الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 72، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
وقع الإفك في غزوة بني المصطلق حين تخلفت عائشة رضي الله عنها للتماس عقدها، فلحق بها صفوان بن المعطل وأركبها دون كلام، واستدل العلماء بذلك على جواز نقل المرأة بلا محرم عند الضرورة.
ساق المؤلف قصة رجل أنقذ امرأة مستدلاً بقاعدة الضرورات تبيح المحظورات، ثم ذكر رمي عبد الله بن أبي لعائشة واستشارة النبي الصحابة، وحكمة حبس الوحي شهراً لتمحيص المؤمنين وفضح المنافقين.
بيّن المقطع فوائد الابتلاء في تمحيص المؤمنين وإظهار المنافقين، وروى براءة عائشة بالوحي وموقفها المتواضع واعتذار حسان بن ثابت ونزول آيات سورة النور.
اختصر المؤلف حديثه لمراعاة المقام، ثم أنهى الجلسة بالشكر للحضور ولزينب.
الحمد لله، وحمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد: قال شيخ الإسلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه "مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم": قال: "قصة الإفك". وفي هذه الغزوة كانت قصة الإفك، أي في غزوة بني المصطلق، عند الرجوع إلى المدينة. ومعروف قصة الإفك، ذكرها الله في سورة النور، وجاء في الصحيحين ذكر هذه القصة مفصلة من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها. وذكرها هنا المؤلف واختصر بعضها. فقال هنا: "وذلك أن عائشة رضي الله عنها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معها بقرعة، وتلك كانت عادته مع نسائه". يعني: جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الغزو أقرع بين نسائه. ومعنى "أقرع": جعل القرعة بين النساء، فمن وقعت طُرَّتها خرج بها عليه الصلاة والسلام. فكان من نصيب نساء النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الغزوة عائشة. قال: "فلما رجعوا نزل في طريقهم بعض المنازل"، يعني: لما يرجعون يرجعون عن مراحل، ليس يمشون مشياً واحداً، وإنما ينزلون ويستريحون. قال: "فخرجت عائشة لحاجتها"، يعني: قضاء الحاجة، ثم رجعت ففقدت عقداً عليها، يعني: ضاع عليها العقد، والعقد هو الذي يلبس على العنق. قال: "فرجعت تلتمسه تبحث عنه، فجاء الذين يرحلون هودجها فحملوه". والهودج: هو كالقبة يجعل على الراحلة، يكون أستر للمرأة عند الركوب، أستر لها، فيوضع على الراحلة وتدخل المرأة بداخله. فجاء الذين يرحلون هودجها فحملوه، وهم يظنونها فيه لأنها صغيرة السن، يعني: خفيفة، فما استنكروا أن هذا الهودج ليس فيه عائشة، ظنوا أن عائشة بداخله، فحملوه ووضعوه على الراحلة، وهي لم تكن موجودة. قال: "فرجعت وقد أصابت العقد"، يعني: وجدت العقد، إلى مكانهم، فإذا ليس به داعٍ ولا مجيب، يعني: ما فيه أحد. قال: "فقعدت في المنزل"، وهذا من ذكائها، إذ لو رهبت يميناً أو شمالاً لربما ضاعت وتعبت، فمن ذكائها رضي الله عنها بقيت في مكانها الذي كان الهودج فيه. قال: "وظنت أنهم يفقدونها"، يعني: إذا نزلوا ما وجدوها، فرجعوا إلى هذا المكان، وهذا واضح. قال: "ويرجعون إليها، فغلبتها عيناها"، أي: نامت، فلم تستيقظ إلا بقول صفوان بن المعطل: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، لأنها مصيبة أن تكون زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وحدها دون أحد. قال: "زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان صفوان قد عرّس في أخريات الجيش". عرّس: أي التعريس هو نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة، وقيل له تعريس نسبة إلى العريس، لأن العريس في الغالب يدخل على زوجته في آخر الليل. قال: "لأنه كان كثيراً نوم"، ومعنى "كثير نوم": يعني ثقيل النوم، إذا نام ما يقوم إلا بشدة، فغفل وقد ذهب القوم فتأخر. قال: "فلما رآها عرفها، وكان يراها قبل الحجاب"، يعني: يعرف حجمها وطولها وعرضها وقصرها ونحو ذلك، فعرفها بشكلها، وإلا فهي كانت متحجبة، لأن هذه الغزوة كانت بعد نزول الحجاب. قال: "فاسترجع"، يعني: "إنا لله وإنا إليه راجعون"، أن هذا مصيبة. "وأناخ راحلته"، يعني: أنزل راحلته لتركبها. قال: "فركبت، وما كلمها كلمة واحدة". استدل العلماء بهذا على جواز