الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 67، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
اسم الله الحيي يعني أنه يستر عباده ولا يفضحهم، ويغفر لهم مع علمه بذنوبهم. الله جل وعلا يستحي أن يرد عبده صفرا إذا رفع يديه إليه.
الحياء خلق عظيم يحبه الله جل وعلا، وهو شعبة من شعب الإيمان، يمنع صاحبه من فعل القبيح ويحمله على فعل الحسن. الأنبياء والصحابة كانوا من أعظم الناس اتصافا بخلق الحياء.
الحياء الحق يكون بحفظ الإنسان نفسه وجوارحه عن المحرمات وتذكر الموت والبلاء. الدعاء بالحياء والعفة هو وسيلة لطلب العون من الله لتحقيق هذا الخلق العظيم.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه. وما بعد، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله تعالى في كتابه «القواعد المثلى فيما صح من سنة رسول الله» عليه الصلاة والسلام، اسم الله جل وعلا «الحيي». فالحيي اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في حديثين صحيحين عن رسول الله عليه الصلاة والسلام. الحديث الأول حديث يعلى بن أمية رضي الله تعالى عنه، عند أبي داود والنسائي، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، قال رضي الله عنه: رأى النبي عليه الصلاة والسلام رجلا يغتسل بالبراز، ليس عليه إزار، فصعد المنبر عليه الصلاة والسلام، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله حيي ستير، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر». والحديث الثاني هو حديث سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه، عند أبي داود وابن ماجة، صححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله تبارك وتعالى حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفرا». ففي هذين الحديثين إثبات اسم «الحيي» من أسماء الله جل وعلا الحسنى. ومعنى هذا الاسم «الحيي» لله جل وعلا، يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في «نونيته»: وهو الحيي، فليس يفضح عبده عند التجاهر منه بالعصيان، لكنه يلقي عليه ستره. فهو الستير، وهو صاحب الغفران. ذكر العلامة الهراس رحمه الله تعالى في تعليقه على «نونية ابن القيم» عند ذكر ابن القيم لهذا الاسم «الحيي» من أسماء الله جل وعلا، قال العلامة الهراس رحمه الله تعالى، مبينا معنى اسم الله جل وعلا «الحيي»: هو الذي يترك ما لا يتناسب مع سعة رحمته وكمال جوده وكمال عفوه ورحمته. فهو جل وعلا يغفر لعبده، ويستر عليه، مع أن العبد فقير إلى الله جل وعلا، وضعيف إلى الله جل وعلا، ومع ذلك لا يستطيع العبد أن يعصي الله جل وعلا إلا بأن يتقوى بنعم الله جل وعلا. قال السعدي رحمه الله تعالى في تعليقه على اسم الله جل وعلا «الحيي»: وذلك من كمال رحمته وكمال عفوه، فإن عبده يعصيه ويجاهره بالمعصية، وهو جل وعلا يستحي أن يفضحه وأن يهتك ستره، بل يستر عليه بما يهيئه له من أسباب الستر. والعباد شرهم إلى الله جل وعلا صاعد، وخيره جل وعلا إليهم نازل، بعدد اللحظات، والله جل وعلا يسترهم، والله جل وعلا كذلك يستحي منهم أن يهتك سترهم وأن يفضحهم. فهذه من معاني اسم الله جل وعلا «الحيي»، أي أنه الذي لا يعاجل عبده، والذي لا يفضح عبده، بل يستحي أن يفضح عبده، وأن يهتك ستره، بل هو جل وعلا يترك ما لا يتناسب مع سعة رحمته وكمال عفوه وحلمه سبحانه وتعالى. وقد دلت الأدلة الكثيرة في الكتاب والسنة، خصوصا على اتصافه جل وعلا بوصف الحياء. فالله سبحانه وتعالى هو الحيي الموصوف بصفة الحياء على ما يليق به جل وعلا، كسائر صفاته، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. ففي كتاب الله جل وعلا، قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، فهذه الآية دالة على إثبات الحياء وصفا لله جل وعلا، وأنه جل وعلا لا يستحي مما هو