التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 4

الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 4، ألقاها

أسباب الضلال واتباع الرسول

الضلال يحدث بسبب التفريط في اتباع الرسول والإعراض عن كتاب الله. اتباع هدى الله والرسول هو السبيل للنجاة.

توحيد الألوهية ودين الرسول

توحيد الألوهية واتباع الرسول أمران مقبولان عند الله. الدين المقبول هو ما جاء به الرسل.

التأويل والتحريف وبيان الفرق

التأويل هو صرف اللفظ عن ظاهره لقرينة، والتحريف هو صرفه لغير قرينة. السلف كانوا يطلقون التأويل على حقيقة الشيء وتفسير القرآن.

ختام بالتأكيد على علم الله

الله تعالى هو الأعلى والأعلم، ويجب التأكيد على أن العلم الحقيقي والقدرة المطلقة له وحده. هذا ختام للتأكيد على عظمة الله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الشارح رحمه الله تعالى: وينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول، وترك النظر والاستدلال الموصل إلى معرفته. فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا، كما قال تعالى: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكة ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فلم تتذكرها وكذلك اليوم تنسى﴾. قال ابن عباس رضي الله عنه: «تكفى الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة»، ثم قرأ هذه الآيات. وكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنها ستكون فتن»، قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: «كتاب الله، فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، من ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تلتبس به الألسنة، ولا تنقضي عجائبه، ولا يشبع منه العلماء، ومن قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حاكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم». إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على مثل هذا المعنى. قال الشارح رحمه الله تعالى: قال ابن عباس رضي الله عنهما: «تكفى الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة»، ثم قرأ هذه الآية، أي قوله سبحانه: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾ الآية. هذا الأثر له عدة طرق إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فقد رواه عبد الرزاق في مصنفه، قال: عن ابن عيينة، عن عطاء بن السائب، عن ابن عباس: «من قرأ القرآن فاتبع ما فيه هداه الله من الضلالة في الدنيا، وقال: أو وقاه يوم القيامة الحساب»، وذلك أن الله يقول: ﴿فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾، وهذا الأثر أو هذا الإسناد إسناد صحيح، أو قل: رجاله ثقات، إلا أن عطاء بن السائب لم يسمع من ابن عباس. عطاء بن السائب ثقة تغير، إلا أنه قد روى عنه ابن عيينة قبل التغير وقبل الاختلاط، فرواية ابن عيينة عنه صحيحة. ولكن بقيت العلة في رواية عطاء بن السائب عن ابن عباس؛ لأنه لم يسمع منه. وأخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير الطبري عن أبي خالد الأحمر، عن عمر بن قيس، عن عكرمة، عن ابن عباس. وأبو خالد الأحمر فيه ضعف، وسناده رجاله ثقات إلا أبا خالد الأحمر؛ ففيه ضعف. وعمر بن قيس النكري قد وثقه ابن معين وغيره. وله إسناد ثالث من طريق الحسين بن يزيد الطحان، وفيه لين. وأخرى أو قل: رابعة، وفيها كذلك ضعف. وحاصل القول في هذا الأثر أنه حسن بمجموع طرقه. أما حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، فكما ذكر رحمه الله تعالى أن الحديث من حديث علي رضي الله عنه وأرضاه، والحديث لا يصح. رواه الترمذي وغيره. وبعد أن أخرجه الترمذي رحمه الله تعالى قال: «لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وإسناده مجهول، وفيه الحارث»، أو قال: «وفيه