شرح مسائل الجاهلية  85

شرح مسائل الجاهلية 85

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 85، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في محبة الله واتباع شرعه

يتناول المقطع مفهوم محبة الله وضرورة اتباع شرعه، حيث يبين أن ادعاء محبة الله دون اتباع رسوله كذب. اتباع الرسول هو الدليل الحقيقي على محبة الله.

أهمية اتباع الرسول في نيل محبة الله

اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام هو السبيل لنيل محبة الله، وليس مجرد ادعاء المحبة. يجب اتباع الرسول في جميع أبواب الدين.

حكم صيام شهر رجب وبدعته

صيام شهر رجب بدعة ولا أصل له في السنة النبوية، وقد نهى سلفنا الصالح عنه. لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه حث على صيامه.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى السامعين بما قيل، ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه. يختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: المسألة الثامنة والسبعون: دعواهم محبة الله مع تركهم شرعه، فطالبهم الله بقوله: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾. هذه المسألة، أخواني في الله، كذلك من المسائل التي عرج عليها أهل الجاهلية، يهودًا كانوا أو نصارى، وهكذا يدخل في نطاقهم ما كان من مشركي العرب، أن الكل يتهافت على هذه الدعوة، وهي قوله رحمه الله تعالى: دعواهم محبة الله. والمحبة هو ميل النفس إلى الشيء، فأهل الكفر يدعون أنهم يحبون الله سبحانه وتعالى. لا تظن يا عبد الله أن الكفار ملاحد صرف أو أنهم زنادقة خلص، بل هم كذلك أمة تتودد إلى باريها، إلى خالقها، ويدعون أن لهم ربًا يجلونه ويعظمونه. بل هم يدعون محبة الله، اليهود وهم يهود، ومع ذلك يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، يفتخرون ويدعون بهذه الدعوة أنهم بلغت بهم الخلة والتعلق بالله إلى أنهم أصبحوا أحباء الله سبحانه وتعالى. فقول مؤلف رحمه الله تعالى: دعواهم محبة الله، إذن هذه الدعوة أن فلان من الناس يحب الله جل وعلا، هي ليست فقط من خواص أهل الإسلام، بل الأمم السالفة السابقة الماضية هم كذلك يتشدقون بهذه الدعوة. النصارى وهم نصارى يدعون أنهم يحبون الله، كفار العرب الذين يعبدون الأصنام هم كذلك يحبون الله. بل ما أدخلهم عبادة الأصنام وما عكفوا على أصنامهم إلا حبًا لله عز وجل، وما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. فالكفار هم كذلك يحبون الله سبحانه وتعالى، فليس العبرة بالدعوة إذا كانت الدعوة، فالكل يتشدق بأنه معظم لله وبأنه محب لله سبحانه وتعالى. فقال مؤلف رحمه الله تعالى: دعواهم محبة الله مع تركهم شرعه، وهذا هو التناقض بعينه. إذ أن من ادعى أنه قد أحب شخصًا ما، فإن من مستلزمات هذه المحبة الامتثال لما يحبه المحبوب، هذا من اللوازم. إذ ليس في الطبع ولا في العقل أن يستساغ أنك تدعي محبة شخص ما، ومع ذلك أنت تعانده أو أنك تماطله أو أنك تخالفه. هذا ليست محبة. تقولي فلان: إني والله يعني متعلق بك ومتيمن بك، ومع ذلك لا أنصع لأوامرك، قم لا يقوم، اجلس لا يجلس، هذا ما هي محبة، بل هذا نفاق وهذه معارضة، وهذا هو الجفاء بعينه. وهنا ظهر التناقض، فالكفار مع دعواهم أنهم قد أحبوا الله جل وعلا، إلا أنهم تركوا شرع الله سبحانه وتعالى. ولهذا رحم الله الشاعر حيث قال: إن كان حبك صادقًا لأطعته، إن المحبة لمن يحب مطيع. إن كان حبك صادقًا لأطعته، تظهر في الامتثال، فتظهر في الطاعة. لكن إذا كان الكفار وهم يتشدقون ليل نهار بمحبتهم لله، وهم يعصون الله