل هذه الدنيا طالبا لرضى الرب سبحانه وتعالى ولو سخط الناس. فإن من التمس رضى الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس، ومن التمس رضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس. كما جاء عند ابن حبان وغيره عن عائشة، وله طرق صححها العلامة الألباني -رحمه الله تعالى-. فمن مقتضى الإيمان بالرؤوف الرحيم أن يشهد الإنسان نفسه ابتغاء مرضاة الله جل وعلا. وفي حديث مالك الأشعري عند مسلم، وهو منتقد، لكن صح عند الترمذي والنسائي قوله -عليه الصلاة والسلام-: «كل الناس يغدو، فبايع نفسه، فمعتقها أو مبيقها». كل الناس يغدو -أي في هذه الدنيا-، لكن غدو من غدو يختلف. فمن الناس من يغدو في هذه الدنيا -والعياذ بالله- في الوقوع في مساخط الرب جل وعلا، يشتري الجنة بالآخرة ويبيع الآخرة بالجنة -والعياذ بالله-. ومن الناس من يغدو في مرضات الله جل وعلا فيبيع نفسه لله سبحانه وتعالى ويعتق نفسه من النار. ومن رأفة الرؤوف الرحيم سبحانه وتعالى بعباده أنه وفقهم للتوبة، وقبل ذلك أيضا أنه سبحانه وتعالى الرؤوف الرحيم أنه أحصى أعمال عباده ووفاها لهم. أحصى أعمال عباده ووفاها لهم، فلم يضيع أعمالهم، وأيضا لم يظلمهم جل وعلا، بل العباد يوم القيامة يرون ما عملوا من سوء ومن حسن ومن خير ومن شر. لم يظلمهم الرؤوف الرحيم جل وعلا، كما قال سبحانه: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. فالله جل وعلا أحصى أعمال عباده ووفاها لهم، كما جاء أيضا عند مسلم من حديث أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- في الحديث القدسي العظيم الذي أشرف حديث الأهَل الشام، قال النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما يرويه عن ربه جل وعلا: «إن الله جل وعلا قال: يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيرا فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه». فالرؤوف الرحيم لم يظلم عباده، بل أحصى أعمالهم ووفاها لهم، ويجدونها يوم القيامة أمامهم من خير أو شر يتحسرون في ذلك اليوم الذي لا تنفع فيه الحسرة. ومن رأفة الرؤوف الرحيم بعباده جل وعلا أنه حذرهم أنفسهم: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال الحسن البصري -رحمه الله تعالى- كما في تفسير ابن كثير: من رأفته جل وعلا أن حذر عباده أنفسهم. وهذا من رأفته جل وعلا. فلذلك على العبد مقتضى إيمانه باسم الله جل وعلا الرؤوف الرحيم أن يحذر الرب سبحانه وتعالى، ولا يأمن مكر الله جل وعلا، بل يكون دائما على حذر من عذاب الله ومن غضب الله جل وعلا. فلا يستهين بالذنوب والمعاصي ويفرط فيها، ولا يصر على الوقوع فيها بحجة أن الله هو الرؤوف الرحيم. فقد حذر الرؤوف الرحيم عباده نفسه سبحانه وتعالى، وهذا من رأفة الرؤوف الرحيم بعباده جل وعلا. ومن رأفة الرؤوف الرحيم بعباده جل وعلا أنه وفقهم للتوبة، أولا ثم قبلها منهم سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. فتاب عليهم جل وعلا وفقهم للتوبة، ومن رافته فذلك قبل توبتهم، ثم بعد ذلك بدل سيئاتهم حسنات، وجازاهم أعظم الجزاء سبحانه وتعالى. فمن مقتضى الإيمان باسم الله الرؤوف الرحيم المسارعة إلى التوبة، ودعاء الرب الرؤوف الرحيم دائما بأن يتوب عليك -يا عبد الله-، أن تسأل أن يتوب عليك، وأن يغفر لك ذنبك وذللك، وأن تأخذ بأسباب التوبة وتقلع عن المعاصي ولا تصر عليها، وترد المظالم إلى أهلها. فتسارع في التوبة إلى الرؤوف الرحيم، فالرؤوف الرحيم يتوب على عباده ويوفقهم لذلك إذا صدق العبد في طلب التوبة وخطى الخطوات لأجل تحقيقها. فالله سبحانه وتعالى الرؤوف الرحيم لا يطرد من بابه من كان تائبا منيبا إليه جل وعلا. ومن رأفة الرؤوف الرحيم جل وعلا بعباده أنه سبحانه وتعالى سخر لهم ما في هذا الكون وما في هذه الأرض ليقوموا بعبادة الرؤوف الرحيم، العبادة التي أمرهم جل وعلا. فالله سبحانه وتعالى خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين، ولنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون. ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، إن الله بكم لرؤوف الرحيم. فالله سبحانه وتعالى سخر لعباده هذه الأنعام يشربون من ألبانها ويركبونها ويتخذون من أصوافها ومن أشعارها. وهذه تحمل أثقالهم إلى البلاد البعيدة التي لا يصلون إليها إلا بشق الأنفس. واليوم أعظم وأعظم، هذه المواصلات، هذه الطيارات وهذه كذلك المركوبات الحسانة التي تركبها الإنسان -سبحان الله- يصل إلى البلاد البعيدة ولا يشعر بالتعب ولا يشعر أنه ربما في سفر غير ذلك. فكل ذلك من نعم الرؤوف الرحيم لعباده، يقوم بعبادته سبحانه وتعالى. فعلى العبد أن يجعل هذه الدنيا طاعة لله جل وعلا وشكرا للرؤوف الرحيم. وهكذا سخر الله سبحانه وتعالى ما في الأرض: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. فالله سبحانه وتعالى ما في هذه الأرض، وهذه الفلك التي تجري في البحر يركبها الناس من بلاد إلى بلاد، تحمل البضائع وتحمل كذلك الأشياء العظيمة وتسير في هذا البحر لا يغرقون ولا يخافون على أنفسهم. نعم عظيمة من الرؤوف الرحيم يجب على العباد أن يشكروا نعمة الرؤوف الرحيم عليهم. فمن مقتضى الإيمان باسم الله جل وعلا الرؤوف الرحيم والتعبد له أن يشكر العبد ربه على هذه النعم العظيمة. وهكذا كذلك من رأفة الرؤوف الرحيم بعباده جل وعلا أن جعل أحكامه أحكام رأفة وأحكام رحمة. فأحكامه جل وعلا كلها أحكام رأفة وأحكام رحمة. بل هذا الدين أرسل به النبي -عليه الصلاة والسلام- رحمة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾. فهو رحمة مهداة -عليه الصلاة والسلام-. وهذا الدين وهذه الأحكام في هذا الدين جعلها الرؤوف الرحيم أحكام رأفة وأحكام رحمة. فمن مقتضى الإيمان باسم الله الرؤوف الرحيم التحاكم إلى هذه الأحكام الشرعية وإقامة هذه الحدود التي حدها الرؤوف الرحيم. فلا أحد هناك أرحم وأرأف من الرؤوف الرحيم. فالرؤوف الرحيم هو الذي جعل هذه الأحكام الشرعية. ولولا فضله ورحمته بعباده وأن جعل لهم هذه الأحكام الشرعية العظيمة لا هلك الناس. ولو أنهم قاموا بالقصاصة لكانت لهم الحياة الطيبة: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فمن رأفة الرؤوف الرحيم أن جعل أحكام شرعه كل أحكام رأفة وأحكام رحمة. وهكذا كذلك من رأفة الرؤوف الرحيم بعباده سبحانه وتعالى أنه أنزل هذا الكتاب العظيم الذي جعله أعظم الكتب وأفضل الرسالات وفيه الآيات البينات الواضحات: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. فالله جل وعلا جعل هذا الكتاب العظيم الذي أرسل به سيد المرسلين فيه من الآيات الواضحات والآيات البينات التي من تمسك بها نجا ومن أخذ بها سعد في الدنيا والآخرة. فالواجب الأخذ بكتاب الله جل وعلا وتعلمه وتدارسه وتطبيقه والعمل به. فإن السعادة إنما تكون بقدر التمسك بهذا الكتاب العظيم وسنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-. ومن رأفة الرؤوف الرحيم بعباده جل وعلا أنه سبحانه وتعالى جعل من أعظم شرائع هذا الدين ومن أعظم خصال أهل الإيمان هي خصال الرأفة والرحمة. فالرؤوف الرحيم جل وعلا جعل كتابه كتاب رأفة ورحمة، وأرسل نبيه بالرأفة والرحمة، وجعل أيضا من أعظم خصال هذا الدين ومن أعظم صفات أهل هذا الدين الرأفة والرحمة. فيدعو لمن سبقه بإحسان، فلا يكون في قلبه الغل ولا الحقد ولا الضغائن ولا غير ذلك. والذين جاءوا من بعدهم يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. فمن مقتضى الإيمان باسم الله الرؤوف الرحيم أن تكون -يا عبد الله- رؤوفا رحيما بعباد الله سبحانه وتعالى. فهذا الدين مبني على التراحم، وأهل السنة هم أعلم الناس وأعرف الناس بالحق وأرحم الناس بالخلق. وما ذاك إلا لعظيم فقههم بدين الله جل وعلا، كتاب الله سبحانه وتعالى، وسنة رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، ومنهج السلف الصالح الذي كانوا عليه. فمن مقتضى الإيمان باسم الله الرؤوف الرحيم أن تنتصف بصفة الرأفة والرحمة. ولذلك كان رسول الله -عليه الصلاة والسلام- الذي أرسله الله جل وعلا رحمة للعالمين، كان من أعظم صفاته أنه رؤوف رحيم، أنه رؤوف رحيم بالمؤمنين. كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. فمن أعظم صفاته -عليه الصلاة والسلام- أنه الرؤوف الرحيم بهذه الأمة. ولذلك بلغ البلاغ المبين كاملا، ترك الأمة على البيضاء ليلها كنهارها لا يزغ عنها إلا هالك. نسأل الله جل وعلا الرؤوف الرحيم أن يرحمنا وأن يرأف بنا سبحانه وتعالى، ونجعل الأمة متراحمة فيما بينها مجتمع على كتابه وسنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-. إنه الرؤوف الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.