الدرس في شرح أسماء الله الحسنى 35، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
المقطع الأول يتناول شرح اسم الله الحسنى "السميع" ووروده في القرآن والسنة، ومعناه أن الله يسمع كل الأصوات. يُقرن اسم "السميع" غالبًا باسم "البصير" أو "العليم" في القرآن الكريم.
الله تعالى سميع يسمع جميع الأصوات باختلاف اللغات والحاجات، وسمعه نوعان: عام وخاص بمعنى الاستجابة. يُبين أن سمع الله ليس كسمع المخلوقين، بل هو شامل ولا يعجزه شيء.
الإيمان باسم الله السميع يقتضي مراقبة الألسن والتأدب في الدعاء واجتناب القول السيئ. كما يتضمن الأدب في الدعاء والتوسل باسم الله السميع، ويدعو الله أن يوفقنا لإخراج الأقوال المحببة لديه.
بسم الله ونحمد الله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فمن أسماء الله الحسنى التي ذكرها الشيخ العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله في كتابه "القواعد المثلى" اسم الله جل وعلا "السميع". فالسميع اسم من أسماء الله جل وعلا الحسنى، قد ورد هذا الاسم في مواضع كثيرة في كتاب الله جل وعلا، حتى ذكر بعض العلماء أن هذا الاسم ذكر في ما يقرب من خمسين موضعا في كتاب الله جل وعلا. فمن هذه النصوص الواردة في ذكر هذا الاسم "السميع" قوله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وكذلك قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، قال جل وعلا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فالله جل وعلا قرن اسمه "السميع" باسمه "البصير" في مواضع كثيرة، وهكذا قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، قال جل وعلا: ﴿مَا خَلَقَكُمْ وَلَا بَعَثَكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، قال جل وعلا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، قال جل وعلا: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. وهكذا قرن الله جل وعلا اسمه "السميع" باسمه "العليم" في مواضع كثيرة في كتابه العزيز، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. قال جل وعلا: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. في مواضع قرن الله جل وعلا اسمه "السميع" باسمه "العليم"، وهكذا قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، قال جل وعلا: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وقال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾، وقال سبحانه: ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وهكذا قال جل وعلا حيث قرن اسمه جل وعلا "السميع" باسمه "القريب"، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنْ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ﴾. والآيات كثيرة في كتاب الله جل وعلا، قرن الله جل وعلا اسمه "السميع" بالبصير، وبالعليم، وبالقريب. وهكذا الأحاديث النبوية في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام الواردة في إثبات هذا الاسم لله جل وعلا كثيرة، منها ما ثبت عند أبي داود والترمذي من حديث عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من قال باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم ثلاث مرات لم تصبه فجأة بلاء حتى يصبح، ومن قالها حين يصبح ثلاث مرات لم تصبه فجأة بلاء حتى يمسي». فهذا الدعاء دعاء عظيم، وفيه الاستعاذة باسم الله جل وعلا "السميع العليم". وثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه وارضاه قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سفر، وكنا إذا علونا كبرنا، فقال عليه الصلاة والسلام: «يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا قريبا». إنما تدعون سميعا بصيرا قريبا. وهكذا في استعاذته عليه الصلاة والسلام كما عند أبي داود وغيره، أنه كان عليه الصلاة والسلام يستعيذ بالله العزيز العليم، يقول عليه الصلاة والسلام: «أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه». فيستعيذ بالله جل وعلا "السميع" جل وعلا "العليم". فالسميع من أسماء الله جل وعلا الحسنى، ومعنى اسم الله جل وعلا "السميع" يقول الإمام المجيد رحمه الله تعالى في نونيته: وهو السميع يرى ويسمع كل ما في الكون من سر ومن إعلان، ولكل صوت منه سمع حاضر، فالسر والإعلان مستويان، والسمع منه واسع الأصوات، لا يغفى عليه بعيدها والداني. فذكر القيم رحمه الله تعالى أن اسم الله جل وعلا "السميع" يعني الذي قد أحاط سمعه بكل شيء سبحانه وتعالى من المسموعات، فهو السميع الذي يسمع كل ما في الكون من سر ومن إعلان، فما في الكون من سر وما في الكون من إعلان فالله جل وعلا يسمعه. والسمع والصوت المسموع لكل صوت منه سمع حاضر، يعني أن الله جل وعلا لا تختلف عليه المسموعات ولا تختلط عليه المسموعات، بل يسمع المسموعات جميعا لا تختلط عليه، ولو وقف العباد جميعا على صعيد واحد كما ثبت عند مسلم، حتى بدر وسأل كل مائة مسألته، فأعطاهم الله جل وعلا ذلك مع اختلاف الألسنة، فلا يختلط على الله جل وعلا شيء. ومهما اختلفت الأصوات فالله جل وعلا يسمعها، السر عنده والإعلان سواء، سمعه جل وعلا للسر والنجوى سواء، والسر والإعلان سواء، لأنه وسع سمعه الأصوات جل وعلا "السميع العظيم". وهكذا كذلك السمع منه جل وعلا واسع الأصوات، واسع الأصوات لا يخفى عليه بعيدها والداني، أي لا يخفى عليه الصوت البعيد كما أنه لا يخفى عليه الصوت القريب. فالصوت البعيد والصوت القريب سواء عند الله جل وعلا، إنما يختلف هذا عند من نقص سمعه، فالمخلوق ربما يسمع القريب ولا يسمع البعيد، ويسمع العلن ولا يسمع السر، لكن السميع العليم سبحانه وتعالى فالسر والإعلان عنده سواء، والسمع البعيد والقريب عنده سواء. يقول ابن سعدي رحمه الله تعالى في شرحه لاسم الله "السميع": السميع أي الذي يسمع جميع المسموعات، يسمع جميع المسموعات باختلاف اللغات، على تفنن الحاجات، يسمع جميع الأصوات باختلاف اللغات على تفنن الحاجات. يعني الله جل وعلا سمعه محيط بكل شيء، يسمع كل المسموعات الصادرة في ملكوته جل وعلا، باختلاف اللغات، الأصوات باللغة العربية، والأصوات باللغة الإنجليزية، وأصوات بلغة الحيوان، والأصوات بلغة الطير، والأصوات بلغة الدواب. فالعوالم المخلوقة لها أصوات مختلفة، فللطير منطق، وللجن منطق، وللإنسان منطق، وللأسماك منطق، وللدواب والحشرات أصوات مختلفة، كل هذه الأصوات المختلفة، واختلاف الألسنة عند الله جل وعلا، ومن يتكلم باللسان العربي، ومنه من يتكلم باللسان العبراني، ومنه من يتكلم باللسان الإنجليزي، وباللسان كذا، فجميع اللغات أصواتهم مسموعة عند الله جل وعلا. يقول رحمه الله: يسمع جميع الأصوات باختلاف اللغات، ولو اختلفت اللغات على تفنن الحاجات، على تفنن الحاجات، يعني على اختلاف الحاجات، ليست حاجة واحدة مطلوبة، هذا يطلب كذا، وهذا يطلب كذا، لو قام جميع الإنس، لو قام جميع الإنس يطلبون، كل واحد طلب يختلف عن طلب الآخر، طلب الواحد يختلف عن الطلب الآخر، جميع الإنس قاموا هذا يطلب كذا، والآخر غير هذا طلب آخر. وقام الجن كذلك يطلبون، كل طلب يختلف عن طلب الآخر، وهكذا سأل العباد ربهم جل وعلا الحاجات، ولو اختلفت فاختلافها فالله جل وعلا لا يعجزه شيء، ولا تختلط عليه هذه الحاجات، وذلك لكماله سبحانه وتعالى وعظمته جل وعلا في سمعه، فهو سبحانه وتعالى الذي يسمع السر والنجوى. ولذلك الله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم مهددا ومتوعدا المشركين الذين عطلوه جل وعلا عن كمال سمعه سبحانه وتعالى، قال جل وعلا: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنْ لَا نَسْمَعَ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، فأنكر الله جل وعلا على المشركين الذين ظنوا بالله جل وعلا الظن السيء، وعطلوه جل وعلا عن سمعه الكامل. وهكذا ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه وارضاه قال: اجتمع قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي، هكذا قال رضي الله تعالى عنه، اجتمع قرشيان وثقفي أو ثقفيان وقرشي عند البيت، قال رضي الله تعالى عنه: كثيرة شحم بطونهم، قليلة فقها قلوبهم، فقال أحدهم: أترون أن الله يسمع ما نقول؟ فقال الآخر: يسمع إذا جهرنا، ولا يسمع إذا أخفينا. يعني يسمعنا إذا جهرنا بالكلام وبالقول، يسمعنا، وأما إذا أخفينا فلا يسمعنا، فقال الآخر: إذا كان يسمعنا إذا جهرنا، فإنه يسمعنا إذا أخفينا، فأنزل الله جل وعلا قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾. فسبب نزول هذه الآية ما حصل من هؤلاء الذين ظنوا الظن السيء بالله جل وعلا، فسمع الله جل وعلا محيط، ثبت عند الإمام أحمد في مسنده، وابن ماجه من حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها قالت: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، وفي لفظ: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات، إن المجادلة جاءت تجادل عن زوجها في الحجرة، وأنا في الحجرة المجاورة، وإنه ليخفى علي كثير مما قالت، لم أسمعه، عائشة في الحجرة المجاورة مجاورة للحجرة التي فيها هذه المرأة المجادلة التي جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام وتشتكي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام. فأنزل الله جل وعلا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾، فسمع الله جل وعلا قد أحاط بكل شيء تبارك وتعالى. والسمع المضاف إلى الله جل وعلا على نوعين، السمع المضاف إلى الله جل وعلا على نوعين: سمع عام، وهو سمعه جل وعلا للمسموعات، سمعه لكل مسموع، فهذا سمع عام يسمعه الله جل وعلا. والنوع الثاني بمعنى الاستجابة، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، أي مجيب الدعاء، فسمع عام لله جل وعلا، فهو يسمع كل المسموعات لا يخفى عليه شيء جل وعلا، سمع عام، سمع خاص هو سمعه جل وعلا للمسموعات، لكن معه إجابة، معه إجابة واستجابة. لذلك نحن نقول في صلاتنا: "سمع الله لمن حمده"، سمع الله لمن حمده، أي استجاب الله، فالله جل وعلا سمع قولنا حين قلنا: "سمع الله لمن حمده"، وإذا كبرنا وإذا دعونا، لكن هذا السمع معه استجابة من الله جل وعلا، لأن هناك من المسموعات ما لا تكون معها استجابة من الله جل وعلا. فهذا النوع الثاني من السمع المضاف إلى الله جل وعلا، والسمع العام الذي هو سمعه جل وعلا لسائر المسموعات على ثلاثة أنواع، سمعه جل وعلا لسائر المسموعات على ثلاثة أنواع في كتاب الله جل وعلا، النوع الأول ما يقصد به التهديد، ما يقصد به التهديد، ومنه قوله جل وعلا: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾. ومنه قوله جل وعلا: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾، فهذا سمع تهديد، سمع من الله جل وعلا يسمع ذلك، والمراد به التهديد، أي سمع قول هؤلاء الكافرين، سمع قول هؤلاء اليهود الذين نسبوا الفقر إلى الله جل وعلا، وهذا سمع قول هؤلاء المشركين الذين ظنوا به الظن السيء، وعطلوه جل وعلا عن كمال سمعه تبارك وتعالى. والنوع الثاني السمع ما يقصد به التأييد، ما يقصد به التأييد والنصر، ومنه قوله جل وعلا لموسى وهارون: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾، فهو يسمع قول موسى ويسمع قول هارون، لكن ما المراد من ذكره جل وعلا أنه يسمع قول هذين النبيين؟ المراد أنه مؤيد لهما، مؤيد لهما، فسمع قولهما وهو مؤيد لهما وناصر لهما جل وعلا. والنوع الثالث من أنواع السمع، السمع الذي يراد به الإحاطة، سمع الله جل وعلا الذي أحاط بكل المسموعات، ومن هذا قوله جل وعلا: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾، ومنه كذلك قوله جل وعلا: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾. ومعنى ذلك أن سمعه جل وعلا قد أحاط بكل شيء، فسمعه محيط سبحانه وتعالى بكل شيء، والإيمان باسم الله جل وعلا "السميع" مقتضيات، وقبل هذا أيضا ربنا جل وعلا بين أن السمع من صفات الكمال له سبحانه وتعالى، وأن من لازم الألوهية والربوية الاتصاف بالسمع، إذ من لا يسمع لا يستحق أن يكون ربا ولا يستحق أن يكون إلها. ولذلك أبطل ألوهية غيره جل وعلا وبيّن عيبها، ومن تلك العيوب أنها لا تسمع، فهذا الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام يقول لأبيه: «يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا»، أي كيف تعبد من لا يسمع؟ الذي لا يسمع لا يستحق أن يعبد، الذي لا يسمع لا يستحق أن يعبد. وهذا قال جل وعلا لساني نبيه إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾، هل يسمعونكم تدعون؟ معنى لا يسمعون، إذن كيف تدعونهم من دون الله جل وعلا؟ وقال جل وعلا: ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾، فإثبات السمع لله جل وعلا من الكمال له سبحانه وتعالى، إذ من لم يتصف بصفة السمع فذلك دال على النقص، ودال على عدم استحقاق الألوهية والربوبية. من مقتضيات الإيمان باسم الله جل وعلا "السميع" مراقبة الألسن، أن يراقب العبد لسانه، فلا يصدر على لسانه قول لا يحب الله جل وعلا أن يسمعه منه، فأنت حين تتكلم يا عبد الله فالله جل وعلا "السميع" يسمعك، فهل ترضى أن يسمع منك قولا سيئا؟ هل ترضى أن يسمع منك لعنة تلعن بها أحدا من عباد الله؟ كيف إذا قلت كفرا؟ كيف إذا قلت استهزاء؟ كيف إذا قلت سخرية؟ كيف إذا قلت كلمة الكفر؟ كيف إذا سببته سبحانه وتعالى؟ هل ترضى أن يسمع منك هذا؟ شهادة الزور، الكذب، الغيبة، النميمة، كل الأقوال السيئة، الواجب على العبد إذا أيقن أن "السميع" جل وعلا يسمعه، فإن ذلك يلزمه أن يصون لسانه عن كل قول سيئ لا يحب من الله جل وعلا أن يسمعه، ولله المثل الأعلى، إذا كان شخص يحبه رئيسا من الرؤساء أو ملكا من الملوك أو وزيرا من الوزراء، هل يحب أن يسمع منه ذلك كلاما سيئا؟ أبدا. فإذا جاء إلى عنده فإنه لا يمكن أن يأتي بكلام في إثارة لهذا الذي يحبه، فكيف يا عبد الله يأتي على لسانك قولا أو كلمة تؤذي بها "السميع" جل وعلا؟ والنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في الصحيحين في الحديث القدسي: «إن الله جل وعلا يقول: يؤذيني ابن آدم، يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر، هذه أذية»، كل كلمة في إساءة إلى الله جل وعلا أو إلى دين الله سبحانه وتعالى أو مما لا يحبه الله جل وعلا ويرضاه، فكل ذلك من الإساءة لله سبحانه وتعالى. فالواجب أن لا يأتي على لسانك شيء من هذه الأقوال السيئة، وكذلك يا عبد الله يا من أيقنت بأن "السميع" جل وعلا يسمعك، عليك أن لا تجهر بقول سيئ، فالله جل وعلا لا يحب الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم، فلا تجهر بقول سيئ والعياذ بالله، فيأتي على لسانك الجهر بالقول السيئ إلا إذا كنت مظلوما فأنت تذكر ذلك، فلا تقول قولا سيئا. وهكذا عليك أن تتأدب في الدعاء، الله جل وعلا سميع، ما يحتاج منك أن تصرخ، بعض الناس لا يتأدبون حين يدعون "السميع"، لماذا تصرخ؟ هل أنت تنادي أصم؟ هل أنت تنادي غائبا؟ بعض الناس لا يتأدبون في الدعاء مع "السميع"، يدعون بأصوات عالية، ربما تهتز المدينة بأصواتهم، ما يحدث في الموالد وفي الطرق البدعية، مع أنها بدعية، ومع هذا فيها من إساءة الأدب من رفع الأصوات، هذا ليس من الأدب مع "السميع" جل وعلا. النبي صلى الله عليه وسلم لما سمعهم يرفعون أصواتهم قال كما في الصحيحين: «اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون صما ولا غائبا، إنما تدعون سميعا بصيرا قريبا»، فلا بد من التأدب في الدعاء مع الله جل وعلا "السميع"، فالله جل وعلا يسمعك سبحانه وتعالى. وهكذا كذلك عليك أن تتوسل باسم الله "السميع"، فإن أنبياء الله جل وعلا توسلوا إلى الله جل وعلا باسمه "السميع". فهذا الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وهكذا يقول إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، وهذا زكريا عليه الصلاة والسلام يقول كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. وهذه مريم ابنة عمران رضي الله تعالى عنها، إذ قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، فكان من دعاء الأنبياء والصالحين وتوسلهم بالله جل وعلا وبأسمائه أنهم توسلوا باسم الله "السميع"، فأنت يا عبد الله توسل الله جل وعلا باسمه "السميع" الذي قد علمت أنه جل وعلا يسمع السر والنجوى، وما جهرت به وما علمت وما أعلنت. فمقتضيات الإيمان باسم الله جل وعلا "السميع" كثيرة، إضافة إلى ما ذكر من الأدب في الدعاء والتوسل، وعدم إخراج القول السيئ وغير ذلك، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا من من آمن به "السميع" جل وعلا حق الإيمان، وأن يجعلنا سبحانه وتعالى ممن وفق لإخراج كل ما يحبه جل وعلا ويرضاه من الأقوال، وأن يجنبنا القول السيئ الذي لا يحبه، صلى الله وسلم وبرك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.