حق، وإنما يستحي مما لا ينبغي. وهكذا ثبت في الصحيحين الحديث أبي واقد الليثي رضي الله تعالى عنه، أن ثلاثة نفر أقبلوا والنبي عليه الصلاة والسلام في المسجد ومعه الناس، فأحد هؤلاء الثلاثة وجد فرجة فجلس فيها، والآخر أعرض، فأعرض الله عنه، والآخر استحيا، فاستحي الله منه. وفي هذا الحديث إثبات صفة الحياء لله جل وعلا على ما يليق به سبحانه وتعالى. وهذا كلام النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين، عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها، حين جاءت إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «نعم، إذا هي رأت الماء». فأقر النبي عليه السلام أم سلمة في قولها «إن الله لا يستحيي من الحق»، ففيه وصف الحياء لله جل وعلا على ما يليق به سبحانه وتعالى. فوصف الحياء وصف عظيم من أوصاف الله سبحانه وتعالى. فمقتضى تعبد العبد لربه جل وعلا باسمه «الحيي» أن يتخلق بوصف الحياء، فعليه أن يكون من المتخلقين بصفة الحياء، ذلك لأن الحيي جل وعلا يحب الحيي من عباده، كما سمعتم في الحديث السابق: «إن الله حيي ستير، يحب الحياء والستر». وهكذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كما في حديث الأشج بن عبد القيس عند أحمد وغيره، قال النبي عليه الصلاة والسلام لأشج بن عبد القيس: «إن فيك خلقين يحبهما الله ورسوله: الحلم والحياء». فخلق الحياء مما يحبه الله جل وعلا، ولذلك أمر نبينا عليه الصلاة والسلام بأمر الله جل وعلا بالحياء، وبين فضل من اتصف بهذا الخلق العظيم. وبين عليه الصلاة والسلام أنه من أخلاق الأنبياء، وأنه كذلك من أخلاق الملائكة، وأنه كذلك من أخلاق أتباع الأنبياء، وكذلك أنه من شعب الإيمان العظيمة، ومن أخلاق أهل الإيمان التي اتصفوا بها. فما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من ذلك كثير. فمنه حديث أبي هريرة في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». فالحياء شعبة من شعب الإيمان العظيمة. وفي حديث عبد الله بن عمر في الصحيحين، أن رجلا كان يعرض أخاه في الحياء، كأنه يقول له: أنت تستحي، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «دعه، فإن الحياء من الإيمان». وهكذا عمران بن حصين رضي الله عنه، في الصحيحين، قال عليه الصلاة والسلام: «الإيمان خير كله، في لغض الإيمان لا يأتي إلا بخير». وفي حديث عبد الله بن عمر عند أحمد والحاكم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الإيمان والحياة قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر». فهذا يدلنا على عظيم هذه الصفة، وعظيم هذا الخلق، ألا وهو خلق الحياء، الذي هو من مقتضى تعبد العبد لربه جل وعلا باسمه «الحيي»، أن يتصف بهذا الخلق الذي يحبه الله جل وعلا، والذي أثنى عليه ورتب عليه الأجور العظيمة. وهكذا ثبت كذلك في البخاري، من حديث أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». وفي لفظ: «ففعل ما شئت». أي أن الذي ليس له حياء، والذي ليس فيه حياء، يصنع ما شاء ولا يبالي، لأن الحياء هو الذي يمنع العبد من أن يفعل ما يستحي منه. والمراد بالحياء الحياء الممدوح، لأن الحياء على نوعين: حياء مذموم، وحياء ممدوح. أما الحياء الممدوح، فهو الذي يمنع صاحبه من فعل ما يستحي منه، أو من قول ما يستحي منه، فهو خلق يحمل صاحبه على فعل الحسن وتجنب القبيح، وعدم التقصير في حق ذي الحق. وأما الحياء المذموم، فهو الذي يمنع صاحبه من قول الحق، أو من فعل الواجب، أو من ترك المحرم. ولذلك قالوا: لا يطلب العلم مستحي ولا مستكبر. فالذي يستحي من طلب العلم، هذا حياء مذموم. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها، وهي تثني على نساء الأنصار: لم يمنعهن الحياء من التفقه في الدين. وسمعتم حديث أم سلمة التي جاءت وقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق. فلم يمنعها الحياء من أن تسأل عن أمر دينها، وعن أن تتفقه في أمر دينها وعبادتها. فكل حياء يمنع من أداء واجب، أو الوقوع في تقصير، أو كذلك من فعل أمر لا ينبغي أن يستحي منه، أو قول ما يستحي منه، فهو من الحياء المذموم. وأعظم الحياء الحياء من الله جل وعلا. ويكون الاستحياء من الله جل وعلا حق الحياء، أن تحفظ رأسك وما وعى، وتحفظ بطنك وما حوى، وأن تذكر الموت والبلاء، ولا تتعلق بهذه الدنيا، لأنه أراد الآخرة، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا. فمن كان على هذه الخلال، ومن كان على هذه الصفات، هذا حقا الذي استحيا من الله جل وعلا حق الحياء. ثم الحياء مع الخلق بأن تكون حييا في قولك، وحييا كذلك في أفعالك، لا تكون من الذين لا يستحيون في أقوالهم ولا في أفعالهم ولا في تصرفاتهم. بل يكون عندك الحياء إذا تكلمت، وعندك الحياء إذا فعلت، الحياء عندك في قيامك، الحياء عندك في جلوسك، الحياء عندك في بيعك وشرائك، الحياء عندك في ملبسك، الحياء عندك في مشيك، الحياء عندك في ذهابك وفي إيابك، الحياء عندك ملازم في جميع أمورك. وذلك لأنك تعبد الله جل وعلا بهذا الحياء الذي تتصف به، فتكون من الذين سخروا جوارحهم طاعة الله جل وعلا، وسخروا ألسنتهم وقلوبهم وجوارحهم كلها في طاعة الله جل وعلا. ولذلك كان أنبياء الله عليه مفضل الصلاة والسلام من أعظم الناس اتصافا بخلق الحياء. فهذا موسى عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين أو في البخاري، أخبر عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان حيا ستيرا، وكان لا يغتسل عند قومه إذا أراد أن يغتسل، وإنما يذهب بعيدا. فذات يوم اغتسل عليه الصلاة والسلام، وكان قومه يعيبونه فيقولون: لا يغتسل عريانا إلا لأن به آفة أو به عيب. فأراد الله جل وعلا يبرئهم، فاغتسل يوما عليه الصلاة والسلام، وجعل ثوبه على حجر، ثم أخذ الحجر، فانطلق وراءه موسى وهو يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى توقف لما وصل على ملأ من بني إسرائيل. فقالوا: والله ما بموسى من أذى، فهو على أحسن ما خلقه الله جل وعلا. فضرب موسى الحجر ضربا حتى قال عليه الصلاة والسلام: والله إن عليه لندبا من ضربات ثلاثا أو أربعا أو خمسا، ثم لبس ثوبه عليه الصلاة والسلام، فبرأه الله جل وعلا. قال عليه الصلاة والسلام: ذلك قوله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾. وهكذا الأنبياء في حيث شفاعة كل واحد يقول: إني استحييت من ربي. اذهبوا إلى غيري. والنبي عليه الصلاة والسلام، كما في حديث أبي سعيد الخداء في الصحيحين، كان أشد الناس حياء، كان حييا أشد من حياء العذراء في خدرها. وهكذا عثمان من الصحابة، كان حييا، كما جاء في الصحيحين. حتى عائشة رضي الله عنها وغيرها، أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه أبو بكر، وكان قد كشف عن فخذه وساقيه، ثم دخل عمر على ذلك الحال، ثم دخل عثمان، فجلس، وفي لفظ قال لعائشة: البسي عليك ثيابك. فسألته: لماذا فزعت لعثمان ولم تفزع لأبي بكر وعمر؟ قال: إن عثمان رجل حيي، فأخشى أن لا يبلغ في حاجته. فالحياء على ظل خلق عظيم، فعلينا أن نتخلق به، وأن لا نجاهر بالمعاصي، لا بالأسماع ولا بالأبصار. وإذا وجد الحياء في المجتمعات وجد كل خير، وإذا ذهب الحياء فعل المجتمعات العفاء. فصدق القائل إذ يقول: إذا أنت لم تخش عاقبة الليالي ولم تستحي فاصنع ما تشاء. فلا والله ما في الدنيا ما في العيش خير، ولا الدنيا إذا ذهب الحياء يعيش المرء ما استحيا بخير، ويبقى العود ما بقي اللحاء. نسأل الله جل وعلا الحياء الكريم، أن يجعلنا من عباده الذين يستحيون منه حق الحياء، وأن يجعل مجتمعاتنا عامرة بالحياء والعفة، إنه الحياء الكريم. وصلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.