سبحانه وتعالى ويجاهرون بمعصية الله، بل يجاهرون بمخالفة دينه، إذن ليست هذه محبة، بل هذا الجفاء، بل هذا هو الكذب بعينه. فقال رحمه الله تعالى: دعواهم محبة الله مع تركهم شرعهم، فطالبهم الله بقوله: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾. وهذه فيها فائدة أن المحبة، إخواني في الله، ليست عبارة عن دعوة يدعى، أو أنها كلمات تلاك بالألسن، بل الدعوة يا عبد الله لها برهان، لها دليل. ودليل المحبة، إخواني في الله، ما جاء ذكره في هذه الآية، وهو اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام. فمن ادعى محبة الله جل وعلا، فليقدم على ذلك عربون، وعربون محبة الله جل وعلا هو الامتثال لاتباع الرسول عليه الصلاة والسلام. قال: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾، فاتباع الرسول صلواته ربي وسلامه عليه، عبد الله وأخذ بسنته ظاهرا وباطنا، هو دليل على محبتك لله سبحانه وتعالى. ومن هنا، إخواني في الله، نعرف أحوال الناس. كم نسمع من جماعات ومن فرق، بل من أمم من أهل الإسلام، من ينادي بأنه محب لله جل وعلا، والكل يتنافس والكل يدعي على هذه الراية، وعلى هذه الكلمات أنه محب لله، معظم لله. ومع ذلك إن رأيت اتباعه لنبينا عليه الصلاة والسلام، فلا تجد لذلك أثر. فكل من ادعى محبة الله وهو غير منقاد للسنة، فهذا كاذب في دعواه. وإن محبة الله سبحانه وتعالى تتنزل على العبد على قدر اتباعه للنبي عليه الصلاة والسلام. اجعلها قاعدة: محبة الله جل وعلا تتنزل على العبد على قدر طاعته وامتثاله واتباعه لنبينا عليه الصلاة والسلام. والعكس بالعكس، كما ذكر ذلك العلماء، وأن سخط الله وغضب الله يتنزل على العبد على قدر مخالفته لنبينا صلى الله عليه وسلم. فانظر يا عبد الله أين أنت من سنة النبي صلوات ربي وسلامه عليه. فهذا موطن الشاهد، ليس المحبة عبارة عن الدعوى اللسان، وكلمات تقال بالأفواه، بل إنما هو اتباع صادق يا عبد الله لنبيك عليه الصلاة والسلام. وانظر يا عبد الله إلى عظم الجزاء، قل إن كنتم تحبون الله، هذه الآية. طبعًا يقول شيخ الإسلام ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره: هذه الآية حاكمة في كل من يدعي محبة الله، حاكمة يتحاكم إليها أناس في دعواهم لمحبة الله. ما الحكم؟ هذه الآية الفيصل: اتباع النبي عليه الصلاة والسلام. انظر يا عبد الله إلى الجزاء في هذه الآية، قوم ادعوا محبة الله سبحانه وتعالى، فإن كانوا صادقين في دعواهم، لكان من أمرهم اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام. فلو أنهم اتبعوا الرسول، ما الثمرة؟ ما الجزاء؟ هل الجزاء الذي يحصل هو الذي أرادوه؟ لا. انتبه يا عبد الله، انظر للآية، وانظر للثمرة. الآية: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾. هؤلاء ناس، جماعة يدعون أنهم أحبوا الله، البرهان على ذلك اتباع الرسول. فلو اتبعوا الرسول، اتباعهم للرسول ليس فيه فقط دلالة على أنهم أحبوا الله، بل فيه هو أعظم من ذلك، وهو أن الله يحبهم. وهذا أعظم مما طلبوا. أيهم أعظم: أنك تحب الله أو أن الله يحبك؟ لا شك الثاني. ولهذا قال من سلفنا الصالح: ليس الشأن كل الشأن أن تحب، لكن الشأن كل الشأن أن تحب. فليس الشأن أنك تحب الله، الكل من الناس: اليهود والنصارى والفجار والكفرة، الكل يود ويتمنى أن يكون محبًا لله عز وجل. وليس العبرة بأنك تدعي محبة الله، المهم هو أعظم من ذلك، هو أن الله يحبك. ففي هذه الآية، إخواني، لو تأملتها، لعلمت أن الجزاء أعظم مما طلب: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾. أي اتباعكم للرسول فيه دلالة على صدق محبتكم لله، وفيه ما هو أعظم من ذلك، وهو أن الله قد أحبكم. إذن من أراد، إخواني في الله، أن يحب الله سبحانه وتعالى، فعليه باتباع النبي صلوات ربي وسلامه عليه. وبهذا، إخواني في الله، هذا هو الفيصل الذي به تسكت الألسن وتخرس الأفواه والشفاه التي يتشدقون بمحبتهم لله عز وجل، وهم معارضون وهم جفاة له صلوات ربي وسلامه عليه. وبهذا نعلم أن من كان على قدر من الذنوب ومن المعاصي، فإن فيه بعدًا عن الله جل وعلا. وقد ذكر العلماء أن الذنوب والمعاصي تنقص من محبة الله، وعلى رأس المخالفات البدع. بل البدع لربما تطردك من محبة الله ومن محبة رسوله عليه الصلاة والسلام. وهنا، إخواني في الله، فائدة، والشيء بالشيء يذكر، كما يقال. وكلام على محبة محبة الله جل وعلا، وأنها تكمن في محبة الرسول، في اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، نعلم حينها أن اتباع الرسول واجب. اتباع الرسول واجب، ليس المسلم إزاء نبينا أنه بالخيار، إن شاء تبعه وإن شاء جفى عنه. لا، أنت ملزم، قال ربنا جل وعلا: ﴿فاتبعوني﴾، وهو فعل الأمر. أنت ملزم باتباع النبي عليه الصلاة والسلام. وعندما نقول: بأن طاعة الرسول واجبة، ينبغي أن نعلم أن اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام في جميع أبواب الدين، في جميع أبواب الدين. طاعة الرسول عليه الصلاة والسلام في باب العقائد، طاعته واتباعه عليه الصلاة والسلام في باب العبادات، بترك البدع والمحدثات. اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام كذلك في باب المنهاج، في باب السلوك، في باب الطريقة، في باب المنهج. اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام كذلك في باب الأخلاق، في باب السلوك، في باب الآداب. كل ذلك اتباع، لأن من العجب أن تجد أناسًا من الناس لربما إذا مروا على هذه الآية أصبحوا يلوحون بها على من خرج عن سنة النبي في باب العبادات. تجد جماعة تتشدق على غيرها إذا رأوا بعض المبتدعة ممن يحدث ما يسمى بالموالد أو ما يسمى بالزيارات، فتأتي في أمور الناس ويقول: انظروا، أنتم كذبتم في دعواكم، أين اتباعكم للنبي؟ أين كذا؟ وهؤلاء الذين يرفعون هذه الراية ويبخسون أولئك الأقوام، هم بأنفسهم قد تورطوا في مخالفات. إن كان أولئك قد خرجوا عن منهاج النبي أو عن طريقة الرسول في باب العقيدة، وفي باب العبادة، فأنتم أيضًا تورطتم في الخروج عن منهاج النبي في باب السلوك، في باب الطريقة، من الحزبية كذلك، من الجماعات، كذلك من السرية، من البيعة، من الإمارة، هذه بدع. أولئك في بدع، وأنتم في بدع. ذلك بدع في العبادات، وهذه بدع في المنهاج والسلوك. وهؤلاء على بعد عن محبة الله، وأنتم كذلك على بعد عن محبة الله جل وعلا. فاتباع الرسول في كل أمور الدين، في كل شيء، في أقواله، في أفعاله، في لباسه، في نومه، في ثيابه، فضلًا عن عقائده وعن توحيده وعن آدابه وعن خلوته وعن منهاجه وعن سلوكه صلوات ربي وسلامه عليه. فينبغي، إخواني في الله، أن نعلم هذا. فإن عظم الجزاء على قدر عظم البلاء. إن أردت يا عبد الله أنك تنال محبة الله سبحانه وتعالى، فعليك بتصفية اتباعك للنبي عليه الصلاة والسلام، هو المتبوع صلوات ربي وسلامه عليه، لا أحد يزاحمه، لا أفكار، لا مناهج، لا أحزاب، ولا كذلك عشائر، ولا قبائل، ولا أحد يكون اتباعك خالصًا لنبيك عليه الصلاة والسلام. وحين نعلم، إخواني في الله، عظم هذا المقام، والذي به تتحصل على عظم الجزاء، أن الله جل وعلا يصيبك من محبته سبحانه وتعالى. وأخواني في الله كذلك، كما قلنا، وهذا الذي أردت من هذا الحديث، وخاصة