الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 70، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
وقعت الغزوة في ربيع الأول إثر نقض بني النضير للعهد ومحاولتهم اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، فحاصرهم المسلمون وأمر النبي بحرق نخيلهم ونزلت سورة الحشر. انتهى الحصار بجلائهم عن المدينة محملين بأمتعتهم ومدمرين لديارهم بأيديهم.
يفسر المقطع آيات السورة مبيناً أن "أول الحشر" وقع ببني النضير حيث قذف الله الرعب في قلوبهم فخرجوا خربين ديارهم، ويوضح حكم قطع النخيل بأنه بإذن الله لإخزاء الفاسقين. كما يفصل أحكام الفَيْء وقسمته على المهاجرين لحاجتهم مع بيان حال المنافقين الموالين لليهود.
يستخلص المقطع عبراً من الغزوة أبرزها غدر اليهود ونقض العهود، ووجوب حذر المسلمين وقتالهم عند القدرة، مع كشف خذلان المنافقين لليهود وتحالفهم التاريخي معهم. ويقرر جواز إحراق أموال العدو وأشجاره كوسيلة حربية مشروعة لإرهابهم وإذلالهم وإخزاء الفاسقين.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم": قال: وفي شهر ربيع الأول كانت غزوة بني النظير، ونزل فيها سورة الحشر. غزوة بني النظير: وهم من قبائل اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة. فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة تعاقد معهم وتواثق معهم أن لا يقاتلهم وأن لا يقاتلوه، ويعينوا من يقاتله. فقد أجلى قبلهم قبيلة من قبائلهم، وهم بنو قينقاع. وقد مر معنا القبائل اليهودية في المدينة ثلاث: بنو قينقاع، وبنو النظير، وبنو قريظة. فتقدم معنا أنه أجلى بني قينقاع لأنهم نقضوا العهد، وتمالؤوا مع الكفار، فأجلاهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا بني النظير، كان سبب غزوهم وإجلائهم الغدر والنقض. ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إليهم من أجل القتيلين الذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في عهد مع بني عامر ألا يقاتل منهم أحد، وكان هذان الرجلان من بني عامر، وكانت بنو النظير في حلف وعهد مع بني عامر. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني النظير كي ينظر في أمر هذين القتيلين. فبينما هو تحت جدار بالقرب من حصونهم، إذا بهم يتمالون على النبي صلى الله عليه وسلم، فأرادوا قتله. وذكر أهل السير أنهم أمروا أحدهم أن يصعد على سقف البيت فيرمي بحجر كبير على النبي صلى الله عليه وسلم، فأطلع الله عز وجل نبيه على ذلك، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من بينهم إلى أصحابه، وأخبر الصحابة بذلك. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى حصونهم مقاتلاً لهم، فحاصرهم. فتحصنوا بحصونهم وقصورهم، وحرق أشجارهم ونخيلهم، حرق بعضها كما جاء في البخاري ومسلم، وكما جاء في ظاهر القرآن: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾. هذه الآية من سورة الحشر، وسورة الحشر كلها جاءت في ذكر هذه الغزوة وما وقع فيها من أحداث. فحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه، فحكم عليه الصلاة والسلام أن يخرجوا من المدينة، وأن يجلوا منها، وأن يأخذوا معهم ملء رواحلهم. إذا واحد معه بعير يأخذ ملء البعير من ماله. جاء في بعض الأحاديث: وإن أحدهم ليقلع باب بيته فيضعه على ظهر بعيره. فأخذوا ما ملأوا به رواحلهم وإبلهم، فأصبحوا يخربون بيوتهم، يخربون بيوتهم حتى لا يستفيد منها المسلمون، كما ذكر الله في سورة الحشر: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾. ومعنى "لأول الحشر": يعني إلى البلد التي يكون فيها الحشر والنشر، وذلك لأن منهم من أجلي إلى بلد الشام في أرض يقال لها أذرعات، وقيل أن هذه الأرض هي أرض المحشر. ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ﴾، يعني كانت عندهم منعة من بناء تلك الحصون المنيعة الرفيعة، فظنوا أن هذه القصور ستمنعهم من عذاب الله، وتمنعهم من نصر المسلمين عليهم. ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. قذف الله عز وجل في قلوب هؤلاء الرعب، وقذف الرعب هذه علامة الهزيمة. ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾. ﴿وَلَوْلَا أَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾، قيل عذاب الدنيا: أي بقتلهم وأسرهم وسبي نسائهم. لكن النبي صلى الله عليه وسلم ما قاتلهم، أي ما قتلهم وما سبى نساءهم، وإنما أجلاهم، أجلاهم عن المدينة. ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ﴾. ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. ثم قال: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾. لأن اليهود قيل لما حرق النبي صلى الله عليه وسلم نخيلاً لهم: كيف يدعي أنه لا يفسد في الأرض؟ لا يفسد في الأرض، وهذا إفساد في الأرض. فرد الله عز وجل عليهم بقوله: ﴿مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا﴾. لينة: يعني النخلة. ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾. هذا من الخزي للفاسقين، وليس من الفساد في الأرض، حتى يخزيهم ويدخل الرعب في قلوبهم. ﴿فَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾. والفَيْء: هو الذي يغتنم من الكفار من غير قتال، من غير قتال. والغنيمة التي تكون بالقتال: ما يغنمه المسلمون من الكفار بقتال. فهذا حاصرهم فقط ولم يقاتلهم، فنزلوا على حكمه، فأفاء الله عز وجل على رسوله. فكم غنم المسلمون من نخيل أولئك القوم، ومن أموالهم التي لم يستطيعوا أخذها. ولذلك قسم النبي صلى الله عليه وسلم النخل التي أخذت منهم على المهاجرين فقط، ولم يعطِ الأنصار منها شيئاً. وقيل في ذلك حكمة: وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قسمها على ذوي الحاجة، وكان المهاجرون أشد حاجة من الأنصار، لأنهم هاجروا وتركوا أموالهم وديارهم. أما الأنصار فالمدينة بلدهم، وفيها أرضهم وزرعهم وأموالهم. بل كذلك أعطى رجلين من الأنصار من تلك النخيل لأنهما اشتكيا الحاجة، فأعطاهما النبي صلى الله عليه وسلم، فقط رجلان فقط من الأنصار. وأما بقية تلك الغنائم أو تلك الأموال فقد أعطاها المهاجرين. وبين ربنا عز وجل لمن تعطى هذه الأموال التي تؤخذ من الكفار، فذكر أنها لله وللرسول ولذي القربى واليتامى، إلى آخر ما ورد في الآية. وهكذا بين أن ممن يعطى: المهاجرون والأنصار، ومن جاء بعدهم من أهل الإيمان. ثم ذكر كذلك وفضح المنافقين، فإن المنافقين في هذه الغزوة أيضاً تمالؤوا مع اليهود، تمالؤوا مع اليهود. فلما حاصر النبي صلى الله عليه وسلم بني النظير، كتب أو أخبر المنافقون اليهود أنهم معهم، وأن لا يستسلموا ويصمدوا، فلا يستطيع هؤلاء أن يفعلوا بهم شيئاً. ففضح الله عز وجل المنافقين، فقال الله سبحانه وتعالى في هذه السورة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، يعني اليهود من بني النظير، ﴿لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾. أي: الله يشهد أن المنافقين كاذبون في دعواهم، لأنه قال في الآية التي بعدها: ﴿لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لَا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ﴾. ﴿لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ﴾. ﴿لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ﴾. ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ﴾. ولذلك ذكر المفسرون أن هذه السورة كلها في ذكر هذه الغزوة وما حدث فيها وما وقع فيها. ولذلك اختصر المؤلف هنا وقال: "ونزل فيها سورة الحشر". ونزل فيها سورة الحشر، وهذه الواقعة فيها فوائد عدة، وفيها عبر وعظات للمؤمنين. فمن فوائد هذه القصة: فيها غدر اليهود، وأنه لا عهد لهم ولا ذمة، فهم أهل غدر ومكر ونقض للعقود والعهود، كما فضحهم الله عز وجل في القرآن. فمهما تصالح معهم المسلمون، ينبغي أن يكونوا على حذر، وسرعان ما ينقضون، وسرعان ما يغدرون. وكذلك من فوائد هذه القصة والواقعة: أن المسلمين إذا كانوا في قوة ومنعة لا يتركون اليهود، بل يقاتلونهم ويذلونهم، وإن أبوا الإسلام يدفعون الجزية عن يد وهم صاغرون. فهكذا عاملهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن فوائد وعبر هذه الواقعة: أن المنافقين دائماً وأبداً هم حلفاء لليهود، هم حلفاء لليهود. وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله في غير موضع أن من المنافقين الروافض، عليهم من الله ما يستحقون، فإنه ما من عصر من العصور إلا وترى الروافض واليهود في خندق واحد. ولا يغرنكم الشعارات البراقة التي يرددها الروافض في قولهم في صيحتهم: "اللعن على اليهود"، فهذا في الحقيقة إنما هو لذر الرماد على عيون بعض المغفلين، وإلا فهم واليهود يعملون سوياً ضد الإسلام والمسلمين، ضد الإسلام والمسلمين من زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وقد سمعت قول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، فجعلهم الله عز وجل إخواناً لليهود، إخواناً لليهود، بما بينهم من التعاقد والتعاهد وكذلك المناصرة ونحو ذلك. وكذلك من فوائد هذه الغزوة: أن للمسلمين أن يرعبوا العدو ولو بحرق بعض أملاك العدو، وليس ذلك من الإفساد، وليس ذلك من الإفساد، حتى يدخل الرعب في قلوب عدوهم. فمثلاً يحرقون مبانيهم أو يحرقون أشجارهم أو نحو ذلك، إذا كان في ذلك مصلحة من إرعاب ذلك العدو، ومن تخويفه، ومن إذلاله وخزيه، كما جاء في الآية: ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾، ﴿وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ﴾. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى يتعالى.