الحارث مقال»، أي: الحارث الأعور. والحارث الأعور من أهل العلم من يكذبه، يحكم عليه بأنه كذاب. منهم من يترك حديثه، ومنهم من يتكلم في حديثه ويجعله في رتبة الضعيف الذي يقبل في الشواهد والمتابعات، فالحاصل أنه ضعيف. وله طريق أخرى، أو قل: جاء هذا الحديث كذلك من حديث ابن مسعود عند أبي عبيد في فضائل القرآن بنحوه، لكنه من طريق إبراهيم بن مسلم الهجري، ضعيف جدا. وكذلك رواه الطبراني عن معاذ بن جبل، وفيه الواقدي، وهو متروك الحديث. فالحديث بالطرق المذكورة لا يصح، والله تعالى أعلى وأعلم. قال الشارح رحمه الله تعالى: وينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب -أي في باب أصول الدين- أو عجز فيه عن معرفة الحق، فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول. إذن سبب الضلال إنما هو التفريط والتقصير والإضاعة التي وقع فيها ذلك المقصر وذلك العبد، فكان سببا لضلاله. وقوله رحمه الله تعالى: «وترك النظر والاستدلال الموصل إلى معرفته»، إلى معرفته. حقيقة أن هذه العبارة -قوله: النظر والاستدلال- هذه العبارة إن أريد بها النظر والاستدلال، النظر في الآيات -سواء كانت الكونية أو الشرعية- والاستدلال بها على حقيقة ما أراده الله جل وعلا من العباد: من أن الله جل وعلا يستحق العبادة وحده، وأن هذا الكون يسير بنظام عظيم يدل على أن خالقه واحد، وكذلك يدل على صحة ما جاء به الرسول؛ إذ لا اضطراب فيه ولا اختلال ولا اختلاف، فهذا معنى جيد. نظر واستدلال في الأدلة. أما أن أريد بالنظر والاستدلال الموصل إلى معرفته -أي الموصل إلى معرفة الله جل وعلا- فإن معرفة الله جل وعلا لا تحتاج إلى نظر ولا إلى استدلال. نعم، قد يكون النظر والاستدلال من الطرق التي توصل إلى معرفة الله جل وعلا، وليست هي الطريق الواحدة المحصورة المقصورة على معرفة الله جل وعلا كما يزعم ذلك أهل الكلام. فأهل الكلام يقولون: بأن الله جل وعلا لا يستطاع أن يعرف وجوده إلا بعد النظر والاستدلال، وهذا كلام باطل. سيأتي معنا بإذن الله جل وعلا عند الكلام على أول واجب: أن هذا القول باطل، وأن هذا الزعم فاسد، ليس عليه أثارة من علم. فحاصل أو فالحاصل من هذا: أن مسألة أو ذكر هذه العبارة فيها إيهام، ولا سيما أن أهل الكلام يستخدمونها فيما سمعتموه: أنهم يقولون: بأن الله جل وعلا، وجود الله جل وعلا -يرحمك الله- معرفة وجود الله جل وعلا تكون ولا يستطاع معرفة ذلك إلا بعد النظر والاستدلال، وهذا زعم باطل. بل معرفة الله جل وعلا ووجوده سبحانه وتعالى هذا معلوم مركوز في الفطر، مركوز في الفطر. فكل عبد وكل مخلوق يعلم أن له خالقا هو الله جل وعلا. لذا لم تأتي الرسل من أولهم إلى آخرهم بهذا الأمر الذي هو مركوز في الفطر، بل جاءت إلى الدعوة إلى عبادة الله جل وعلا وحده لا شريك له، لا شريك له. وحاجتهم للرسل بأنهم مقرون بأن الله جل وعلا هو الخالق، وهو الرازق، وهو الذي بيده الأمر، والذي بيده النفع والضر، فاحتجوا عليهم بتوحيد الربوبية لإثبات وللإقرار بتوحيد الألوهية. فالحاصل أن هذه العبارة أقل أحوالها أن يقال: بأن فيها إجمالا. قال رحمه الله: «فلما أعرض عن كتاب الله ضلوا». قوله: وترك النظر والاستدلال الموصل إلى معرفته، فلما أعرض عن كتاب الله ضلوا، هذا حق، ويؤيده ما استدل به الشارح رحمه الله تعالى من الآية المذكورة. قال الله جل وعلا: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى﴾. فلا يضل ولا يشقى من اتبع الهدى الذي أنزله الله جل وعلا على رسوله؛ فإنه لا يضل لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يشقى كذلك لا في الدنيا ولا في الآخرة؛ لأنه مع الله جل وعلا. فهذا حاصل ما يذكر في هذا المقام. قال رحمه الله: «ولا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا يدينون به إلا أن يكون موافقا لدينه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم السلام». قوله رحمه الله: «ولا يقبل الله من الأولين والآخرين دينا يدينون به»، أي: ما يتعبدون به. دينا يدينون به، أي: يتعبدون به ويتقربون به ويسيرون به إلى الله جل وعلا، إلا ما بعث به ربنا جل وعلا رسله. فالدين الذي بعث الله جل وعلا به الرسل هو الدين الذي لا يقبل الله دينا سواه، هذا باعتبار الأمم السابقة إلى هذه الأمة. فإن الأنبياء من أولهم إلى آخرهم دعاة إلى الإسلام. والإسلام العام: وهو الاستسلام لله جل وعلا بالطاعة، والانقياد له بالقبول. طاعة لله وطاعة لرسوله، وانقياد لله جل وعلا، وانقياد كذلك للرسول، هذا هو الإسلام العام. وإسلام خاص: وهو الإسلام الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، والذي لا يقبل الله جل وعلا دينا بعد هذا الدين سواه. قال الله جل وعلا: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. والإسلام ها هنا إسلام خاص، وهو الإسلام الذي بعث الله جل وعلا به محمدا صلى الله عليه وسلم. قال رحمه الله: «وقد نزه الله تعالى نفسه عما يصفه العباد إلا ما وصفه به المرسلون». بقوله سبحانه: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين﴾. فنزه نفسه سبحانه عما يصفه به الكافرون، ثم سلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب، ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد. قوله رحمه الله: «وقد نزه الله تعالى نفسه عما يصفه العباد»، أي: من تلقاء أنفسهم. وهذا نوع من الإلحاد، إلحاد في باب أسماء الله جل وعلا وصفاته؛ لأن من الإلحاد -كما تقدم معنا مرارا- أن يسمى الله جل وعلا أو يوصف بما لم يسم به نفسه، وبما لم يسمه به رسوله صلى الله عليه وسلم. فمن وصف الله جل وعلا بما لم يصف به نفسه، أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو ملحد في أسماء الله وصفاته، وهو متقول على الله جل وعلا في أسمائه وصفاته. قال: «إلا ما وصف به المرسلون؛ لأن المرسلون مخبرون عن ربهم جل وعلا». قال سبحانه: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾، وهذا من تنزيه الله جل وعلا نفسه؛ لأن سبحانه بمعنى: التنزيه والتقديس، بمعنى: التنزيه والتقديس. وهذا اللفظ لا يطلق إلا في حق الله جل وعلا. لفظ: «سبحانك» لا يقال إلا في حق الله جل وعلا، فلا يقال في حق ملك مقرب، ولا نبي مرسل، ولا نبي. وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. لا يقال: «سبحانك» إلا لله رب العالمين. قال: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾، ومعنى هذه الآية: «سبحان ربك»، أي: تنزيها للرب جل وعلا، تنزيها ربك. ثم قال: «رب العزة»، وهذا من باب إضافة الموصوف إلى صفته، من باب إضافة الموصوف إلى صفته؛ لأن العزة من صفات الله جل وعلا. العزة من صفات الله جل وعلا، فهذه من باب -كما سمعتم- إضافة الموصوف إلى صفته. والله جل وعلا نزها نفسه عما يصفه هؤلاء، فقال: ﴿سبحان ربك رب العزة عما يصفون﴾، أي: عما يصفه. قال الشارح: «فنزه نفسه سبحانه عما يصفه به الكافرون والمخالفون للرسل، ثم سلم على المرسلين لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب، ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد». فالآية -كما ترون- ابتدأها الله جل وعلا بماذا؟ بالتنزيه. والتنزيه المطلق: أي التنزه عن كل نقص وعيب. وكما مر معنا مرارا: أن الصفات السلبية لا تكون حمدا إلا إذا تضمنت كمالا. فمعنى هذه الآية: أن الله جل وعلا تنزه عن جميع النقائص والعيوب؛ لأن له الكمال المطلق. وفي قوله سبحانه وتعالى في آخر الآية: ﴿والحمد لله رب العالمين﴾، يدل على أن الله جل وعلا مستحق لجميع المحامد؛ لأن الألف واللام في «الحمد» للاستغراق، أي: استغراق جميع المحامد. ومعنى هذا: أن كل حمد فهو حق لله جل وعلا، وأن الله جل وعلا يستحقه. والحمد لماذا يكون متعلقه؟ الكمالات والنعم. فإذا يحمد ربنا جل وعلا لكماله ولإنعامه. فدلت الآية على إثبات الكمالات لله جل وعلا، إثباتا مطلقا. ودلت أيضا على أن من كان كذلك فهو منزه عن كل نقص وعيب. قال رحمه الله: «ومضى على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم خير القرون، وهم الصحابة والتابعون وتابعوهم بإحسان، يوصي به الأول والآخر، ويقتدي فيه اللاحق بالسابق، وهم في ذلك كله بنبيهم محمد صلى الله عليه وسلم مقتدون، وعلى منهجه سالكون». كما قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني﴾. فإن كان قوله: ﴿ومن اتبعني﴾ معطوفا على الضمير في «أدعو»، فهو دليل على أن أتباعه هم الدعاة إلى الله. وإن كان معطوفا على الضمير المنفصل، فهو صريح: أن أتباعه هم أهل البصيرة. فما جاء به دون غيرهم. وكل المعنيين حق. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى -كما في كتاب مفتاح دار السعادة-: «سواء كان المعنى: أنا ومن اتبعني على بصيرة، أو: وأنا أدعو إلى الله على بصيرة ومن اتبعني». قال: «فالقولان متلازمان؛ لأنه لا يكون من أتباعه حقا إلا من دعا على بصيرة كما دعا متبوعه، يفعل كما دعا متبوعه». إلا يكون داعيا متبعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا لابد أن يدعو كما دعا الرسول. والرسول دعا على بصيرة واضحة. فإذا كل أتباعه من كان من أتباعه حقا واستكمل الاتباع يكون متبعا له في الدعوة، ومتبعا له كذلك في أن هذه الدعوة تكون على بصيرة، أي: على نور وهدى. قال رحمه الله: «وقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين، وأوضح الحجة للمستبصرين، وسلك سبيله خير القرون». قوله رحمه الله: «وقد بلغ الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين»، وهذا حق لا ريب فيه. والاختلاف: أن الرسول صلى الله عليه وسلم بلغ ما أنزل إليه من ربه، كما أمره ربه جل وعلا أن يبلغ. قال الله جل وعلا لرسوله: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾. فبلغ الرسول صلى الله عليه وسلم البلاغ المبين. لذا كان آخر ما اجتمع بأكثر الأمة -صلوات الله وسلامه عليه- يوم الحج الأكبر، حينما جمعهم فسألهم عنه، فقال: «ألا هل بلغت؟» قالوا: «نعم». فجعل يشير الرسول صلى الله عليه وسلم بأصبعه إلى السماء، ثم يشير بها إليهم، ويقول: «اللهم فاشهد، اللهم فاشهد». كما جاء في حديث جابر في صحيح مسلم. والله جل وعلا أنزل في ذلك اليوم -في يوم النحر- ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾. فدل هذا على أن الرسول أكمل الله جل وعلا به الدين، وبلغ البلاغ الواضح المبين عن ربه جل وعلا. قال رحمه الله: «ثم خلف من بعدهم خلف اتبعوا أهواءهم وافترقوا، فأقام الله لهذه الأمة من يحفظ عليها أصول دينها». كما أخبر الصادق صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم». هذا الحديث جاء عن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، جاء من حديث معاوية، وجاء من حديث المغيرة بن شعبة، وهما في الصحيحين. وجاء من حديث عائشة، وكذلك جاء من حديث أنس في صحيح مسلم، وجاء من حديث غيرهم رضي الله عنهم وأرضاهم. والمعنى متقارب. قال رحمه الله: وممن قام بهذا الحق من علماء المسلمين الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي، تغمده الله برحمته. فأخبر رحمه الله عما كان عليه السلف الصالح، ونقل عن الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، وصاحبيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحميري الأنصاري، ومحمد بن الحسن الشيباني رضي الله عنهم: ما كانوا يعتقدون من أصول الدين ويدينون به رب العالمين. قال رحمه الله: «وكلما بعد العهد ظهرت البدع وكثرت، تحريف الذين سماه أهلها تأويلا». كلما بعد العهد -أي: عهد النبوة، العهد من النبوة من الرسالة- ظهرت البدع. وكلما كانت