شرح المذكرة - مقرر السنة الأولى 29

الدرس في شرح المذكرة - مقرر السنة الأولى 29، ألقاها

مقدمة في أنواع النسخ في القرآن الكريم

يناقش الإمام الشنقيطي أنواع النسخ الثلاثة في القرآن الكريم: نسخ التلاوة دون الحكم، ونسخ الحكم دون التلاوة، ونسخ كليهما معًا، مع تقديم أمثلة من القرآن والسنة النبوية.

الأسئلة والإشكالات حول النسخ وحكمه

يتناول المقطع عدة أسئلة وإشكالات حول النسخ في القرآن، مثل جواز نسخ الحكم دون التلاوة، وإدخال نسخ التلاوة مع بقاء الحكم في مفهوم النسخ، وحكمة نسخ اللفظ مع أنه نزل للتلاوة والمثوبة عليه.

تفصيل حكم نسخ التلاوة والحكم وتطبيقاته

يشرح المقطع تفصيلاً حكم نسخ التلاوة دون الحكم أو العكس، ويبين أن رفع بعض الأحكام لا يعني رفعها كلها، ويقدم أمثلة على ذلك مثل آية الرجم.

الحكمة من الصيام وأثر العذر في الإفطار

يتناول المقطع الحكمة من الصيام وهي الامتثال لأمر الله، ويبين أن وجود العذر يبيح الفطر ولا كفارة فيه، ويعتبر غلبة الظن في انتفاء الحكمة المقصودة بوجود العذر مبرراً للإفطار.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى: قال المؤلف رحمه الله تعالى: قصر، يجوز نسخ تلاوة الآية دون حكمها، ونسخ حكمها دون تلاوتها، ونسخهما معًا. معنى كلامه ظاهر. ومثال نسخ تلاوة دون الحكم نسخ تلاوة آية الرجم وبقاء حكمها، وهي قوله تعالى: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فرجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم﴾. قيل: كانت هذه الآية من براءة، وقيل: من الأحزاب. ومنه نسخ تلاوة آية خمس رضعات عند الشافعي ومن وافقه. ومثال نسخ الحكم دون التلاوة آية العدة المذكورة آنفًا، وهو أغلب ما في القرآن من النسخ. ومثال نسخهما معًا نسخ آية عشر رضعات، فقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها: «حالت فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخ بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن». قال الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى: ففيه دلالة على أن النسخ لا يقتصر على الحكم فحسب، بل قد يكون على الحكم مع التلاوة، وقد يكون في الحكم دون التلاوة، وقد يكون في التلاوة دون الحكم، كما مثل لذلك العلامة الشنقيط رحمه الله تعالى فيما ذكره. وقوله رحمه الله تعالى: «ومثال نسخ التلاوة دون الحكم نسخ تلاوة آية الرجم وبقاء حكمها، وهي قوله تعالى: ﴿الشيخ والشيخة إذا زنيا فرجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم﴾»، كما جاء في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وجاء كذلك في مسند أحمد عن أبي بن كعب، وجاء كذلك عن عائشة وعن طائفة من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. أشهد منه أن هذه الآية ليست موجودة في المصحف اليوم، بل من زمن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، بل في زمن النبي صلى الله عليه وسلم رفعت تلاوتها، وإن كان حكمها لا زال باقيًا. فدل على أن النسخ قد يكون على التلاوة، وهو