ونحن في هذه الفقرة المتعلقة باتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، ما نحن بصدده في هذه الأيام، وهي في أيام رجب، في أيام رجب. إذ أن من الناس من لربما في مدخل هذا الشهر يخصه بشيء من البدع والمحدثات والمنكرات. وتعلموا، إخواني في الله، أن تعظيم رجب ليس من تعظيم أهل الإسلام، تعظيم شهر رجب ليس من تعظيم أهل الإسلام، بل هو يوم كان يعظمه أهل الجاهلية، بل كان يومًا يعظمه أهل الجاهلية، فكانوا يحتفون به احتفالًا عظيمًا. وإنما الإسلام عرى رجب وجعله شهرًا كباقي الشهور، ليس في ذاته، وليس في أيامه، لا في لياليه، ولا في نهاره، فضيلة، ولا قداسة، ولا عظمة، كما يدعيه كثير من الناس، من جهلة المسلمين. وها نحن نرى، إخواني في الله، في مدخل هذا الشهر، كيف أن الناس يقبلون على الطاعات والعبادات، ذاك بتعظيم وتقديس، ذاك بالإكثار من النوافل والقربات، ذاك يكثر من أوجه البر والصدقة وإطعام الطعام. وهذا كله من البدع، كل ذلك من البدع. وأخص، إخواني في الله، على خصلة، وهذا الذي قد تفشى في مجتمعات المسلمين، في إبان دخول رجب، ما يتعلق بشعيرة الصيام، ما يتعلق بشعيرة الصيام. تجد أن بعض المسلمين ما يعرف الصيام أو أنه قليل الصيام، لكن إذا دخل عليه رجب أكثر الصيام، يكثر من الصيام. وهذا يلاحظ، يخصص أيامًا، وذلك في شهر رجب. بل بعضهم، وهذا يكثر كذلك عند بعض العامة، وعند بعض النسوة، أن إذا أرادت أحد أن تنذر نذرًا فيه صوم، تقول: لله عليه صيام أربعة أيام أو ثلاث أيام في رجب، يخص النذر في رجب، صيام في رجب. فهذا، إخواني في الله، دل على استفحال هذه المسألة، استفحالها، وعلى انتشارها، وعلى أن الناس يكنون لرجب الشيء العظيم من التقديس. وهذا ليس من دين الله سبحانه وتعالى، فصيام رجب، إخواني في الله، من الأمور المنكرة، من الأمور المبتدعة. ونحن ملزمون باتباع نبينا عليه الصلاة والسلام، فلم يثبت عن نبينا عليه الصلاة والسلام أنه حث أو ندب أو شجع على صيام رجب. بل أدل على خلاف ذلك. وما ينقله بعض الناس من ذكر بعض الأحاديث المروية في رجب، لم تثبت. يعني ذاك الحديث الذي يتداوله بعض الناس، يقول فيه نبينا صلى الله عليه وسلم، كما يروى عنه: أن من صام يومًا في رجب، سقاه الله من نهر في الجنة، يقال له رجب، ماءه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، من صام يومًا من رجب سقاه الله من ذاك النهر. هذا الحديث، قال عنه ابن الجوزي: باطل، وقال عنه الذهبي رحمه الله تعالى: باطل. فهذا لم يثبت أبدًا عن نبينا عليه الصلاة والسلام. فلم يثبت حديث واحد في فضل صيام رجب. بل سلفنا الصالح كانوا على خلاف ذلك. ذكر صاحب كتاب الباعث على إنكار البدع والحوادث: أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، كان ينهى أهله عن صيام رجب، كان ينهى أهله عن صيام رجب، إذا رآهم أرادوا أن يخصصوا أيامًا من رجب بالصيام، كان ينهاهم عن ذلك. إذا هذا، ليست كما يدعي بعض أنها أفكار هادية، وأنها جاءت من جراء هذا الدين الجديد، لا يا عبد الله. كان سلفنا الصالح على هذا الفعل، وما كان ذلك إلا من التربية المأخوذة من نبينا عليه الصلاة والسلام، واتباع الصادق لرسول الله. فما كان من هديه أنه يخصه أيامًا من رجب، فكان الصديق ينهى أهله عن صيام رجب. وجاء كذلك في مصنف ابن أبي شيبة، بإسناد صحيح، أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، كان يمر على الناس ويضرب على أكفهم، ويأمرهم أن يدخلوها في الجفان، أي في الأوعية والقدور، يضرب على أكف الناس، ويأمرهم أن يدخلوها في الجفان، ويقول: كلوا، ويقول: كلوا، إنما ذاك يوم تعظمه الجاهلية، إنما ذلك يوم يعظمه أهل الجاهلية. فكان يأمرهم ويلزمهم بالفطر، يأمرهم ويلزمهم بالفطر. وكما قلنا: روى ذلك ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وقد قال ابن القيم رحمه الله تعالى، كما في زاد المعاد: ولا صام رجب قط، ولا صام رجبًا قط، ولا أمر بصيامه، هذا من؟ ابن القيم يحكي عن نبينا عليه الصلاة والسلام. ولا صام رجبًا، ولا أمر بصيامه، لا أنه صام بنفسه، ولا أنه أمر غيره بصيامه. فلم يكن هذا على هدي نبينا عليه الصلاة والسلام، وما كان ذلك من سلوكه. فليس يا صيام رجب، إخواني في الله، من الأعمال المشروعة، بل بالعكس، بل إن ذلك من خصال أهل الجاهلية. ولا تظنون كذلك أن هذا مذهب الوهابية، أو أن هذا مذهب الحنابلة خاصة، بل هذا مذهب العلماء. النووي رحمه الله تعالى، ومن ينازع النووي في انتمائه للمذهب الشافعي، يقول رحمه الله تعالى: ولم يثبت في صوم رجب نهي ولا ندب بعينه، ليس هناك نهي صحيح، الأحاديث المروية نهي عن صيام رجب، ما صح منها شيء. والأحاديث المروية في مدح صيام رجب لم يثبت فيها شيء. إذن رجب كسائر الأيام. فقال ابن النووي رحمه الله تعالى: لم يثبت فيه نهي ولا ندب بعينه، أي هناك شيء خاص برجب، ليس عندنا دليل، لا في النهي عن صيامه، ولا في الندب لصيامه. إذن رجب هو كسائر الأيام، كسائر الأيام تمضي عليك. فمن كان من طبيعته أن يصوم الاثنين والخميس، فليقبل على صيامه المعتاد، لأن هذا ليس خاصًا برجب. لكن كونك تُقبل على هذا الشهر بصيام خاص، فإن ذلك يا عبد الله من الإحداث في دين الله جل وعلا. وأختم هذا المقال، إخواني في الله، بعبارة ذكرها الشوكاني رحمه الله تعالى في كتابه الفوائد المجموعة، وهو يذكر أقوال العلماء في هذه المسألة. فقال رحمه الله تعالى: قال علي بن إبراهيم: إنما روى في فضل صيام رجب، فكله موضوع وضعيف، ولا أصل له. وكان عبد الله الأنصاري لا يصوم رجبًا، وينهى عنه، ويقول: لم يصح عن نبينا في ذلك شيء. ويقول: لم يصح عن نبينا صلى الله عليه وسلم في ذلك شيء. إذن هذا، إخواني في الله، خلاصة هذه المسألة فيما يتعلق بصيام رجب. وإلا هذه المسألة، وهذه الشعيرة، هي واحدة من عدة شعائر يؤدونها الناس في رجب. هناك من يعتقد القدسية والأفضلية، وهذا خلاف السنة. ومنهم من يعتقد مشروعية الصلاة، وهذا يأتي الله في مقام آخر، نذكر الصلاة، بعض البدع التي يحرص على أدائها الناس في رجب. ومنهم من يختص رجب بالذبيحة، تسمى بالرجبية. ومنهم من كذلك يتعمد في إخراج الزكاة في رجب. وكل ذلك قد صرح العلماء قديمًا وحديثًا أن ذلك من المخالفات، وعلى رأسها ما سمعتم: تخصيص رجب بالصيام. كل ذلك من إحداث في دين الله سبحانه وتعالى. فيا عبد الله، فالسلام كل السلام هو الاتباع لما جاء عن نبينا عليه الصلاة والسلام. إن منع عنك رجب، فقد فتح لك ربنا جل وعلا أبوابًا وأشهرًا وأيامًا أخرى، على لسان نبينا، في شهر محرم، وفي شهر شعبان، وفضل يوم الاثنين والخميس، وثلاثة أيام من كل شهر. ما ضيق الله عليك، إن كان عندك نية وعندك قدرة وعندك حماس على التعبد لله جل وعلا، فما ضيق الله عليك، لك أيام، ولك سعة في أيام أخرى. أما أنك يا عبد الله، بشعور أو لا شعور، أنك تتعبد الله ببدعة، فإن ذا، إخواني في الله، كما قلنا، من أعظم الأمور التي تبعدك عن الله جل وعلا. فإن محبة الله تتنزل على العبد على قدر التزامه بنبينا عليه الصلاة والسلام، بالسنة الفعلية والسنة التركية، بأن تفعل ما فعله نبينا، وأن تترك ما تركه نبينا صلى الله عليه وسلم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.