الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 51، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
اسم الله الكبير يعني عظمة الله في ذاته وأسمائه وصفاته، ومقتضى التعبد بهذا الاسم أن يكبر العبد ربه ويعظمه. ورد هذا الاسم في القرآن والسنة، وأمر الله بتكبيره في مواضع مختلفة.
التكبير شرع في مواضع كثيرة مثل عند السفر والعودة منه وعند الصعود والنزول، وهو تعظيم لله وتنزيه له عما لا يليق به. يدل التكبير على عظم الله جل وعلا ويستحق أن يوحد ويعبد لأنه الكبير المتعال.
الإيمان باسم الله الكبير يقتضي التحاكم إلى شرعه وتعظيم أحكامه وأوامره، ويجب على العبد أن يخضع لله العلي الكبير ويقدم أحكامه على كل شيء. التكبير أمر عظيم بالله الكبير جل وعلا.
بسم الله والحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -رحمه الله تعالى- في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا "الكبير". فالكبير اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في مواضع من كتاب الله جل وعلا، منها قوله جل وعلا: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾. وهكذا قوله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال﴾. وقوله جل وعلا كذلك في كتابه الكريم: ﴿حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير﴾. وقال جل وعلا: ﴿فالحكم لله العلي الكبير﴾. فهذه مواضع في كتاب الله ذكر فيها اسم الله جل وعلا الكبير. في السنة، في حديث أبي هريرة في الصحيحين أو في البخاري، أن الله جل وعلا إذا قضى الأمر في السماء أخذت الملائكة رعدة شديدة خضوعا لقوله جل وعلا، كأنه سلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير. فيسترقها مسترق السمع، أو فيسمعها مسترق السمع فيلقيها إلى من تحته. الحديث. فالكبير من أسماء الله جل وعلا الحسنى. ومعنى اسم الله جل وعلا الكبير، يقول السعدي -رحمه الله تعالى-: "الكبير أي في ذاته وأسمائه وصفاته ولعظمة كبريائه جل وعلا، أن الأرض قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه. ولعظمة كبريائه أن نواصل عبادة، أن نواصل عبادة بيده، لا يتصرفون إلا بمشيئته، ولا يتحركون ولا يسكنون إلا بإرادته، فهو الكبير جل وعلا". ومقتضى التعبد لله جل وعلا باسمه الكبير أن يكبر العبد ربه جل وعلا، فالله جل وعلا هو الكبير، والكبير جل وعلا يحب من عباده أن يكبروه سبحانه وتعالى. ولذلك أمر الكبير جل وعلا بتكبيره في مواضع من كتابه العزيز. قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر﴾. فأمر بتكبيره جل وعلا. وهكذا قال جل وعلا آمرا بتكبيره: ﴿قل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا﴾. وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم آمرا بعد انقضاء الصيام بتكبيره: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكبروا الله ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾. وهكذا في الحج أمر الله جل وعلا بتكبيره: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين﴾. وهكذا أمر الله جل وعلا بتكبيره في الأذان على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، فالأذان يرفع بتكبير الله جل وعلا: "الله أكبر الله أكبر". وهكذا كذلك الصلاة تفتتح بتكبير الله الكبير جل وعلا، فالتكبير في الصلاة مفتاحها، والتكبير تحريمها، وختامها التسليم، أو كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا كذلك الانتقال من القيام إلى الركوع عند الركوع يكبر العبد، وعند السجود يكبر، وعند الرفع من السجود يكبر، وعند القيام إلى الركعة التالية يكبر. وكل هذا التكبير تعظيما للكبير جل وعلا. وهكذا بعد انقضاء الصلاة شرع التكبير، قال الصحابة رضي الله تعالى عنهم: "كنا نعلم انقضاء صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام بالتكبير". يعني يعلمون