شرح رسالة فضل الإسلام 7

شرح رسالة فضل الإسلام 7

الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 7، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل يوم الجمعة واختياره للأمة الإسلامية

يشرح الحديث النبوي كيف أن الله أضل اليهود والنصارى عن يوم الجمعة وهدى الأمة الإسلامية إليه، مشيرًا إلى أن اختيار يوم الجمعة كان من الله وليس من الأمة نفسها، مما يعد نعمة كبيرة.

أولوية الأمة المحمدية يوم القيامة وخصائصها

استدل العلماء على أن يوم الجمعة هو أول أيام الأسبوع، وناقشوا حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يبين فضل الأمة المحمدية وأولويتها يوم القيامة، كما أشاروا إلى أن الأمة المحمدية لا تجتمع على ضلالة.

تعظيم يوم الجمعة وعدم مشاركة غير المسلمين في أعيادهم

يوم الجمعة يوم عظيم خص الله به أمة الإسلام، فيه فضائل كثيرة، ويجب تعظيمه بالتعبد، كما أن أعياد اليهود والنصارى خاصة بهم ولا يجوز للمسلمين المشاركة فيها.

خاتمة الدرس والدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويقر بأن الله تعالى أعلم.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة». هذا الحديث أورده المؤلف رحمه الله تعالى في بيان فضل الإسلام، وفيه بشكل عام أن الله سبحانه وتعالى يكرم من يشاء بأن يتدخر له ما يشاء من مناقب ومن فضائل تكون من صفات أو تكون من أحوال أو تكون باختيار أزمان وأيام، وهذا من هذا الباب. فقوله عليه الصلاة والسلام: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا»، هذا الحديث فيه أنه طُلب من اليهود والنصارى أن يختاروا يومًا من أيام الأسبوع يتخذونه عيدًا ويتخذونه موعدًا لاجتماعهم، واختلف العلماء في مسألة هذا الاختيار: هل أن الله عز وجل اختار لهم الجمعة فرفضوا ودخلوا بالقياس واختاروا غير الجمعة؟ هذا وارد، أو أن الله سبحانه وتعالى خيرهم بأي يوم من أيام الأسبوع يختارونه لأنفسهم؟ إلا أن الله صرفهم عن الجمعة فاختاروا تلك الأيام، يُحتمل هذا وهذا كذلك وارد كما نص عليه العلماء. الشاهد أن الله سبحانه وتعالى ترك الخير لأهل الكتاب أن يختاروا يومًا، فإذا باليهود اختاروا يوم السبت بأن يكون هذا اليوم هو يوم عيدهم ويوم اجتماعهم. وقيل: والله أعلم أنهم اختاروا هذا اليوم لأنهم علموا لما عندهم من علم التوراة أن الله فرغ من انتهاء الخلق يوم السبت، قالوا: إذن نجعل هذا اليوم يوم راحة نرتاح من الأعمال وننشغل بالعبادة والتعبد. وحين طلب من النصارى أن يختاروا يومًا فاختاروا يوم الأحد بأن يكون هذا اليوم هو يوم عيدهم ويوم اجتماعهم. وقيل: إنهم اختاروا هذا اليوم من سائر الأيام لأنهم علموا لما عندهم من علم الإنجيل أن الله في هذا اليوم بدأ بخلق الخليقة وبدء الخلق، فقالوا: هذا يوم معظم حقه أن يكون لنا، فاختاروا هذا اليوم. فلم يختاروا الجمعة لا هؤلاء ولا هؤلاء، قال عليه الصلاة والسلام: «أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا، فكان لليهود يوم السبت وللنصارى يوم الأحد، فجاء الله بنا فهدانا ليوم الجمعة». تم الاختيار لهذه الأمة أن تجعل يوم الجمعة هو يوم العيد ويوم الاجتماع، لكن مزية هذا اليوم أن الاختيار لم يكن من جهتنا، وإنما الله سبحانه وتعالى هو الذي اختاره لنا، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «فجاء الله بنا فهدانا»، فالهداية من عند الله، هو الذي وفق هذه الأمة المحمدية أن تختار يوم الجمعة. وهذه من أعظم أنواع الهداية، بل هذه من أعظم أنواع النعم أنك يا عبد الله لا تكل الأمور إلى نفسك ولا لاجتهادك، وإنما كلها لله سبحانه وتعالى، فإن الله سيختار لك ما فيه الخير. ولهذا كان من أعظم الدعاء الذي يجعله المسلم والمسلمة في كتاب الله وفي صلاته: «اهدنا الصراط المستقيم»، تطلب أن الله جل وعلا هو الذي يتولى هدايتك. فكان هذا، فكان من تولية هداية الله لنا أن الله هدانا لهذا اليوم من سائر الأيام، فهذه من عظيم النعم لهذه الأمة. فقال عليه الصلاة والسلام: «فهادنا الله ليوم الجمعة، وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة». قول عليه الصلاة والسلام: «وكذلك هم لنا تبع يوم القيامة»، سأتي معنا التبعية في يوم القيامة. لكن في قول نبينا: «وكذلك» بمعنى أن اليهود والنصارى هم تبع لنا، تبع لنا في الآخرة، وهم تبع لنا في الدنيا. على ماذا يحمل هذه التبعية؟ قال علماء: يحمل هذه التبعية على أن يوم الجمعة هو لنا، وبعد ذلك الأعياد ستكون لغيرنا، فنحن المقدمة. وبهذا استدل العلماء على أن أول أيام الأسبوع هو يوم الجمعة، أول أيام الأسبوع هو يوم الجمعة. وهذه مسألة خلافية، لكن مذهب جمهور العلماء على هذا، مستدلين بهذا الحديث. ويؤيد هذا المعنى ما جاء في بعض الروايات الصحيحة، قال عليه الصلاة والسلام: «فنحن اليوم واليهود غدًا والنصارى بعد غد»، فنحن اليوم أي الجمعة، فنحن المقدمة، نحن نحتفل بيوم الجمعة ويوم العيد يوم اجتماعنا، ثم بعد ذلك تجتمع اليهود وبعد ذلك تجتمع النصارى، فهم لهم التبعية يتبعون الأمة الإسلامية. وأيضًا زد على ذلك، قال علماء: فيه أن يوم الجمعة ويوم العيد ولابد أن يكون يوم العيد هو أول أيام، ثم بعد ذلك تستفتح بقية الأيام. وبهذا استدل العلماء على أن يوم الجمعة هو أول أيام الأسبوع. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة»، نحن الآخرون من أهل الدنيا بمعنى الأمة المحمدية، إن جئنا إلى ترتيب الزمن لوجود الأمم على مدار التاريخ منذ بدء المعمورة إلى أن تقوم الساعة، فنحن آخر أمة وجدت. يؤيد هذا المعنى ما جاء في السنن من حديث معاوية بن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، ومعاوية بن حيدة قال عليه الصلاة والسلام: «أنتم توفون سبعين أمة، أنتم آخرها»، وفي لفظة: «أنتم خيرها». فقوله عليه الصلاة والسلام: «أنتم توفون سبعين أمة»، جاء في بعض ألفاظ أو معنى هذا: معنى كلمة «توفون» أي أنتم تكملون، أنتم تتمون، فهناك أمم قد مضت، أمم كثيرة بعث في جنباتها الأنبياء والرسل، فآخر أمة بعثت هي أمتنا، فهذا الذي يعنيه قوله عليه الصلاة والسلام: «نحن آخر»، نحن الآخرون من أهل الدنيا. فأمتنا هي آخر الأمم بعثها الله جل وعلا بالكتاب والنبي. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «والأولون يوم القيامة»، مع أننا في حساب الدنيا نعتبر من آخر الأمم، كان من المتوقع أننا تكون أمتنا هي آخر الأمم يوم القيامة، لكن من فضل الله جل وعلا على هذه الأمة المحمدية أن الله جعل لنا الأولوية يوم القيامة. فنحن الأوائل في كل شيء، أول أمة تحشر يوم القيامة هي أمة الإسلام، أول أمة يُحكم بينها بين العباد هي أمة الإسلام، أول أمة تحاسب هي أمة الإسلام، أول أمة تمر على الصراط هي أمة الإسلام، وأول أمة تدخل الجنة هي هذه الأمة أمة الإسلام. فنبينا صلى الله عليه وسلم أول من تفتح له أبواب الجنة، فإن دخلها فإن الأمة المحمدية على إثره. فما هناك أحد يزاحمنا يوم القيامة، ما هناك أحد يسابقنا يوم القيامة، فهذا قول عليه الصلاة والسلام: «والأولون يوم القيامة»، فنحن آخرون في الدنيا أي ممن تأخر بعثتهم ووجودهم بين الأمم، ونحن كذلك الأولون يوم القيامة أي سبقنا إلى الفضيلة وإلى المكان العلية. وهذا يا إخواني في الله يجرنا إلى مسائل مستفادة من هذا الحديث، من هذه الفضيلة أولًا أن نعلم فضيلة هذه الأمة المحمدية، ففضيلتها ليست في الدنيا بل في الدنيا والآخرة، في الدنيا بما سمعت أن الله سبحانه وتعالى أعطاها المواسم، أعطاها المناسبات، ورفع قدرها، ضعف من أجرها، جعلها أفضل الأيام والأزمان والأحوال. والمستفاد من هذا الحديث كذلك أن من خصيصة هذه الأمة أن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة. مر معنا كيف أنه لما طلب من اليهود أن يختاروا يومًا فما الذي اختاروا؟ كلهم اختاروا يوم السبت. ولما طلب من النصارى أن يختاروا يومًا اختاروا يوم الأحد، فأعماهم الله عن يوم الجمعة، فأجمعوا كلهم على اختيار الأحد. لكن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة أبدًا، وهذه من خصيصة الله للأمة المحمدية أن اجتماعها يكون على حق. ومن ثم بثق أمر الإجماع، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ما تجتمع على ضلالة. وأعني بالأمة الأمة المتمسكة بأصل الدين بالإسلام الحنيف، ولا عبرة بانشقاق الطوائف المبتدعة، فهؤلاء لا عبرة لهم. الفائدة الثالثة مما يستفاد من هذا الحديث وهو أن للأمة الإسلامية السيادة ولنا القيادة ولنا الريادة، وأما من كان من غيرنا اليهود والنصارى فما لهم إلا التبعية. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «وكذلك هم لنا تبع»، تبع لنا في الدنيا وتبع لنا في الآخرة، اليهود والنصارى هم من خلفنا. فلنفهم هذا يا إخواني في الله حق الفهم، فإن العزة للإسلام والعزة لأهله، رفعنا الله جل وعلا بهذا الدين، وأنتم الأعلون، رفعنا الله بهذا الدين. فعلى ما يعد الله نرى من أمتنا من يرضى الدنيا في دينه، من يرضى الخضوع والخنوع، من يرضى أن يكون تابعًا وذليلًا لليهود والنصارى، فيسير خلفهم بأخذ عاداتهم وتقاليدهم وثقافتهم، وينبهر بما هم فيه. لا يا عبد الله، تنبهر يا عبد الله، هم لنا تبع في الدنيا وفي الآخرة. ومما يستفاد كذلك من هذا الحديث ما ذكره نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله: «فلليهود السبت وللنصارى الأحد»، اللام هنا لام الاختصاص، قال علماء: معناها أن لكل أمة عيدًا لكل أمة اختصت به. فلا يجوز لأحد من المسلمين أن يشارك أحدًا من أهل المِلل في أعيادهم، فلا تأتي إلى يوم السبت مثلًا فتحتفل به أو تجعل فيه مناسبة على غرار ما عليه اليهود، أو أنك ترى النصارى يجتمعون يوم الأحد فتشارك فرحتهم، لا، أنت من أمة الإسلام حتى تحتفل بأعياد النصارى. قال علماء: ففي هذا الحديث عدم المشاركة لأعياد اليهود والنصارى لأن أعيادهم اختصوا بها، فلا نشارك في الأعياد الأسبوعية ولا نشاركهم أيضًا في الأعياد السنوية التي تأتي على مدار السنة. وأختم بهذه الفائدة من فوائد هذا الحديث فضيلة يوم الجمعة، إذ أن الله سبحانه وتعالى حبانا بهذا اليوم من عنده، «فجاء الله بنا فهدانا للجمعة»، لماذا هدانا الله للجمعة؟ لأنه يوم عظيم، يوم عظيم شريف مقدس، وصفه نبينا صلى الله عليه وسلم في السنة بعدة أوصاف، قال عنه عليه الصلاة والسلام بأنه سيد الأيام، وجاء بلفظ أعظم الأيام عند الله، وجاء بلفظ كما في الصحيح خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة. ولعظم هذا اليوم فإن أعظم الفضائل بل أعظم المقامات بل مقامات جليلة أوقعها الله وحصلها الله في يوم الجمعة، ففي هذا اليوم يا إخواني في الله خلق الله آدم، ودخله الجنة يوم الجمعة، وأخرج من الجنة وأهبط إلى الأرض يوم الجمعة، وقبض الله روح آدم عليه السلام يوم الجمعة. في هذا اليوم يوم الجمعة تقع فيه النفخة وتقع فيه الصعقة، ولا تقوم الساعة إلا في يوم الجمعة. ويوم الجمعة يا عبد الله جعل الله فيه ساعة يستجاب فيها الدعاء، ومناقب كثيرة فصل فيها العلماء وطولوا عن خصائص هذا اليوم العظيم من أيام الله التي خصها الله لأهل الإسلام فقط. ما هناك أحد يعظم هذا اليوم إلا الأمة المحمدية لعظيم ما فيها من فضائل ومناقب ومقامات جليلة. ولهذا يا إخواني في الله كان ينبغي أن يعظم هذا اليوم، وأعظم ما ينبغي أن يعظم به هذا اليوم يا عبد الله أن يعظم بحسن التعبد، هذا أعظم استغلال، ليس بالتنزه فقط، لا، استغله يا عبد الله بحسن التعبد. وأعظم عبادة تؤديها الحرص على صلاة الجمعة، أعظم فريضة من فرائض الله صلاة الجمعة تصليها جماعة مع الناس. كذلك من حسن التعبد في يوم الجمعة الحرص على صلاة الصبح في يوم الجمعة، جاء ذلك في السنن عند البيهقي بإسناد صحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصلاة عند الله صلاة الصبح يوم الجمعة في جماعة»، أفضل الصلاة صلاة الصبح يوم الجمعة تؤديها جماعة هذا أفضل شيء تعمل لهذا تعظيمًا لقدر هذا اليوم. كذلك الإكثار من الدعاء، ففي هذا اليوم يستجاب فيه الدعاء، أكثر يا عبد الله من أنك تلح على الله بالدعاء، تسأل الله من خيري الدنيا والآخرة في هذا اليوم من استغلاله. كثرة الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام كما أرشد إلى ذلك نبينا عليه الصلاة والسلام. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.