نقل المرأة بدون محرم عند الضرورة، وفيه العمل بقاعدة "ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما"، وهذا يجوز في السفر وغيره كإنقاذ ونحو ذلك. فمثالاً: امرأة تغرق في البحر، فما يقول المنقذ: "هذه ليست بمحرم لي، وأنا أخشى على نفسي الفتنة". المرأة الآن تموت، فهنا يجوز له أن ينقذها، وأن يمسكها، وأن يحملها ويأخذها بقدر إنقاذها إلى بر الأمان. وقد أخبرني رجل قبل أيام أن امرأة في الظهيرة كانت تمشي عند المستشفى، فسقطت، ولا يوجد نساء معها ولا أحد. قال: "فما أدري كيف أفعل، فألهمني الله فحملتها، وأدخلتها دكاني، كنت صاحب دكان، ورشيت عليها بالماء، وأتيت لها بعصير، قلت: لعل السكر نزل عليها، وفتحت فمها وأسقيتها العصير، ثم نقهت وقامت وشكرتني وذهبت. ثم جاءت مع ابنها في اليوم الثاني، وأتوا لي بهدية طيبة، وشكروني، وقالت لي: أنت مثل أخي، لعلي أموت إذا لم تنقذني". فيسأل: كيف هذا الفعل؟ قلنا: هذا الفعل عين الصواب، عين الصواب. ربما لو تركتها لماتت أو تضررت ضرراً عظيماً، فالضرورات تبيح المحظورات، وهكذا ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما. هذا من القواعد العظيمة في قواعد الأصول، أصول الفقه. فهنا أخذها صفوان لدفع أشد المفسدتين، لو تركها ولم يأخذها ربما جاءها مفسد من المفسدين أو عدو من الأعداء، ونال منها ما نال. لكنه رضي الله تعالى عنه يعني: أناخ لها الراحلة وأركبها فيها، دون أن يحادثها أو يكلمها، وهذا من عفته، ومن خشيته وخوفه من الله سبحانه وتعالى. قال: "ولم تسمع منه إلا استرجاعه، ثم سار يقود بها، يأخذ بخطام الناقة، وعائشة رضي الله عنها على راحلته، حتى قدم بها، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة"، يعني: توقف الجيش في نحر الظهيرة، يعني: في وسط الظهيرة للاستراحة. فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته، يعني: لما رأوا عائشة مع صفوان، فبعضهم نال من أمنا رضي الله تعالى عنها وتكلم فيها بالقبيح. قال: "ووجد رأس المنافقين، عدو الله عبد الله بن أبي سلول، متنفساً، فتنفس من كرب النفاق والحسد، فجعل يستحكي الإفك ويجمعه ويفرقه، وكان أصحابه يتقربون إليه به". وهكذا أهل النفاق، كما يقال: يصطادون في الماء العكر، ويستغلون المواقف التي تسعفهم في تصديق ما أرادوا، كهذه الحادثة. وكما قال الله: ﴿ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾. فتكلم عبد الله بن أبي بهذا الإفك، وترأس القول به، وتولّى كبر هذا الذنب العظيم، وهو قذف الطاهرة المبرأة عائشة رضي الله عنها وأرضاها. وكما ذكرنا أن المؤلف اختصر، وإلا فجاء في الحديث أن عائشة ما كانت تدري بما يدور وما يقول الناس، بل مرضت وجلست في بيتها ولا تدري بشيء، والناس يخوضون في شأنها. وما علمت إلا لما خرجت مع أم مصطح لقضاء حاجتها خارج بيتها، فعثرت أم مصطح، فسبت ابنها مصطح، كان ممن خاض مع من خاض، فقالت: "تعس مصطح". فأنكرت عليها عائشة: كيف تسبين هذا الرجل وهو من الصحابة الصالحين؟ فأخبرتها الخبر، فازدادت رضي الله عنها حزناً ومرضاً مع مرضها، ولم تكتحل بنوم، ولم يكد ينقطع دمعها من البكاء، لأنها موقنة ببراءتها. قال: "فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم، ثم استشار في فراقها"، يعني: استشار الصحابة، فأشار عليه علي بفراقها، فوقع في نفس عائشة على علي رضي الله تعالى عنه بسبب ذلك، وأشار عليه أسامة بإمساكها. والنبي صلى الله عليه وسلم لا يزال يسأل من هم قريبون من عائشة عنها وعن سيرتها وعن عملها، فلا يسمع إلا خيراً، وإلا ثناء عظيماً وعطراً. ومن حكمة الله أن الوحي انقطع في هذه الفترة، كما سيذكر المؤلف. قال: "واقتضى تمام الابتلاء أن حبس الله عن رسوله الوحي شهراً في شأنها، لم يوحَ إليه، ليزداد المؤمنون إيماناً وثباتاً على العدل والصدق، ويزداد المنافقون إفكاً ونفاقاً، ولتتم العبودية المرادة من الصديقة وأبويها، وتتم نعمة الله عليهم، ولينقطع رجاؤها من المخلوق، وتَيْأَس من حصول النصر والفرج إلا من الله". وهذا من فوائد الابتلاء. من فوائد هذا الابتلاء ما أشار إليه المؤلف في هذه العبارة: "ليزداد المؤمنون إيماناً". هذا