شرح مسائل الجاهلية  133

شرح مسائل الجاهلية 133

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 133، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مفهوم الطاغوت وخصال أهل الجاهلية

يشرح المقطع مفهوم الطاغوت وخصال أهل الجاهلية، ويبين أن الإيمان ليس مجرد كلمات بل لا بد من برهان عملي. الطاغوت يشمل كل من تجاوز حده من معبود أو متبوع أو مطاع.

تفسير الآية الكريمة ومعنى الطاغوت

يتناول المقطع تفسير الآية الكريمة التي تناقش مسألة النفاق والإيمان، ويشير إلى أن من يزعمون الإيمان ولكن يريدون التحاكم إلى الطاغوت لا يعتبرون مؤمنين حقًا.

صور الكفر بالطاغوت ودلالته

الكفر بالطاغوت يكون بثلاث صور: بالقلب، وباللسان، وباليد لمن لديه القدرة، وتعبر عن الرفض التام للأحكام المخالفة لشرع الله.

خاتمة الدرس والدعاء

المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والتحاكم إلى الطاغوت. وهذه الفقرة، إخواني في الله، بكرها المؤلف رحمه الله تعالى ضمن مجموعة من المؤاخذات التي ابتلي بها أهل الجاهلية، وقد سردها لنا المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الفقرة الأخيرة، فقال: العيافة والطرق والطيرة والكهانة والتحاكم إلى الطاغوت. فكانت هذه خصلة من خصال أهل الجاهلية أنهم يتحاكمون إلى الطواغيت. وقد مر معنا في دروس خلت قريبة ما يتعلق بأمر الطاغوت، وما يتعلق بتعريفه، وأن الطاغوت على وزن فعلوت، وهو من صيغ المبالغة، مأخوذ من الطغيان، مأخوذ من الطغيان، وأنه لما طغى الماء حملناكم في الجارية، طغى الماء، أي أن الماء زاد عن حده. ثم ذكرنا كذلك في تلك الدروس ما يتعلق بتعريف السلف، وأن السلف رحمه الله تعالى ذكروا بعض الأعيان التي تطلق عليها أو يطلق عليها لفظ الطاغوت. فمنهم من قال بأنه الإبليس، ومنهم من قال: وكل ما عبد من دون الله، ومنهم من قال بأنه الساحر، ومنهم من قال بأنه الكاهن. وهذه التفاسير ليس بينها اختلافات، إنما كل ذكر بعض المعنى، وهناك تعريف جامع، وهذا الذي عليه الكثير من العلماء في تعريف الطاغوت، ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى بأن الطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده، من متبوع أو معبود أو مطاع. فالعبد له وزنه ولو كذلك قدره الذي ينبغي أن يمشي عليه، فهو عبد لله سبحانه وتعالى، فإذا رأينا أن أحدًا من عباد الله تجاوز مقام العبودية، تجاوز مقام العبودية والدعم مقاما، وليس له، فيقال: هذا العبد قد تجاوز حده، فهذا يدخله في حيز الطاغوتية. إذا رأينا أن أحدًا من عباد الله تجاوز حده، حد العبودية لله، الانصياع، الانقياد لشرع الله سبحانه وتعالى. وبهذا يعلم أن الطواغيث ثلاثة، على تعريف القيم رحمه الله تعالى، منها الطواغيث في العبادة، ومنها طواغيث في الاتباع، ومنهم طواغيث في المتابعة. أما الطواغيث في العبادة، وفي قوله ابن القيم رحمه الله تعالى: وكل ما تجاوز به العبد حده من معبود، فإذا رأينا أن أحدًا من العباد يصف نفسه أنه معبود من دون الله، وأنه له أن يعبد من دون الله سبحانه وتعالى، فهذا يدخل في الطاغوت، مثل إبليس، وكذلك كل من عُبد وهو راض، أو كل من دع الناس إلى عبادته، فبهذا الحيز تدخل عدة تعاريف مما جاء ذكرها عن سلفنا الصالح. فهذا طاغوت في باب العبادة، هو عبد، فإذا به يريد أن يكون معبودًا من دون الله، أراد أن يعبد من دون الله، كما قلنا كالأصنام، وكالشياطين، وكل من عُبد من دون الله، وكل من دع الناس إلى عبادة نفسه. والصورة الثانية، أو الفقرة الثانية، ومن الصور الطاغوتية ما يكون طاغوتًا في ماذا؟ كما قال العلماء: في الاتباع، ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع. متبوع، أدخل علماء في ذلك ما يكون من أمر العلماء، ومن أمر الكهان، فهؤلاء يتبعون، هم قدوة عند الناس، لكن إذا كان هؤلاء، وهذا الأصل أن العالم، وأن العابد، إنما الناس يتبعونه إذا كانوا هم تبع لشرع الله عز وجل. لكن إذا رأى هذا العالم، وهذا لا يكون إلا عند العلماء السوء، إذا رأى أنه من حقه أن يتبع في غير طاعة الله، أو في غير ما أمر الله سبحانه وتعالى، كما كان يفعل ذلك في عهد اليهود والنصارى من الأحبار والرهبان والقسيسين الذين لهم محل قدوة عند الناس، فإذا بهم يغيرون ويبدلون، فأصبحوا الناس يتبعونهم على ما بدلوا. فهؤلاء إذا رأوا أنفسهم أنهم محل للاتباع في غير شرع الله، فهؤلاء دخلوا في حيز الطاغوت. وكذلك الأمر الثالث، الصورة الثالثة الطاغوتية، ما يكون في أمر الطاعة، وهذا يكون عند الأمراء، وعند الملوك، وعند الرؤساء، وعند الوجهاء، ممن يلزم الناس بطاعته في غير طاعة الله، كأن يحرم عليهم الحلال، أو يحلل عليهم الحرام، فيتبعونه الناس. ففعلهم هذا، أنهم تحليل الحرام، أو تحريم الحلال، أو تغيير شرع الله عز وجل، ويرى أن هذا من صلاحياتهم، فإنهم كذلك دخلوا في حيز الطاغوت. إذن كل ما تجاوز به العبد حدًا، من معبود أو متبوع أو مطاع. وهنا قال مؤلف رحمه الله تعالى: والتحاكم إلى الطاغوت. نعم، كان أهل الجاهلية من تعظيمهم وتقديسهم لأمر الطاغوت أنهم كانوا يتحاكمون إليه. وقد بين ربنا جل وعلا تلكم الخصلة، قال جل في علاه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾. ففي هذه الآية بيان ما كان عليه أهل الشقاق وأهل النفاق ممن هم الكفار، لكن في الباطن، أنهم عندهم هذه الخصلة. وتأمل في هذا اللفظ القرآني: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾، فما وصفهم ربنا جل وعلا بالإيمان، ما قال: ألم تر إلى الذين آمنوا، لا، ألم تر إلى الذين يزعمون، فعندهم زعم، فهم ليسوا صادقين في إيمانهم، بل إيمانهم كذب، إيمانهم كذب، لما كذبوا؟ مع أنهم يتلفظون بهذه الكلمة، لأن هذه الآية نزلت في أهل النفاق، وهم يتلفظون بلا إله إلا الله، ومع ذلك هذه الكلمات لم تعذرهم، لماذا؟ لأنهم وقعوا في هذا الناقض، لأنهم كذبوا في أيمانهم. فالإيمان عبد الله ليس عبارة عن ألفاظ تتلفظ بها باللسان، أو كلمات تلوكها بفمك، بل لا بد أن هذا الإيمان يصاحبه برهان عملي، يصاحبه برهان عملي، كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «لا ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل». وقر في القلب وصدقه العمل، العمل مؤشر الإيمان الذي وقر في قلبك. فإذا كان عملك مشينًا مخالفًا للإيمان الذي وقر في قلبك، فأنت في عداد أهل النفاق الذين لا ينفعهم إيمانهم. فقال ربنا جل في علاه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. وتأمل في لفظة: ﴿يُرِيدُونَ﴾، وهذا لفظ مهم، وهذا لفظ مهم، فهو شرط في نفي الإيمان، شرط في نفي الإيمان، أن هذا الصنف من الناس الذين هم كذب في إيمانهم، فهم ماذا فعلوا؟ أنهم عندهم إرادة، يريدون. والإرادة، إخواني في الله، هذا من الأمر القلبي الذي يدل على أن صاحبه مريد لهذا باختياره، طواعية، بل ربما هناك ما يدفعه لهذا، ومحب لهذا، ومعظم لهذا. فمن كان هذا أمره، فهذا الذي يدخل في الآية. أما من كان مضطرًا لذلك، أو أناس ما وجدوا إلا الذي عندهم في هذه البلاد من هذه الطواغيت، يعني يتحاكمون إليها، فأمره آخر. لكن صنف النفاق، أنه هو الذي يريد، يريد أن يتحاكم إلى الطاغوت. وقال علماء: أن هذه الآية: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، المراد هنا من أنواع الطواغيت، هو كل ما كان من حكم خلاف حكم الله ورسوله، هذا المراد هنا بالطاغوت. الطاغوت هنا، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، أن يتحاكموا إلى غير شرع الله سبحانه وتعالى. فكان أهل النفاق يتحاكمون إلى غير شرع الله، بل وليس ذلك من باب الاضطرار والالتجاء، لا، لكن من باب الاختيار. ويوضح ذلك ما جاء في سبب نزول هذه الآية. وإن كانت هذه الآية قد ذكر المفسرون لها عدة أسباب للنزول، لكن بعضها فيها ضعف. فمن تلك الروايات التي جاءت في سبب نزول هذه الآية، ما ذكره الشعبي رحمه الله تعالى عن رجلين، أحدهما كان من أهل النفاق، وآخر كان يهوديًا، فتخاصم، فعند التخاصم، إذ باليهودي يقول: نتحاكم إلى محمد عليه الصلاة والسلام. ولم اختار نبينا، قال الرواي: لعلمه أنه لا يأخذ الرشوة، هذا يهودي مستسلم للأمر الواقع، يعلم أنه إذا تحاكم إلى أصحابه هؤلاء سيبيع، بأي ثمن، لا يذهب إلى الصادق عليه الصلاة والسلام الذي لا يقبل الرشوة. فقال يهودي: نتخاصم إلى محمد، وبالمقابل قال المنافق: لا، بل نتخاصم إلى اليهود. لما قال: لعلمهم أنهم يأخذون الرشوة. فعندما تنازعوا تحاكموا إلى كاهن من جهينة، إلى كاهن من جهينة، عرضوا عليه قصتهم حتى يفصل بينهم، فأنزل ربنا جل وعلا هذه الآيات: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، أي إلى هذا الكاهن الذي سيحكم بغير شرع الله سبحانه وتعالى. لكن هذا الأثر، إخواني في الله، مرسل، هذا الأثر مرسل، لأنه من رواية الشعبي، والمرسل من قسم الضعيف. هناك سبب نزل آخر لهذه الآية، وهذا الذي اشتهر عند كثير من الناس، ما جاء في قضية رجلين، وهما قد أُبهما في الرواية، الله أعلم بحالهما، أن رجلين اختصما في أمر من الأمور، فقال أحدهما: نتخاصم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: بل نتخاصم إلى كعب من الأشرف، من رؤساء اليهود، نتخاصم إلى كعب من الأشرف. فحينها ما اتفق، لا إلى نبي، ولا إلى كعب، فاختار التخاصم إلى عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه. فلما دخل عليه، فإذا بأحدهما أخبر عمرًا بالقصة، أخبر عمرًا بالقصة، بأنهم تخاصموا، فهذا أراد إلى الكعب، وهذا أراد إلى الرسول، فأبى هذا وأبى هذا. فقال عمر، ونظر إلى الذي كل ما في أن يتخاصم إلى رسول الله، فأبى، قال: «أهكذا أنا؟ هكذا صار؟ أخبرت بأن تتخاصم إلى نبيك، ثم أبيت؟ أهكذا؟» قال: نعم. فإذا بعمر سل سيفه وقتله، سل سيفه وقتله. وهذه القصة، أو ثم نزلت هذه الآيات، وهذه القصة مع الشهرة عند كثير من الناس، حتى درجة أهل التفسير على ذكرها من أسباب النزول عند هذه الآية. لكن هذه الآية، ما صح هذا السبب، ما يصح هذا السبب، لأنه من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وهذا إسناد متهالك، إسناد تالف، الكلبي متهم بالكذب، وأبو صالح متروك، وزد على ذلك أن أبو صالح ما سمع من ابن عباس رضي الله تعالى عنه. فهذه علة كبيرة جدًا، ولهذا حكم من حكم من العلماء على هذا الحديث، وعلى هذا الأثر بأنه مكذوب، بأنه موضوع، بأنه مختلق، بأنه مختلق، لم يصح البتة، فلا يصح إيراده في هذا السبب. لكن بقي هناك سبب ثالث، وأثر ثالث يذكر في سبب نزول هذه الآية. وما رواه الطبراني رحمه الله تعالى من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه، على أن أبا بردة الأسلمي كان كاهنًا، أي في