ما يسميه علماء القراءات الرسم نسخ الرسم مع بقاء الحكم. الحكم باقٍ، إذا زنى الشيخ أو الشيخة فإن حكمهما الرجم في كتاب الله تبارك وتحريم الزنا كما قال ذلك عمر على مسمع ومرأى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهذا نوع من النسخ. قال رحمه الله: «قيل: كانت هذه الآية من براءة، وقيل: من الأحزاب»، وهو الأرجح لما ثبت في حديث أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه عند أحمد بإسناد حسن أنه ذكر أن هذه الآية كانت من سورة الأحزاب. وكذلك جاء بنحوه من حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها عند أبي عبيد القاسم بن سلّم، إلا أنه من طريق ابن لهيعة، لكنه يحسن بحديث أبي بن كعب رضي الله عنهما جميعًا. وقوله رحمه الله تعالى: «ومنه نسخ تلاوة آية خمس رضعات عند الشافعي ومن وافقه»، أي: أن آية خمس رضعات في قول عائشة رضي الله عنها وأرضاها: «ثم نسخنا بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن». فالشافعي رحمه الله تعالى يقول أيضًا: كما أن العشر الآيات نسخت، كذلك الخمس الآيات نسخت. فأعاد الضمير في قوله: «وهن فيما يقرأ من القرآن» على الخمس الآيات. فدل هذا على ما ذكره من أن التلاوة رفعت والحكم باقٍ، لأن أحكام الرضاعة تثبت بخمس رضعات، على هذه القراءة التي مات النبي صلى الله عليه وسلم وبعض الصحابة كان يقرأها، ظنًا منهم أنها لم تنسخ بعد. ثم قال رحمه الله: «ومثال نسخ الحكم دون التلاوة»، أي: الآية التلاوة ما زالت موجودة في المصحف تقرأ ويصلى بها، إلا أن حكمها قد رفع، مثل: آية العدة المذكورة آنفًا. التي مرت معنا في تمتيع المعتدة إلى الحول، ثم نسخت إلى أربعة أشهر وعشرة. فهذه تقرأ في القرآن، ولكن حكمها هل هو باقٍ؟ الجواب: لا، نسخ بالآية الأخرى: أربعة أشهر وعشرة. قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: «وهو أغلب ما في القرآن من النسخ». هكذا قال رحمه الله تعالى. والأظهر والله أعلى وأعلم أن أغلب ما في القرآن من النسخ نسخ التلاوة مع الحكم. يدل على هذا ما جاء في مسند أحمد من حديث أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه أنه ذكر آية الأحزاب، وقال: «لقد رأيتها وإنها لتعادل سورة البقرة». وسنده حسن من طريق عاصم بن أبي النجود عن زر بن حبيش عن أبي بن كعب. وهذا سنده حسن، وصححه العلامة الألباني رحمه الله تعالى في كتابه «الصحيحة». وكذلك روى الحافظ أبو عبيد القاسم بن مسلم أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى بإسناد رجاله كلهم ثقات إلا ابن لهيعة عن عائشة بنحوه، وهو حديث حسن بغيره، أي: بنحو حديث أبي بن كعب رضي الله عنهما جميعًا. والشاهد منه ما هو؟ إذا كانت سورة الأحزاب كانت مثل سورة البقرة، وما بقى منها إلا ما هو موجود اليوم، فدل على أن النسخ في التلاوة والحكم أكثر. أو النسخ في الحكم دون التلاوة. يدل على أن النسخ فيهما هو الأكثر. أن النسخ فيهما هو الأكثر. والله أعلى وأعلم. تنبيه يتوجه على هذا الذي ذكر في هذا البحث ثلاثة أسئلة: الأول أن يقال كيف ساق نسخ الحكم دون التلاوة مع أن التلاوة دليل الحكم؟ فكيف يرفع المدلول مع بقاء دليله؟ لأن هذا يلزمه الدليل بلا مدلول، وهو محال، إذ لا تعقل الدلالة بدون مدلول. الثاني أن يقال: تقدم في حد النسخ أنه رفع الحكم إلى آخره، فكيف يدخل نسخ التلاوة مع بقاء الحكم؟ لأن الحكم فيه لم يرفع. هذا إشكال. أو التقدم أنا أضفنا قلنا: يضاف معنا الرسم أو الرسم. لو أضيفت هذه الكلمة لذهب هذا الإشكال. الثالث قال: ما حكمة نسخ اللفظ مع أنه إنما نزل ليثلى ويثاب عليه؟ فكيف يرفع؟ إذ رفعه يقتضي انتفاء حكمته. هذه أشكال الثلاثة سأتي الجواب عليها. الجواب عن السؤال الأول: أن لا نسلم كون اللفظ دليلًا على الحكم بعد نسخ الحكم، بل هو إنما يكون دليلًا عليه عند انفكاكه عما يرفع حكمه. فإذا جاء الخطاب الناسخ لحكمه زالت دلالته على الحكم بالكلية. كما قدمنا في الفوارق بين النسخ والتخصيص. طيب، يعني الأول ما هو الإشكال؟ الإشكال الأول أن يقال: كيف ساغ نسخ الحكم دون التلاوة مع أن التلاوة دليل الحكم؟ يعني الحكم من أين يعلم؟ بالتلاوة. فيقال: يعني الإشكال كيف تنسخ التلاوة يبقى الحكم مع أن الحكم ما عرف إلا بالتلاوة. قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: الجواب عن السؤال الأول هو أن لا نسلم كون اللفظ دليلًا على الحكم بعد نسخ الحكم. أي: أنه قبل نسخ الحكم يكون دليلًا، بعد نسخ الحكم لا يكون دليلًا. الآن الإشكال أن يقال: كيف ساغ نسخ الحكم دون التلاوة؟ تلاوة باقية. التلاوة باقية. قال: معنا التلاوة دليل الحكم. التلاوة الدليل الحكم. فكيف يرفع المدلول الذي هو الحكم مع بقاء دليله الذي هي التلاوة؟ قال: لأن هذا يلزمه الدليل بلا مدلول، أي: آية بلا معنى. كأنه يقول: ستكون الآية بلا معنى بلا فائدة. وهذا يتنزه عنه كلام الرب تبارك وتعالى. هذا وجه الإشكال. فيقول الشنقيطي رحمه الله: الجواب عن السؤال الأول هو أن لا نسلم كون اللفظ دليلًا على الحكم بعد النسخ. اللفظ بعد النسخ لا يكون دليلًا. إنما يكون دليلًا قبل النسخ. إذن هذا اعتراض على ما ذكر من إيراد. رد بماذا؟ بأن اللفظ يكون دليلًا على الحكم قبل النسخ، بعد النسخ لا يكون لفظ دليلًا على الحكم. لماذا؟ لأن الحكم نسخ. قال: بل هو إنما يكون دليلًا عليه عند فكاكه عما يرفع حكمه، أي: قبل النسخ. فإذا جاء الخطاب الناسخ لحكمه زال دلالته على الحكم بالكلية. صار ليس بدليل على الحكم. الأول لأن الحكم الأول نسخ. رفع. زال بماذا؟ بالحكم الثاني. قال: كما قدمنا في الفوارق بين النسخ والتخصيص. وإيضاحه: أن الحكم الشرعي المنسوخ مع بقاء اللفظ الدال عليه، السابقة وتلاوة ذلك اللفظ وكتابته في القرآن، وانعقاد الصلاة به، كلها أحكام شرعية من أحكام ذلك اللفظ. وكل حكم شرعي فهو قابل للنسخ. إذن القرآن أو الآية فيها أحكام، من أحكامها أولًا الحكم الذي دل عليه ذلك اللفظ، من تحليل أو تحريم أو ما شابه ذلك من الأحكام الشرعية التكليفية التي دلت عليه تلك الآية. هذا حكم من الأحكام. أيضًا أنها تتلو يتعبد بها، من الأحكام. بأن الصلاة تصح بها، من الأحكام. بأن إنسان إذا نذر أن يقرأ آيات من القرآن فقرأ تلك الآيات صح ندره. إلى غير ذلك. هل كل ما أحكام؟ أحكام موجودة. فيقول الشنقيطي رحمه الله تعالى: انتفاء بعض الأحكام ليس انتفاء لكل الأحكام التي دلت عليه تلك الآية. انتفاء البعض لا يدل على انتفاء الكل. فكون الآية انتفت عنها الحكم التحليل أو التحريم لا يدل على أن انتفت بقية أحكامها من جواز تلاوة بها والإثابة على التلاوة بها وصحة الصلاة بها إلى غير ذلك من الأحكام. قال رحمه الله: «والجواب عن السؤال الثاني هو أن لا نسخ التلاوة فقط معناه نسخ التعبد بلفظه والصلاة به وكتابته مع القرآن في المصحف». وهذه أحكام من أحكامه. فلا مانع من نسخها مع بقاء حكم آخر لم ينسخ، وهو ما دل عليه اللفظ. طيب، يعني هذه الآن الإشكالية الثانية ما هو؟ أن يقال: تقدم في حد النسخ أنه رفع الحكم إلى آخره، فكيف يدخل نسخ التلاوة مع بقاء الحكم؟ لأن الحكم فيه لم يرفع. يعني الإشكال ما هو؟ أنتم سبقتم أن قلتم أن حقيقة نسخ رفع حكم متقدم بحكم متراخ عنه بدليل شرعي. الآن يقول: الحكم ما نسخ. الحكم موجود. إنما نسخ ماذا؟ اللفظ. فلماذا أدخلتم في النسخ؟ فهذا قد يجاب عليه بما تقدم ذكره، بأن يقال: نسخ هو ماذا؟ رفع حكم أو رسم. هذا ينتهي الإشكال. لكن على التعريف السابق هناك توجيه آخر ما هو؟ هو أن رفع بعض الأحكام ليس رفعًا لكلها. رفع بعض الأحكام من الآية ليس هو رفعًا لها كلها. فالآن الجواب عن هذا الإشكال عكس الجواب عن الإشكال الأول. فيقال: أن رفع تلاوة تلك الآية رفع معها بعض الأحكام. نسخ تلاوة دون الحكم. رفع معه بعض الأحكام. مثل ماذا؟ مثل التلاوة لتلك الآية، والتعبد بتلاوة تلك الآية، على أن القرآن كتابة في المصحف، صحة الصلاة بها. إذا نذر إنسان أن يقرأ بعض آيات القرآن فقرأها. لا تصح. لا يصح نذره. واضح. جماعة. ما أحكام ارتفعت مع ارتفاع ماذا؟ التلاوة. إن بقي حكم من أحكام وهو ماذا؟ التحليل أو التحريم أو ما شابه ذلك. قال رحمه الله: «فآية الرجم مثلًا لا مانع من نسخ التعبد بها والصلاة بها وكتابتها في المصحف مع بقاء حكم آخر من أحكامها لم ينسخ»، وهو رجم الزانيين المحصنين كما تقدم. مثله فيقال: كيف الجمع بين هذا وبين قولهم: «هذا منسوخ تلاوة لا حكمًا»؟ لأنه يفهم منه أن نسخ التلاوة مناف لنسخ الحكم. فالجواب: أن الحكم المنفي عنه النسخ في قولهم: «لا حكمًا» غير الحكم المثبت له النسخ بنسخ التلاوة، لأنها أحكام قد نسخ بعضها دون بعض كما تقدم قريبًا. قال رحمه الله: «والجواب عن السؤال الثالث هو أنه لا مانع من أن يكون أصل المقصود من المنسوخ تلاوة لا حكمًا إنما هو الحكم دون التلاوة». لكنه أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ معين ليثبت به الحكم وليستقر. والحال أنه هو المقصود. فلا مانع من نسخ الله لأنه المقصود هو مجرد الحكم. فإن قيل: في إنجاز نسخ التلاوة فلينسخ الحكم معها؟ لأن الحكم تبع للتلاوة. فكيف يبقى الفرع مع نسخ الأصل؟ فالجواب: أن التلاوة حكم، والعقد الصلاة بها حكم آخر، ودلالتها على ما دلت عليه حكم آخر. فلا يلزم من نسخ التعبد بها وعدم الصلاة بها نسخ حكمها الذي دلت عليه. فكم من دليل لا يتلى ولا تنعقد به صلاة، والآية المنسوخة تلاوتها مع بقاء حكمها دليل لنزولها وورودها، لا لكونها متلوة في القرآن. والنسخ لا يرفع ورودها ونزولها، ولا يجعلها كأنها غير واردة، بل يلحقها بالوارد الذي لا يتلى. قال المؤلف: «قصر، يجوز نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال إلى آخره». حاصله: إضاح هذا البحث باختصار أن التحقيق هو الجواز، ووقوع نسخ الأمر قبل التمكن من الامتثال. فإن قيل: فما حكمة الأمر؟ الجواب: أن الحكمة في الأمر الأول هي الابتلاء، هل يتهيأ للامتثال ويظهر الطاعة فيما أمر به أو لا؟ ودليل هذين الأمرين قصة أمر إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه، فإنه نسخ عنه ذبحه قبل التمكن من فعله، وبيّن الله تعالى أن الحكمة في ذلك هي ابتلاؤه. هل يتهيأ لذبح ولده فتهيأ لذلك وتله للجبين؟ ولذا قال تعالى: ﴿إن هذا لهو البلاء المبين﴾. وفديناه بذبح عظيم. وهذا واضح كما ترى. وأقوال من منع هذا وحججهم ظاهرة البطلان، فلا نطيل الكلام بها. قال رحمه الله: تنبيه: من شاء الخلاف في هذه المسألة، وهل حكمة التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء وهو الحق، أو هي الامتثال فقط وهو قول القدرية؟ فعلى أن الحكمة مترددة بينهما، فالمنسوخ بعد الفعل حكمته الامتثال، وقد امتثل بالفعل قبل النسخ. والمنسوخ قبل التمكن من الفعل حكمته الابتلاء، وقد حصل قبل النسخ. قال رحمه الله: تنبيه آخر: ذكر بعض أهل الأصول أن هذه القاعدة المذكورة آنفًا التي هي هل حكمة التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء أو هي الامتثال فقط، التي هي مبنى خلاف في جواز النسخ قبل التمثل من الامتثال، ينبني عليها بعض الفروع الفقهية. من ذلك مثلًا: من علمت في العادة المضطردة أنها تحيض في أثناء النهار غدًا، فبيتت الإفطار، ثم حاضت في أثناء النهار بالفعل كما كانت تعتقده. ومن تعتاده حمى الربع، عادته أن تأتيه غدًا في أثناء النهار، فبيت الإفطار لذلك، ثم أصابت الحمى بالفعل في أثناء النهار كما كان يعتقد. فعلى أن الحكمة في التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء، فتبيت الفطر ممنوع على كل منهما. لأن الحكمة مترددة بين الفعل وبين الامتثال. فإذا كنت تظن أيضًا بقي الأمر الآخر، ما هو الأمر الآخر؟ الامتثال. فيجب عليك بهذا الاعتبار أن تبيت ماذا؟ الصوم. وأن تصوم حتى يحصل لك المانع من الصوم، فتفطر. قال رحمه الله: «وقيل فيه بالكفارة إن فعل موجبها قبل حصول الحيض أو الحمى»، وهو مذهب مالك رحمه الله ومن وافقه. ولا دليل على هذا. لكن يكون مخطئًا، وقد يؤثم. وقد لا يؤثم إن كان متأولًا لذلك. قال رحمه الله: «وعلى أن الحكمة الامتثال فقط، فلا كفارة ولا مانع من تبيت الإفطار»، لأنه غلب على ظنه انتفاء الحكمة المقصودة بوجود العذر. والله تعالى أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه الكريم وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على