ابتلاء من الله ليعلم الله الصادقين من الكاذبين، والخائضين من المتثبتين، وهكذا. ويزداد المنافقون إفكاً ونفاقاً، يظهر المنافقون عند الفتن، عند الفتن يظهر المنافقون. نعم، فتجدهم يستغلون هذه الفتن، فيخرج الله ما في قلوبهم على ألسنتهم، على ألسنتهم، وهذا من فوائد الابتلاء. وهكذا فيه تمحيص للصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما جميعاً. فعلقت قلبها بالله، كما سيأتي في قولها: "ما مثلي ومثلكم إلا كما قال أبو يوسف: فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون". فعلقت قلبها بالله، وعلمت أن الفرج سيأتيها من الله سبحانه وتعالى. وكما ذكرت أن ما ظنت أن الله عز وجل سينزل في شأنها وحيا من السماء، وإنما هي ربما رؤية صالحة يراها النبي صلى الله عليه وسلم تبرئها، فإذا ببراءتها نزلت من السماء، فكانت براءتها في القرآن تتلى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قالت: "فدخل عليها رسول الله، وعندها أبواها، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا عائشة، إن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت قد ألممتِ بذنب فاستغفري، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب تاب الله عليه". قالت لأبيها: "أجب عني رسول الله"، لأن أباها يعلم عفافها وصدقها، فلا يقع منها ما قاله أهل الإفك. فقالت لأبيها: "أجب عني رسول الله". قال: "والله ما أدري ما أقول لرسول الله". فقالت لأمها مثل ذلك، وقالت أمها مثل ذلك. قالت: "فقلت: إن قلت إني بريئة، والله يعلم أني بريئة، لا تصدقوني، ولا أجد لي ولكم مثلاً إلا أبا يوسف"، يعني: ما ذكرت اسم يعقوب، أبو يوسف هو يعقوب، لكن ما ذكرته في هذا الموضع، ذكرت يوسف حيث قال: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾. قالت: "فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأما أنا فعلمت أن الله لا يقول إلا الحق، وأما أبواي فوالذي ذهب بأنفاسهما ما أقلع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا خفت أن أرواحهما ستخرجان"، يعني: من الحزن وألم المصيبة. فكان أول كلمة قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبشري يا عائشة، فقد برأك الله". فقال أبواها: "قوما إلى رسول الله". قلت: "والله لا أقوم إليه، ولا أحمد إلا الله". وهذا من تواضعها لزوجها. قال: "وكان حسان رضي الله عنه ممن قيل عنه إنه يتكلم مع أهل الإفك"، يعني: خاض شيئاً مع أهل الإفك. فقال يعتذر إلى عائشة ويمدحها: «حُصَانٌ رِزَانٌ مَا تزنُ بِرَيْبَةٍ ... وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لَحْمِ الْغَوَافِلِ عَقِيلَةُ حَيٍّ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ ... كِرَامُ الْمَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ خِيمَهَا ... وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَبَاطِلِ لَئِنْ كَانَ مَا قَدْ قِيلَ عَنِّي قُلْتُهُ ... فَلَا رَفَعَتْ سُوطِي إِلَيْ أَنْامُلِي وَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيتُ وَنُصْرَةٌ ... لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنِ الْمَحَافِلِ» قال: "وكانت عائشة لا ترضى أن يذكر حسان بشيء يكره، وتقول: إنه الذي يقول: ﴿ فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَتِي وَعِرْضِي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءٌ ﴾". وأذى فيه أن الصالحين قد يقعون في شيء من الزلل والخطأ، ومن تاب تاب الله عليه. قال: "فأنزل الله تعالى في هذه القصة أول سورة النور، من قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ﴾ إلى آخر القصة". وكما ذكرنا أن المؤلف هنا اختصر هذا الحديث اختصاراً، وإلا فهو أطول وأوسع من ذلك، ووقعت فيه أحداث أخرى: كاختصام الصحابة أمام رسول الله، ورفع أصواتهم في ذلك، وهكذا مجيء النبي صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش وسؤالها عن عائشة، ونحو ذلك. ولكن المؤلف هنا اختصر لأن المقام مقام اختصار، فنكتفي بهذا. وإلى هنا، والله تعالى أعلم. معكم شكراً، كما عندها شكراً، شكراً زينب.