جاهليته كان كاهنًا، وكان اليهود يتنافرون إليه، معنى يتنافرون إليه: أي يتخاصمون إليه، لأنه كاهن، تأتيه الخصومات من اليهود. فأحيانًا كان يتنافر إليه أناس من المسلمين، كان يتنافر إليه أناس من المسلمين. الكاهن، كون اليهود يتخاصمون، هذا هو الأصل، لأنهم يتحاكمون إلى الطاغوت، إلى الكهنة، وإلى السحرة، وإلى العرافي، وإلى المشعوذين، هذا فيهم. لكن كون جماعة من أهل الإسلام، ممن وهبهم الله جل وعلا برسول الله، بالدين والشريعة والملة، ثم بعد ذلك يعزفون عنها، ويقبلون على هذا الكاهن لكي يحكم بينهم، فأنزل ربنا سبحانه وتعالى هذه الآيات: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾. وهذا الأثر هو للصحة أقرب. فقد قال الهيثمي رحمه الله تعالى في مجمع الزوائد، عندما ذكره، قال: «رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح». ورجاله رجال الصحيح. وأيضًا هكذا ابن حجر رحمه الله تعالى في الإصابة، قال: «وإسناده جيد». وإسناده جيد. فهذا يكون أقرب لأن يكون سببًا من أسباب النزول. فالحاصل أن هؤلاء كانوا يذهبون بطواعية، طواعية، وكلهم رغبة في أنهم يتحاكموا إلى غير شرع الله سبحانه وتعالى. إذن هذا كان عليه أهل الجاهلية، ومن شابههم، فحكمه حكمهم. ومن ثم في دعوة رسول الله عليه الصلاة والسلام، أمرنا بخلاف ذلك. إذا كان أهل الجاهلية عندهم إرادة إلى حكم الطاغوت، إرادة لحكم غير شرع الله عز وجل، أما ربنا، بأن نخالفهم، فقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، هذا هو الذي أمر به أهل الإسلام، هو الكفر بالطاغوت. إن كان أهل الجاهلية عندهم إرادة لحكم الطاغوت، فإن أهل الإسلام ينبغي أن يكون عندهم كفر للطاغوت. وذكر العلماء أن الكفر بالطاغوت يكون على صور ثلاثة. الكفر بالطاغوت يكون على صور ثلاثة، قد يكون ذلك بالقلب، ومعنى الكفر بالطاغوت بالقلب، أن يمتلئ القلب بغضًا وكراهة لمثل هذه الأحكام التي فيها تغيير لشرع الله سبحانه وتعالى. ما من مسلم ولا مسلمة إلا وينبغي ويجب عليه أن يكن في صدره الكره والبغض لهذه الشرائع التي فيها تغيير وتبديل شرع الله، وتنحي لدين الله سبحانه وتعالى، وأن يتمنى من صميم قلبه بأن تزول مثل هذه الأحكام الجائرة الموجودة هنا وهناك، وأن هذا الأمر، يا عبد الله، وهذا النوع من أنواع الكفر، ما ينبغي أن ينفك عن كل مسلم، حتى في حال الإكراه، حتى في حال الإكراه. ما ينبغي، لأن الإكراه، هذا، كم يقال: الاعتقاد، هذا أمر قلبي، وما أحد يستطيع أنه يضغط على قلبك. فهذا ينبغي أن يكون ملازمًا لك في كل أحوالك. والصورة الثانية من الكفر بالطاغوت، الذي يكون به الكفر به، أن يكون ذلك باللسان، أن يكون ذلك باللسان، أن تصارح، وأن تعلن أنك كاره لهذا، وأنك مبغض لهذا، وأن هذا من الأحكام الطاغوتية، وأن هذا مما لم يأذن به الله عز وجل، زيادة على ذلك التحذير منه. فهذا باللسان، وهذا يكون لمن استطاع، لذلك يكون لمن استطاع، ولا يخشى على نفسه فتنة، فله ذلك. وهذا الذي كان عليه الأنبياء، كما في قضية إبراهيم عليه السلام، عندما فاصل قومه، قال: «إني بريء مما تعبدون»، تبرأ منهم ومن عباداتهم. وهكذا في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، هذا كفر بالطاغوت، الكفر بالأصنام، الكفر بالشياطين، الكفر بكل من عبد من دون الله، وبكل شرع غير شرع الله عز وجل. فإنك تعلن باللسان، وهذا كما قلنا عند من استطاع. الصورة الثالثة من صور الكفر بالطاغوت، أن يكون ذلك باليد، وذلك بتغييره، وذلك بإزالته، وهذا يكون لمن كان عنده قدرة، لمن كان عنده