شرح مسائل الجاهلية  101

شرح مسائل الجاهلية 101

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 101، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

التعيير بعيوب الغير وصفات أهل الجاهلية

يتناول شرح حديث نبوي يذم التعيير بعيوب الغير ويبين أنه من صفات أهل الجاهلية. يشير إلى أن التعيير بأصول الناس أو نسبهم مذموم.

التعصب القومي والتحذير منه

يتحدث عن ظاهرة التعصب القومي والتعيير بالوطن والقبيلة ويحذر منها. يشير إلى أن الإنسان يُقاس بعمله وتقواه لا بوطنه أو قبيلته.

معنى الجاهلية والفرق بين الصفة والوصف الكامل

يشرح معنى الجاهلية ويوضح الفرق بين وصف شخص بوجود صفة جاهلية فيه وبين كونه جاهليًا بالكامل. يشير إلى أن الجاهلية قائمة على عدم العلم أو عدم العمل بالعلم.

الدعاء والصلاة على النبي

يتضمن دعاءً بأن ينفع الله السامعين ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الخامسة والتسعون، تعيير الرجل بما في غيره، فقال: أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، متفق عليه. هذه الخصلة، إخواني في الله، قد جاء مثيلاتها فيما سبق من مسائل المؤلف رحمه الله تعالى، وهنا خص المسألة بهذا اللفظ، فقال: تعيير الرجل بما في غيره، فقال: أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية، أي أن التعيير هذا من خصال أهل الجاهلية. وأورد المؤلف رحمه الله تعالى دلالة على هذه الخصلة ما جاء في الصحيح فيما وقع لأبي ذر رضي الله تعالى عنه، وهو من خيار الصحابة، أنه تساب مع رجل آخر، هو أيضًا من الأفاضل، جاء في بعض رواياته الصحيح أنه بلال الحبشي رضي الله تعالى عنه، أرضاه، وقع بينهما ما يقع بين الناس، فتسابا إلى أن أبو ذر رضي الله تعالى عنه عير -على الرواية- عير بلالًا بأمه، فجاء مصرحًا أنه قاله: يا ابن السوداء، يا ابن السوداء، فبلغ ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال: أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية. فهذا العبارة من نبينا صلواته ربي والسلام عليك، توبيخ وتقريع لمثل هذه العبارات التي ما ينبغي أن تقال في أهل الإسلام. وهذا الحديث، إخواني في الله، وهذه الفقرة بشكل عام، اجتمعت على عدة مسائل. الأولى أن نعلم أن قوله عليه الصلاة والسلام: إنك امرؤ فيك جاهلية، أن هذا مما يشعر بالذم، والقاعدة عند العلماء أن ما ينسب للجاهلية يعد من الصفات المذمومة، هذا في الحكم الأغلبي، فتبرج الجاهلية للذم، صفات الجاهلية للذم، أخلاق الجاهلية للذم، إنك امرؤ فيك جاهلية، أن ذلك للذم، أن هذه الأشياء مذمومة، أنها مذمومة. وأيضًا في هذه المسألة، إخواني في الله، زيادة على الذم، أن من صفات أهل الجاهلية مسألة التعيير، مسألة التعيير، كونك تعير فلانًا وفلانًا، سواء كان التعيير لأصله أو لنسبه أو كذلك لخصلة فيه، أن مسألة التعيير، إخواني في الله، هي من صفات أهل الجاهلية. ولهذا لما صدرت هذه الخصلة من بعض الصحابة، صرح نبينا أن ذلك من خصال أهل الجاهلية، فقال: إنك امرؤ فيك جاهلية. ويؤيد هذا المعنى كذلك ما مر معنا قريبًا من حديث أبي مالك الأشعري: أربع في أمتي من صفات أهل الجاهلية، وذكر منها عليه الصلاة والسلام: الطعن في الأنساب، فإن التعيير صورة من صور الطعن، التعيير