أن الصلاة قد انتهت إذا سمعوا التكبير. فالتكبير شرع في هذا الموضع، وهكذا في مواضع كثيرة، النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد سفرا كبر، كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام أنه إذا ركب راحلته وأراد السفر كبر ثلاثا: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر". وهكذا رجع من السفر كبر عليه الصلاة والسلام. وهكذا في الصحيح، إذا صعد الصحابة كبروا، كما قال الصحابي: "كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا". وهكذا في مواضع كثيرة شرع فيها التكبير تكبيرا للكبير جل وعلا. وهذا يدل على شيء، إنما يدل على عظم تكبير الله جل وعلا. ولذلك كان نبينا عليه الصلاة والسلام يكبر الله جل وعلا ويعظمه. جاء في حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه أنه سمع النبي عليه الصلاة والسلام حين كان يصلي في الليل يقول في ركوعه عليه الصلاة والسلام: "سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة". فهو يثني على الكبير جل وعلا بصفاته، ومنها صفة الكبرياء التي هي من أوصاف الكبير جل وعلا. ولذلك العبد عليه أن يكثر من التكبير. وهذا يشرع التكبير في مواضع منها إذا سر الإنسان بأمر، إذا سر الإنسان بأمر يشرع التكبير. فقد ثبت في حديث عبد الله بن مسعود في الصحيحين أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "إني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة". قال عبد الله بن مسعود: "فكبرنا". قال: "إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة". قال عبد الله بن مسعود: "فكبرنا". لأن هذا الأمر سار أن تكون أمة محمد عليه الصلاة والسلام هي ربع أهل الجنة أو ثلث أهل الجنة. وهكذا كذلك يشرع التكبير إذا ذكر ما لا يليق بالله جل وعلا. في حديث أبي واقد الليثي رضي الله تعالى عنه عند الترمذي، قال أبو واقد الليثي: "كنا مع رسول الله عليه الصلاة والسلام في سفر، وكنا حدثاء عهد بكفر، فمررنا على المشركين ولهم سدرة يعكفون عندها وينوطون عليها أسلحتهم، يقال لها ذات أنواط". قال: "فمررنا بسدرة فقلنا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط". قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "الله أكبر إنها السنن". قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: "اجعل لنا إلها كما لهم آله". تكبير النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الموضع تعظيما لله جل وعلا وتنزيها له جل وعلا عما لا يليق به. وهكذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يكبر إذا فتح فتحا، لما فتح خيبر قال: "الله أكبر خربت خيبر". كما في صحيح الإمام مسلم. فيقال التكبير عند فتح الفتوحات وغير ذلك من الأمور. وهذا كله يدلنا على عظم التكبير وأن الكبير العلي جل وعلا يحب التكبير في موضعه. ومن مقتضى التعبد لله جل وعلا والإيمان باسمه الكبير تحقيق التوحيد لله جل وعلا، فالتوحيد هو حق الكبير جل وعلا. ليس حق الصغير المخلوق. ولذلك قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير﴾. فالعلي الكبير هو الذي يستحق أن يدعى ويستحق أن يوحد ويستحق أن يعبد لأنه الكبير جل وعلا. كيف تعبد الصغير المخلوق، صغير مهما كان هو صغير. وإنما العبادة للكبير جل وعلا. فمن مقتضى تعبد العبد لله جل وعلا باسمه الكبير أن يحقق العبد التوحيد للكبير جل وعلا المتعال. ومن مقتضى تعبد العبد لله جل وعلا باسمه الكبير أن يتحاكم العباد إلى حكم الكبير جل وعلا، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فالحكم لله العلي الكبير﴾. الآية واضحة ما تحتاج أن تفسر. فالحكم للعلي الكبير، ليس لغيره. فإذا كان الحكم للعلي الكبير معناه أن لا يتحاكم إلى غير الله جل وعلا، وأن لا يتحاكم إلى غير شرع الله جل وعلا. كيف آمنت بأن الله جل وعلا هو الكبير وأيقنت بأن الله جل وعلا هو الكبير ثم بعد ذلك تحاكم إلى شرع غير الكبير جل وعلا؟ بل الله جل وعلا هو الكبير وشرعه فوق كل شرع، وحكمه جل وعلا فوق كل حكم. فمن مقتضى الإيمان باسم الله الكبير أن يتحاكم العباد للعلي الكبير. كثير من الناس اليوم صاروا يتحاكمون إلى القوانين الوضعية، وصاروا يتحاكمون إلى قوانين الغرب. كيف تركتم حكم العلي الكبير جل وعلا وأخذتم بحكم الصغير الحقير؟ هذا من ضعف التعبد لله جل وعلا ومن عدم فهم معنى اسم الله الكبير الذي هو كبير في ذاته وفي أسمائه وفي صفاته، وكبير شرعه جل وعلا وعظيم شرعه سبحانه وتعالى. ومن مقتضى التعبد لله جل وعلا والإيمان باسمه الكبير عدم منازعة الكبير في كبريائه. فالكبير هو وحده الذي له الكبرياء. فأنت لا تنازعه يا عبد الله، أيقنت أن الله هو الكبير وأيقنت أن الكبرياء له وحده فلا تنازع الكبير في كبريائه. فالكبرياء للكبير، ليست لك أيها الصغير. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي الذي جاء في الصحيح: "قال الله جل وعلا: الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، من نازعني فيهما عذبته". فالكبير جل وعلا الموصوف بالكبرياء لا يحب أحدا أن ينازعه لأنه ليس له ذلك. كيف تنازع الكبير جل وعلا؟ ليس لك أن تنازع الكبير في كبريائه، أنت مخلوق ضعيف صغير، والكبرياء لا تليق بك، وإنما الكبرياء تليق بالكبير جل وعلا. فلا تنازع الكبير جل وعلا في كبريائه وفي صفاته. وهكذا كذلك من مقتضى الإيمان والتعبد لله جل وعلا باسمه الكبير أن يخضع العبد للكبير، أن يخضع العبد لله جل وعلا العلي الكبير في أحكامه وفي أوامره، وأن يعظم شرعه جل وعلا، وأن يعظم كلامه وأحكامه. فمن مقتضى الإيمان باسم الله الكبير أن تعظمه جل وعلا وتعظم شرعه وتعظم أحكامه وتعظم كلامه القرآن. إذا سمعته قد سمعتم حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه كيف أن الملائكة إذا سمعت الأمر يقضى في السماء ماذا يحصل لها؟ تصعق الملائكة تصعق حين تسمع كلام الله جل وعلا. لماذا؟ تعظيما للكبير جل وعلا. ولذلك حين يفقون ماذا يقولون؟ حين يسألون جبريل ماذا يجيب؟ يقول: "قال الحق وهو العلي الكبير". إن الصعق كان لأجل الكبير جل وعلا العلي، وذلك الخوف العظيم وذلك الذي أخذهم إنما بسبب تعظيمهم وخوفهم وكذلك تضرعهم واستكانتهم للعلي الكبير جل وعلا. فمن مقتضى تعبدك -عبد الله- لله جل وعلا باسمه الكبير وإيمانك أن تعظم شرع الكبير جل وعلا وأن تجعله فوق رأسك، وأن تتحاكم إلى شرعه، لا تقدم هوى نفسك على حكم الكبير جل وعلا، لا تقدم الدنيا على أحكام الكبير جل وعلا، لا تقدم الأعراف والعادات من الناس، من يقدم الأعراف ومن يقدم العادات على شرع رب العالمين جل وعلا. هذا من ضعف الإيمان باسم الله جل وعلا الكبير. لأن معنى أن الله جل وعلا الكبير أي أكبر من كل شيء. أنت حين تقول: "الله أكبر" ما معنى هذا؟ أتعلم ما معنى هذا؟ أم أنك تقول كلاما وأنت لا تدري؟ كثير من الناس اليوم يقول: "الله أكبر" لكن هل علم ما معنى "الله أكبر"؟ معنى "الله أكبر" أي أكبر من كل شيء. والمعنى أن حكمه المقدم، وأن أمره المقدم، وأن طاعته المقدمة أكبر من كل شيء، أكبر من نفسك، أكبر من والدك، أكبر من مالك، أكبر من الدنيا، أكبر من كل أحد. رب العالمين جل وعلا. ومعنى هذا أن يكون سيرك وإقدامك وإحجامك وأخذك وعطاءك وأفعالك توافق أحكام وشرع الكبير جل وعلا. لأنك قد أعلنتها قد أعلنتها بلسانك: "الله أكبر". فعليك أن تنفذ ما قلت. "الله أكبر" ليس بلسانك فقط، "الله أكبر" يجب أن يكون في أفعالك وفي جوارحك وفي أمورك كلها. فالتكبير أمر عظيم بالكبير جل وعلا، واسم الله جل وعلا الكبير من أعظم أسماء الله جل وعلا الحسنى. نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا ممن كبره جل وعلا حق تكبيره سبحانه وتعالى وعظمه حق تعظيمه. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.