قدرة على إزالة الكفر، كما فعل نبينا صلى الله عليه وسلم عندما أزال الأصنام بيده، كما جاء في الصحيحين، عندما دخل مكة، وكان حول الكعبة المئات من الأصنام، كان ينكتها بعود، ينكتها بعود عليه الصلاة والسلام، هذا من باب الكفر بالطاغوت، وذلك أن يزال باليد. طبعًا هذا متى كان لنبينا عند القدرة، والدليل على ذلك، لما كان في مكة، ولم تكن عنده قدرة، كان يصلي حول الكعبة، ويطوف حولها، والأصنام موجودة، ما استطاع أن يغير لعدم قدرته على ذلك. لكن لما جاءته القدرة، وكان معه من معه ممن يؤيده، لذلك وكان هو الذي له الولاية عليه الصلاة والسلام في ذلك، فكان الأمر أمره. فإذا هذه المنازل الثلاثة يكون بها الكفر بالطاغوت، بالقلب، وهذا الأصل، وهذا الفرض، وأن يكون كذلك باللسان، وذلك لمن استطاع، ثم تكون باليد، وهذا لمن كان عنده قدرة على ذلك. فالحاصل، إخواني في الله، قول المؤلف رحمه الله تعالى: والتحاكم إلى الطاغوت، كما قلنا، هذه خصلة من خصال أهل الجاهلية، ويدخل في الطاغوت هنا التحاكم إلى غير شرع الله عز وجل. وكم ابتليت الأمم في هذه الأزمان، وفي هذه الأعصاب، مثل هذه الشرائع الموجودة التي فيها تنحي لشرع الله عز وجل. ويكثر، وكثيرًا جدًا، منها ما يوجد على مستوى الدول، من تطبيق هذه القوانين الوضعية، فهي من الطواغيت، لأن فيها تنحي لشرع الله عز وجل، وتبديل وتغيير لدين الله سبحانه وتعالى. وأما التحاكم إليها، فما حكم فاعلها؟ فهذا ينظر، وتفصيل قد مر معنا في نواقض الإسلام من قبل، أن من تحاكم إليها، وهو يعتقد أنها أفضل، وأنها أحسن، وأنها مساوية لحكم الله، فهذا كافر، وهذا كافر. وأما من ظن أنها ليست كحكم الله، بل هي دون ذلك، وأنه لا يجوز التحاكم إليها، وإنما تحاكم لها من باب الشهوة والمعصية، فهذا عاص، فهذا عاص، من عصاة المسلمين. ويدخل في ذلك التحاكم إلى الأسلاف، والتحاكم إلى الأعراف. وهذه مشكلة معضية، لأن بعض الناس ربما يجعل ويجعل كلمة الطاغوت متعلقة بالحكم السياسي، لا، ليس كل حكم سياسي، اجعلها يا عبد الله قاعدة عامة في كل حكم بغير حكم الله، لا، فهذا الطاغوت، ولو كان في البوادي. تذهب إلى بعض الأنحاء في بعض القرى، هذه بعيدة عن العلم، تجد أن هناك الذي يحكمهم شرع غريب، الذي يزني يفعل به كذا، والذي يسرق يفعل به كذا، وتجد هذه الشرائع غير متصلة بكتاب الله، ولا بالسنة، وإنه آراء وأهواء تعارفوا عليها، فجعلوها قانونًا يسيرون عليه، هذا الطاغوت، ما يجوز أن يتحاكم به، بل ينبغي أن يغير، وينبغي أن يبدل. وهكذا، قس على ذلك، يا عبد الله، حتى في كل نظام، في كل نظام، عند بعض الأحزاب الدينية واللادينية، كذلك يجعلون لهم أنظمة وقوانين وأعرافًا، لو ربما تخالف شرع الله عز وجل، فهذا كذلك يدخل في حكم الطاغوت. وكم كان مشايخنا يطلقون على بعض الأحزاب، على بعض الأحزاب، بأن حزب طاغوتي، لما أنها طاغوتية، لأنها قننت أنظمة لمريديها، ولأتباعها. وتجد أن هذه الأنظمة واللوائح تخالف شرع الله عز وجل، إما تنحي لكتاب، لعلوم العقيدة والتوحيد، أو كذلك تمييع وتضييع لبعض شرائع الله، أو أشياء من الحرمات موجودة عند الناس، أصبحوا يحللون الغناء الإسلامي، الرقص الإسلامي، الربا الإسلامي، تغير، تغير كثير من الأنظمة، فهذا من التغيير، هذا طاغوت، لماذا؟ لأننا فيه تغيير لشرع الله سبحانه وتعالى. فينبغي أن نعلم أن هذا هو الضابط، الطاغوت هو كل حكم سوى حكم الله ورسوله، فينبغي أن يكون حكم الله هو المهيم على الناس، والناس يتحاكمون إليه. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.