أقرب، كلما كانت البدع ضعيفة مقموعة. قال: «وكثرت تحريف الذين سماه أهلها تأويلا»، أي: أنه صار من الناس من يتكلم في كتاب الله ويحرف آيات الكتاب وأحاديث الرسول على غير المراد، وسموه تأويلا. سموها التحريف تأويلا؛ ليقبل، لأنه لو سمي تحريفا ما التفتت منه الأسماع والنفوس، ولكن أتوا بلفظ مقبول، وهو لفظ التأويل؛ لأجل أن يروج ويقبل. قال رحمه الله: «وقل من يهتدي إلى الفرق بين التحريف والتأويل». قد يسمى صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله اللفظ في الجملة تأويلا، وإن لم يكن تم قرينة توجب ذلك. ومن هنا حصر الفساد. فإذا سموه تأويلا قبل وراج على من لا يهتدي إلى الفرق بينهما. وقد تقدم معنا مرارا: أن السلف رضي الله عنهم وأرضاهم والأئمة كانوا يطلقون التأويل على معنيين فقط. يطلقون التأويل على المعنيين فقط: على التأويل الذي هو بمعنى حقيقة الشيء وما يقول إليه الشيء، كما في قول الله جل وعلا: ﴿يوم يأتي تأويله﴾، أي: حقيقته. وكما في قول يوسف عليه السلام: ﴿يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا﴾، أي: بوقوعها وبمشاهدتها. سواء كان في الإخبارات -كما ذكر- أو كان في العمليات. وفي العمليات -كما في حديث عائشة- حينما نزل قول الله: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا﴾. قالت عائشة: «كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه: سبحان ربي وبحمده، اللهم اغفر لي». قالت عائشة رضي الله عنها: «كان يتأول القرآن». فكما ذكر ومر معنا قريبا في العقيدة الواسطية: أن التأويل في العمليات بعمل ذلك الخبر، وفي الإخبارات وفي العلميات بأن يقع ذلك الخبر. وإما أن يكون التأويل بمعنى التفسير والبيان، بمعنى التفسير والبيان. كما يقول المفسرون من السلف: «هذا تأويل الآية كذا وتأويل الآية كذا». وكما جاء في حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا له فقال: «اللهم علمه التأويل»، أي: تفسير القرآن وتبيين القرآن وتوضيح القرآن. هذا الذي كان عليه السلف. ثم بعد ذلك -بعد هؤلاء السلف رضي الله عنهم وأرضاهم- ظهر استعمال ثالث، هو من استعمالات الأصوليين والمتكلمين. الأصل أنه من استعمالات المتكلمين، ثم دخل كذلك في علم أصول الفقه. وكثير من مباحث علم أصول الفقه مأخوذ من المتكلمين. هذا النوع هو المسمى بالتأويل، وهو الذي صار المعروف والمجتهر عند المتأخرين. ما هو هذا التأويل؟ هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر لقرينة. هذا هو التأويل. إذا أطلق التأويل عند المتأخرين صار لا يفهم منه إلا هذا المعنى، إلا من وفقه الله جل وعلا إلى معرفة ما كان عليه السلف. فالحاصل من هذا: أن التأويل عند المتأخرين -وهو الذي أراد الكلام عليه الشيخ رحمه الله تعالى- أن كثيرا من الناس لم يميزوا بين التأويل والتحريف. هو أن المتأخرين جعلوا التأويل -أو عرفوا التأويل- هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر لقرينة. ثم هذه القرينة -كما ذكر- أنها على ثلاثة أقسام: القرينة على ثلاثة أقسام. إما أن تكون قرينة صحيحة. وإما أن لا تكون. فإن كانت قرينة صحيحة فيسمونه تأويلا صحيحا. فإن كانت قرينة ليست بصحيحة، ولكن يظنها ذلك المؤول بأنها صحيحة، فهذا التأويل يسمى تأويلا فاسدا. وهناك قسم ثالث: وهو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر لغير قرينة. ما هو هذا المعنى؟ هو ما يعرف عند الرافضة والجهمية: يخرجون الألفاظ عن ظاهرها لغير ما قرينة. كما قالت الرافضة: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾، قالوا: «من؟» قالوا: «عائشة». من أين لهم؟ ما هي القرينة؟ القرينة الهوى. وهذا النوع الأخير من استخدمه أو كثر من أهل العلم يذمون، بل ويكفرون من وقع في ذلك؛ لا سيما في الأمور التي لا مجال فيها للعذر. والله تعالى أعلى وأعلم.

شاركنا على