صورة من صور الطعن، أنك تعير وهذا، يا إخواني في الله، كذلك. بل جاء مصرحًا أن الناس لا يتركونها، وهذا موجود، تجد أن شخصًا يعير شخصًا، يعيره إما بنسبه إذا كان من آل فلان أو من أسرة فلان أو الأسرة الفلانية غير معروفة برفيع نسبها، فإذا به ينتقص هذا الرجل بأمر ليس فيه وإنما في غيره، في قبيلته، اذهب أنت من آل فلان لا تساوي شيئًا، يعيره بقبيلته، يعيره بعشيرته. حتى أدخل العلماء من ذلكم التعيير بالوطن، التعيير بالبلدان، وهذا قد ظهر وفشى، وخاصة ونحن في هذه الأزمان المتأخرة، مع ظهور تلكم الصيحات التي تنادي بالقوميات، بالقوميات، فأفرزت هذه الظاهرة التعصب للأراضي والتعصب للأوطان والتعصب للبلدان، فأصبح كل واحد يفتخر ببلده، بالمقابل أنه يطعن في بلد الآخر: من وين فلان؟ والله من بلدة فلانية، الله المستعان، أنت فلان، الله حوله ولا قوة إلا بالله. بل أصبحت عندنا الآن، أصبحت النكت، النكت، النكت الموجودة، ذاك يأتي بالنكت على أهل الهند، وذاك على أهل السند، وذاك على العرب، وذاك على العجم، هذا كله تعيير، يعني وما دخل البلدان أو الأوطان في تعيير فلان بها؟ وهل الإنسان قوامه ببطنه وبلده أم بعمله وتقواه؟ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: إن الله أذهب عنكم عبية الجاهلية، في الضمير وبالكسر، عبية الجاهلية أو عبية الجاهلية، فالتعصب والفخر بما كان عليه أهل الجاهلية، التفاخر الذي يقابله الطعن والغمز والقدح في أعراض الناس وفي أنساب الناس وفي أصول الناس، هذا مما كان عليه أهل الجاهلية، فاحذر يا عبد الله أن تبتلى بهذه الخصلة، سواء شعرت بهذا أو لم تشعر، فإياك أن تعير أحدًا بأمر وليس له فيه دخل، تعير بأهله أو بنسبه أو بأسرته أو بقبيلته أو ببلده أو بوطنه. كذلك في هذا المسألة، إخواني في الله، في قول تعالى: إنك امرؤ فيك جاهلية، قالها نبينا صلى الله عليه وسلم في حق أبي ذر، ومن أبو ذر؟ من خيار الصحابة، العابد الزاهد، رضي الله تعالى عنه، أرضاه، جاءت في حقه المناقب، جاءت في حقه الفضائل، ومع ذلك صدر ذلك منه. ومن هنا قال العلماء: أن الفاضل وأن الصالح لربما مع فضله وصلاحه تصدر منه بعض الأخطاء، تصدر منه بعض الزلات، فالإنسان مهما كان هو بشر، ليس معصوم، ليس بملك، ليس بنبي، ليس برسول، بل هو بشر معرض للخطأ والإصابة وللزلل وللوهن، يقع هذا، هذا طبيعة البشرية. بل قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عندما تكلم عن الأولياء: وليس من شرط الولي أن لا يخطئ، هذا ليس شرط، ليس من شرط الولي أن لا يخطئ، يعني ولي من أولياء الله ممن يغضب الله جل وعلى غضبه، هذا الشريك صافي مئة بالمئة، لا تطمع بهذا، وهكذا قل: لا تطمع يا عبد الله أن تكون عندك زوجة أو كذلك المرأة أن يكون عندها زوج، أن يكون كذلك خالص صافي مئة بالمئة، الزلات والأخطاء موجودة، موجودة، لا، العبرة بكثرتها، العبرة بالتوبة منها. ولهذا، إخواني في الله، استفاد العلماء من هذا الحديث أن الفاضل مع فضله قد تقع منه زلة، فلا تجعل وقوع الزلات والهنات، يا عبد الله، وسيلة للإطاحة، وسيلة للحط، كما نفعل في هذا الأزمان، أو ما نسمعه عن بعض الناس، لربما إذا استطاع أن يتحصل على زلة وقع فيها عالم، يا للعلماء، إذ بهذه الزلة يلوح بها يمنة ويسرى، ويسعى من خلالها إلى إسقاط ذاك العالم، انظر هذا العالم، فكك منه، لا تبالي به، الله المستعان، أفتى بفته، ولو أفتى أخطأ بها. كم من عالم أفتى وأخطأ؟ وهذا من طبيعة البشر، فينبغي، إخواني في الله، أن الشخص يستفيد مثل هذه المسائل العظيمة، وأنك يا عبد الله لا تطمع بمعصوم، فإذا كان الأخيار، إذا كان الأصحاب، وإذا كان الأولياء يصدر منهم الخطأ، فإن ذلك يجعلك تصبر نفسك وتستعين وتعرف كيف تعاشر الآخرين. كذلك، يا عبد الله، يقول علماء، كما نبى على ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: أن وجود خصلة من خصال أهل الجاهلية في شخص ما، أن ذلك لا يبرر لك أن ترميه بالكفر، بل ولا أن ترميه بالفسق، وجود خصلة من خصال الجاهلية في شخص ما لا يبرر لك ذلك، لك يا عبد الله، أن ترميه بالكفر أو أن ترميه بالفسق. وكذلك، يا عبد الله، يقول علماء: أن الجاهل، وهي أصل المسألة، كيف يطلق على فلان أنه فيه جاهلية أو ما معنى الجاهلية؟ وبهذا استفاد العلماء أن ينبغي أن نعلم ما معنى الجاهلية، يقول علماء: الجاهلية ما إنما أطلقت على ما قبل البعثة لأنها على أمرين اثنين، لأنها قائمة على عدم العلم أو قائمة على عدم العمل بالعلم، هذا جهل، وهذا جهل. فالذي لا يعلم جاهل، والذي لا يعمل بعلمه فهو كذلك جاهل، وهنا تعلم معنى الجاهلية، وقد جاء ذلك، كيف يطلق عليه الصلاة والسلام: إذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فمن صور الجاهل الكلام البذيء، لماذا الكلام البذيء يسمى جهلًا؟ لأن الصائم في خلال صيامه يترفع عن الألفاظ البذيئة، لأنك صائم، فكونك صائم وتأتي بألفاظ بذيئة، فهذا عمل منك بما لا يليق بالعلم. ولهذا سمي هذا الفعل جهلًا، فعل هذا جهل، وهكذا إذا رأيت رجلًا لا يعلم فهو جاهل، أو أنه يعلم لكن ما عمل بعلمه فهو كذلك جاهل. وهكذا، إخواني في الله، فيه فائدة أن مثل هذه المسألة: إنك امرؤ فيك جاهلية، لا ينبغي أن تغير العبارة بقولك: إنك جاهلي، فرق بين قولك لشخص ما: إنك امرؤ فيك جاهلية، وبين قولك: إنك جاهلي، هذه عبارة وتلك عبارة، والفرق بينهما كما بين السماء والأرض. لأن قولك لرجل من الناس: إنك جاهلي، تجد أن هذه اللفظة منك إنما جاءت وصفًا لحال الشخص بأنه شخص جاهلي، لكن لما تقول: إنك امرؤ فيك جاهلية، إنما هذا ينطلق على صفة قد وقع فيها، وليس أنه كحاله جاهلي. ولهذا تأنى يا عبد الله في العبارات، ودقق في الألفاظ، فبعض الناس لربما إذا وجد رجل مثلًا وقع في بعض صفات الجاهلية، مثل كأن يفتخر في نسبه أو أنه يفتخر بحسبه أو أنه يستسق بالنجوم أو أنه يطعن في الأنساب، يقول: يروح أنت جاهلي، لا تقول، أخي، أنه مستأنس بهذا الحديث، لا، لا تقول جاهلي، فرق بين قولك: إنك جاهلي. لأن قولك: إنك جاهلي، لا يستلزم من وجود صفة من صفات الجاهلية في شخص ما أن تجعله في عداد الجاهليين، لا يستلزم هذا، ولا يتطلب ذلك، ليس من شرط وجود صفة من صفات الجاهلية في شخص ما يستلزم منه أن يكون هو جاهليًا، ففرق بينه، لهذا ما قال نبي أبي ذر: إنك جاهلي، قال: لا، إنك امرؤ فيك جاهلية، أي فيك شيء من صفات أهل الجاهلية، وفرق، الإخوان في الله، بين هذا وبين ذاك. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ولسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.