شرح مسائل الجاهلية  16

شرح مسائل الجاهلية 16

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 16، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

خطأ الاعتماد على الكثرة في قياس الحق

يُبين خطأ قاعدة الاغترار بالأكثر في قياس صحة الشيء، وأن الحق يعرف بالدليل وليس بالعدد. يجب على المسلم أن يسعى لإصلاح نفسه وإصلاح غيره دون الالتفات إلى الكثرة أو القلة.

الغيرة على الدين وإصلاح المجتمع رغم القلة

يجب على المسلم أن يسعى لإصلاح المجتمع دون تهاون رغم قلة العدد، مسترشداً بسيرة النبي عليه الصلاة والسلام. عليه أن يصلح نفسه ويحاول إصلاح غيره دون أن تكون قلته عائقاً.

أهمية التراحم بين أهل السنة في زمن الغربة

يجب على أهل السنة في زمن القلة أن يتراحموا ويتعاونوا على البر والتقوى، ويتجنبوا الخصومات. كما يُشدد على أهمية الصفح والعفو بينهم لتحقيق التماسك.

صفات أهل الصفح والإحسان ومكانتهم

يُبين أن الصفح والإحسان يدلان على قوة الإيمان وتمسك صاحبه بالمنهج الصحيح. يُشترط في العفو وجود مخالفة من الطرف الآخر، ويُدعى بأن يجعل الله السامعين من أهل الخير.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فلازلنا أخواني في الله في المسألة الخامسة، وهي التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: إن من أكبر قواعدهم الاغترار بالأكثر، ويحتجون به على صحة الشيء، ويستدلون على بطلان شيء بغربته وقلة أهله، فأتاهم بضد ذلك، وأوضحوا في غير موضع من القرآن، وذكرنا أخواني في الله ما يتعلق بمسألة الكثرة والجمهرة التي من أجلها ظلت أمم وأقوام ومِلَل ونِحَل، أنهم اتكأوا على هذه القاعدة الباطلة، وهذه الدسيسة المميتة، جعلوا ميزان الحق إنما يعتد به على بكثرته، وأن الباطل يكون باطلاً لقلة أهله ولقلته. فجاءت الشريعة أخواني في الله مبينة خلاف ذلك، وأن الحق ليس عبرة بالعدد ولا بالكثرة ولا بالجمهرة ولا بالوفرة، وإنما الحق يعرف بالدليل وبالبرهان، وسواء من كان متمسكاً بهذا الحق كان على قلة أو كان على كثرة، فلا عبرة بعدده ولا بعدته. ثم ذكرنا أخواني في الله أن أعظم ما يستفاد من هذه الفقرة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، يستفاد منها أن الشخص لا يتكأ ولا يتكل على الكثرة، فليست معياراً، والأمر الثاني عدم الاغترار بقولنا، وهذه المسألة الثانية إنما تكون في حق من جمعت له الجموع وحشدت له الحشود، فلا يتكأ عليها ويغتر بها، ويرى أن ذلك مجزيه عند الله جل وعلا. ثم ذكرنا الأدلة الشرعية الدالة على بطلان هذا الأمر، وأن هذا الفعل مما يذم عليه صاحبه، فلا تغتر يا عبد الله بالكثرة، فإن جاءت لك الوفود، وإن جاء الناس والأتباع من كل حدب وصوب، فلا تغتر بها على الله سبحانه وتعالى، بل ينبغي كذلك أن تتق الله فيمن تحتك، وأنك تدلهم على الحق الذي أراده الله سبحانه وتعالى. ومما يضاف إخواني في الله إلى ذلك من الفوائد المتعلقة بهذه الفقرة، أن القلة ليست عاراً وليست شناراً وليست بمذمة، القلة ليست مذمة، فما داعي يا عبد الله أنك تطأطئ برأسك متى ما كنت في زمن أو كنت في بلد وأنت فيها مستضعف؟ ارفع رأسك يا عبد الله، واعلم أن الله ناصرك، وأن الله مؤيدك متى ما كنت مستمسكاً بحبل الله، ولو كنت وحيداً ولو كنت فريداً. فالقلة ليست دليلاً على خطأ المسلك الذي أنت تسلكه، لأن بعض الناس كما قلنا يرى أن الغاية أنه يبحث عن الأعداد، لماذا الأعداد؟ لأنه يرى إذا بقي لوحده أن هذه سمعة في حقه، وأن هذا فيه استحكام الباطل، بل فيه دلالة على بطلان سيره الذي يسير عليه، وهذا خطأ يا عبد الله، بل القلة في نفسها وفي حد ذاتها ليست بعار ولا بشنار. ومن تأمل في الأحاديث السابقة والآيات الماضية يعرف كيف أن الله جل وعلا مدح أهل القلة، ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾، وأيضاً أحاديث السنة متوفرة ووافرة في هذا الباب، دالة بالنص الصريح الواضح البين على أن خيرة الناس منهم على الحقيقة في قلة في مجتمعاتهم. من ذلك مر معنا حديث ابن عباس قال عليه الصلاة والسلام: «عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّهْطُ، وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيَّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ»، فهل في هذا منقصة في حق هذا النبي الذي أيده الله بالآيات والكرامات والمعجزات؟ ثم يأتي ولا تابع له، ليس عنده تابع، ما عنده رصيد من الأتباع، ما عنده أحد، فهذا ليس فيه مذمة، لأن الله ما كلفه بأن يأتي بالأتباع، إنما ربنا كلف الأنبياء وأتباع الأنبياء أنه يبلغ دين الله، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فعليها. أما أنك يا عبد الله تضر نفسك وتضر دعوتك بحيث تغير وتبدل في شرع الله، وتتنازل عن دين الله بحجة أنك تجمع الناس وتخرج من مقياس القلة، لا يا عبد الله، فالقلة ليست في حد ذاتها عاراً ولا شناراً. والمسلم يستأنس بما جاء في مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ، فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»، ممدحة ممدحة لأهل الغربة ممن يأتي في آخر الزمان. الإسلام بدأ غريباً، تذكر يا عبد الله كيف كان الإسلام عند نشوئه؟ لا أحد، لا أحد في الجزيرة إلا من كان لنبينا، ومن كان من أتباعه، وهم كانوا على قلة وعلى استضعاف، فهكذا بدأ الإسلام، ثم ظهر وانتشر، ثم سيعود غريباً كما بدأ، فإذا عاد الإسلام - ولعل هذه الأزمان التي نحن فيها هي أزمان الغربة - إذا راجعت غربة الإسلام، فهل في هذا مذمة في حقنا؟ لا. قال عليه الصلاة والسلام: «فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ»، طوبى للغرباء، وجاء في خارج الصحيح في مسند إمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه أن نبينا عليه الصلاة والسلام لما مدح الغرباء قيل له: يا رسول الله، ومن الغرباء؟ قال: «أُنَاسٌ صَالِحُونَ قَلِيلٌ، أُنَاسٌ صَالِحُونَ قَلِيلٌ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ، مَنْ يَعْصِيهِمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يُطِيعُهُمْ»، فتأمل يا عبد الله إلى ذلك الوصف الذي وصف به نبينا أهل الغربة، أنهم أناس على صلاح، وهذا الصلاح أيضاً محفوظ بالقلة، فهو أهل الغربة، ومع ذلك طوبى لهم، طوبى لهم. فاعلم يا عبد الله أن القلة ليست مذمة، وأما ما نرى من حال الناس، وخاصة ممن يريد أن يخدم دين الله جل وعلا، لكن تعشعشت في ذهنه الفكرة التي كانت عند أهل الجاهلية، فتسربت إلى ذهنه، فيجعل المقياس في العدد، رأى نفسه إن كان على قلة فهذا دليل على بطلان دعوته، والخروج من ذلك أن يبحث عن الكثرة. فتجد من الناس من يجمع الحشود بغض النظر عن عقائدهم، بغض النظر عن انحرافاتهم، أو أحد الناس لو ربما يركب أي موجة، يركب أي موجة يجد نفسه في مجتمع، وأنه على خلاف المجتمع أو ما يسمى على خلاف التيار، التيار المجتمع هو في هذا الجهة، وهو يسير في هذا الجهة، فلا يحب أن يتصادم مع الناس، فماذا يفعل؟ فيركب الموجة، ينظر ما هي الموجة الكبيرة، يركبها. إن كانت الموجة موجة العامة، وما يريده الآراء الشعبية، صعد معها وارتقى وتكلم بلسان الشعب، وإن رأى أن التيار مع العلمانيين ومن لا دينية لهم، ربما ركب وصعد حتى سمعنا من سمعنا من كما دخل في سلك العلمنة والديمقراطية حتى يماشي هذا التيار، وإن رأى أن الموجة الآن مع أهل البدع، لربما اندس معهم، وأتى بما ينبئ عن بعض أفعالهم حتى يسير مع هؤلاء، لماذا؟ كل ذلك أَسْأَلُ أن يخرج من القلة، لماذا؟ لأنه قد تربى على أن القلة مذمة، لا يا عبد الله، القلة ليست مذمة. ابقَ يا عبد الله إن كنت على الحق فاثبت، إن كنت على الحق يا عبد الله فاثبت، فإن الله ينصره، وليس معنى القلة أنك تجعل لك قروناً، وفي كل يوم تناطح المجتمع، هذا ليس بلازم عند الشريعة، وإن كانت حرمت المداهنة، فهناك المدارة، هناك المدارة الشرعية، فيمكن أن تعيش مع المجتمع، وإن كنت تخالفهم في أشياء، لكن يمكن أنك تسايسهم بالسياسة الشرعية، والتي ليس فيها تضييع للدين أو تمييع لشريعة الله سبحانه وتعالى. فأظن إخواني في الله أن مما يستفاد في هذه المسألة أن نعتبر أن القلة ليست فيها مذمة، وليس فيها منقصة في حقك يا عبد الله، الفائدة الثانية تستفاد من هذا الحديث على القول بأن القلة ليست بعار، وأن القلة مما قد تكون في صفة أهل الصلاح، لكن القلة كذلك يا عبد الله لا تستدعي منك التواني والتكاسل والتخاذل في المسارعة للطاعات، بل إلى خدمة دين الله جل وعلا. لو ربما نجد أن من الناس من لربما يربي نفسه على أنه لابد أن يعيش على دين الله سواء كان على كثرة أو على قلة، أنه يرضى بحكم الله، يرى نفسه أنه غريب في هذا المجتمع، فيعيش في غربته، لكن يعيش في هذه الغربة وليست له آثار، آثار أو سعي في خدمة دين الله جل وعلا، ييأس من المجتمع، فيقول كلسان حاله: «الْحَمْدُ لِلَّهِ أَنْ أَنْقَذَنِي مِنْ هَذِهِ الْكَثْرَةِ الْمُتَكَاثِرَةِ الْمُتَهَالِكَةِ»، الحمد لله أن جعلني من أهل الصلاة، من أهل المساجد، الحمد لله وفقني في سلوك درب المساجد، وأصبحته من الأخيار والأبرار الذين يعلمون حق الله، الحمد لله ليل نهار على هذا السلوك، يحمد الله ليل نهار على أن الله أصلح نفسه فقط. لكن إذا طلب منه بأنه يقوم بما هو أبعد من ذلك، أن يصلح هذا المجتمع الذي كثر فيه الفساد والرذيلة، لربما تخاذل، يقول: إلى أين يا عبد الله نصلح؟ من نصلح؟ من الذي نصلحه؟ من الذي نتركه؟ انظر للفساد الذي قد طم وعم في المجتمعات، من أين نبدأ؟ ومن أين ستنتهي؟ لربما تذهب أعمارنا، وتذهب أعمارنا، وما أصلحنا شيء من هذا المجتمع الضال الذي قد كثرت فيه المهالك والمفاسد. فتجد من بعض الناس من لربما يكون من أهل الغربة، إلا أن فيه نوعاً من الخذلان والتكاسل في السعي في إصلاح الناس وإصلاح المجتمع، يا عبد الله اعلم - رعاك الله - أنك ولو كنت على قلة، فلا تجعل القلة أو الغربة ذريعة لك في أنك تبتعد عن إصلاح الناس. قال نبينا عليه الصلاة والسلام - وحديث في صحيح مسلم - لما سئل عن الغرباء، قال: «هُمْ أُنَاسٌ صَالِحُونَ قَلِيلٌ فِي أُنَاسِ سُوءٍ كَثِيرٍ»، وفي لفظة: «الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ»، وفي لفظة: «الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ»، يصلحون، الرواية الأولى أي أنه يصلح نفسه عند فساد الأمة، هذا على خير، يخرج من هذه الكثرة المتهالكة، ويوفق إلى درب الهدى والتقى، فيصلح نفسه. وفي لفظة أخرى قال: «الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ»، لا يكتفي بإصلاح نفسه، وإنما كذلك يقوم على نفسه، ثم يصلح غيره، يصلح المجتمع، من كان من قرابته، من كان من أرحامه، من كان من أهل بلدته، من كان في مجتمعه، يصلح، يصلح الذي أفسده الناس، ومن الذي أفسده الناس؟ أفسد الكثير. ولهذا ابن رجب رحمه الله تعالى عندما قسم الغرباء قسمهم على قسمين، قال: قسم من أصلح نفسه، وقسم ثاني هو الذي أصلح غيره، وقال: وهذه أعلى الطبقات، أعلى الطبقات يا عبد الله أنك بعد إصلاح نفسك أنك تصلح غيرك، ولو كنت على غربة، ولو كنت على قلة، فهذه من أعظم أنواع الغربة. ونبينا عليه الصلاة والسلام في غربته ما توانى من الدعوة إلى الله جل وعلا، ثبت في صحيح مسلم من حديث عمر بن عبسة الطويل، عندما قدم عمر بن عبسة، ويسأل نبينا عن الإسلام: من أنت؟ قال: أنا نبي، قال: وما نبي؟ حوار طويل يقوم عمر، وقبل إسلامه يتحرى عن أمر الدين، ويسأل عن ما هي الرسالة؟ عن ديانته؟ قال: ومن أنت؟ قال: وما بعثك الله؟ بعثك الله، فقال له نبينا: «بَعَثَنِي اللَّهُ إِلَى كَسْرِ الْأَصْنَامِ وَإِلَى صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَأَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَحْدَهُ»، دعوة عظيمة أتى بها نبينا عليه الصلاة والسلام. فقال عمر في هذا الحوار سؤالاً لعله يعتبر حساساً في هذه الأزمان، قال: ومن معك؟ ومن معك على هذا الدين؟ دين عظيم تدعو إليه، من معك؟ من معك؟ قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «مَعِيَ عَبْدٌ وَحُرٌّ»، غربة وقلة، ومع ذلك ما توانى النبي، ما كان ذريعة فأن يترك الدعوة، أو يتخاذل عن الدعوة، أو يتقاصر عن الدعوة، أو يترك مجال إصلاح للناس. إخواني في الله، وللأسف مما يحكى وشيء يذكر ما نحن فيه في هذه الأزمان، أن نرى التواني والتخاذل عن إصلاح المجتمعات، لو ربما أهل السنة وأهل الخير وأهل الصلاة هم في قلة، ويحتاجون من يؤازرهم، من يناصرهم في إصلاح الناس، فتجد من يطلب: يا عبد الله، نريد من يساعدنا في الدعوة، ما هل من مناصر؟ لا أحد، نريد من ينصح، من يناصح الآخرين، هل من أحد معنا؟ لا أحد، نريد خطيباً للجمعة، هل أحد؟ لا، محاضرة لا، درس لا، حلقة لا، إذا ماذا يا عبد الله؟ ماذا يستفاد؟ إخواني، عبد الله، إذا كنت تزعم أنك في غربة، وأن المجتمع قد هلك، وأن يا الله ألقوني بنفسي، اعلم يا عبد الله أن من أعظم الصلاح بعد إصلاح نفسك أن تقوم بإصلاح غيرك، لا تتوانى، لا تتخاذل، نبينا دعا الناس إلى دين الله، وما عنده إلا عبد وحر، كم بالله سيتحمل من تكاليف أمة كاملة؟ لكن ينصره الله إذا رأى ربنا جل وعلا صدق العزيمة من أهل الصلاح، من أهل الخير. فإن الله حين ينزل مدده، لكن إذا وقع التقاعس والتخاذل، وأصبح القليل القليل ممن يدخل في الإصلاح، لو ربما هذا القليل يأتيه كذلك الضعف، ويأتيه الخور، ويأتيه التكاسل، وكما نجد من هذا الذي يدعو في هذه الأزمان؟ لا أحد، أقول بصراحة: القليل من يدعو، حتى أهل السنة، ومما يرى أنفسهم أنهم على خير، وقد وقعت، قد دب فيهم الفتور والخور. لا يا عبد الله، اعلم يا عبد الله أن إصلاح الناس في زمن الغربة والقلة، أن هذه من أعظم المناقب التي يوفق إليها العبد، كن يا عبد الله ناصراً لدين الله بما تستطيع، إن استطعت بأن تشارك بتوجيه، بإرشاد، بنصيحة، بتدريس، بتعليم، بخطبة، بمعروف، بالنهي عن المنكر، بالدعوة إلى الله جل وعلا، افعل يا عبد الله. إن لم تستطع بهذه الأفعال القولية اللفظية، فلا تتقاعس يا عبد الله بمالك، بجاهك، بحسبك، بوجودك، بنفسك، بجسمك، شارك بأي شيء أمكنك، يا عبد الله. إذا انتهينا من الطائفة الأولى ممن يئس من القلة، ثم جاء للطائفة الثانية ممن رضي بالقلة، لكن على مضض، لا نريد أولئك، ولا نريد هؤلاء، وإن كان الثاني على خير، لكن نريد الصنف الثالث ممن يرضى بالقلة، ومع ذلك يحاول أنه يصلح الناس بعد إصلاح نفسه. الأمر الثالث إخواني في الله، مما يستفاد إذا علمنا أن القلة مرضية، وأن الله جل وعلا قد كتب الضلال على غالب البشرية، وأن القليل من العباد ممن اختارهم الله لدينه، واصطفاهم لشرعه، فهؤلاء القلة يا عبد الله ينبغي أن يكون بينهم فيما بينهم من التراحم، ومن الرفق، ومن اللين ما لا يكون في أي زمن آخر. في زمن الغربة، في زمن القلة، ينبغي يا عبد الله أن تفتح أبواب التراحم، والصفح، والعفو، والإحسان مع أهل الطريقة الواحدة، أو حتى كذلك مع غيرهم، حتى كذلك مع غيرهم، أنت يا عبد الله في زمن ماذا؟ في زمن قلة، في زمن ذلة، في زمن استضعاف، في زمن غربة، فما الذي تحتاج؟ لا تحتاج أنك تفتح، تجعل القلة أقل القليل، لا تجعل يا عبد الله باب الهجران يفتح على مصراعيه، باب العداوة على أدنى أمر. بل كما يقال: للأسف أن يقع ذلك بين الصف الواحد، والمنهج الواحد، والطريقة الواحدة، بين أهل الصلاة، تجد النزاع يدب بين أهل الصلاة، النزاع يدب بين أهل الخير، بين أهل المساجد، بين أهل الصلاة، بين طلاب العلم، بين أصحاب الطاعات والأعمال الصالحة. أنتم في قلة، ومع ذلك يفتحون على أنفسهم أبواباً تجلب عليهم قلة القليل، الخصومات، الجدالات البيزنطية كما يسمى، يفتح باب الحساب الدقيق على كل شيء، ذاك يحاسب صاحبه على كل فعل، على كل قول، ثم يرتب على هذه المخالفة الهجران، والترك، والشدة، والعنف، لا يا عبد الله، ما هكذا كان فقه السلف، ما كان هذا فقه السلف. اعلم يا عبد الله أنك إن كنت في زمن قلة، اعلم أنك بحاجة إلى باب التراحم والتلاحم، والرفق، والتعاطف، أعظم من أي باب من أبواب الدين، وعلى هذا سارت كلمة أهل السنة والجماعة، يقول سفيان الثوري رحمه الله تعالى: «اسْتَوْصُوا بِأَهْلِ السُّنَّةِ خَيْرًا، فَإِنَّهُمْ غُرَبَاءُ»، انظر للربط بين البابين، غرباء، يستحقون التواصي بهم بالخير. «اسْتَوْصُوا بِأَهْلِ السُّنَّةِ خَيْرًا»، فتتواصى يا عبد الله بإخوانك، تتواصى بأهل طريقتك، بما تتواصى بالخير، لا بالعنف، لا بالشدة، لا بالحساب الدقيق، لا بالحساب المرير على كل صغيرة وكبيرة، لا، استوصِ يا عبد الله بأهل السنة خيراً، تجعل بينك علاقات، ولو وقع منهم غلط أو زلل، تعفو، تصفح، يا عبد الله، لماذا؟ لأنك غريب، غريب تحتاج لأخيك. لو أنك فتحت الباب كما يقف على بعض الناس، يترك هذا، ويذر ذاك، إذا من بقي معك؟ من بقي معك؟ ومن نظر إلى قول العلماء في هذه الأزمان خاصة، يجد كيف أن العلماء يأمرون ويلزمون، وخاصة في هذه الأزمان، بالتراحم دائماً، فتاوى كبار العلماء، وخاصة في هذه الأزمان، وهذا من فقههم لدين الله في زمن غربة، زمن قلة، القلة، التراحم، التعاطف، الاجتماع. الله الله بإخوانكم، يسروا ولا تعسروا، بشروا ولا تنفروا، يقول الحسن البصري رحمه الله تعالى - كما روى ذلك اللالكائي بإسناد صحيح - قال: «يَا أَهْلَ السُّنَّةِ، تَرَفَّقُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ، فَإِنَّكُمْ مِنْ أَقَلَّ النَّاسِ»، ترفقوا رحمكم الله، فإنكم من أقل الناس، هذا من فقه الدعوة، لما يكون أهل الطريقة الواحدة في قلة، ما في داعي لفتح باب الزجر، والعنف، والشدة على كل صغير وكبير، وإنما الترفق. روى يوسف بن أسباط رحمه الله تعالى عن سفيان الثوري أنه قال: «إِذَا بَلَغَكَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي شَرْقِ الدُّنْيَا، وَآخَرَ فِي غَرْبِهَا، فَبَعِثْ إِلَيْهِمَا بِالسَّلَامِ، وَادْعُ لَهُمَا»، ما أقل أهل السنة، انظر لهذا الربط العظيم، أنك تستأنس بأهل السنة، ولو كانوا في الشرق، وفي الغرب، بعد هذا خبر عنهم، واحد على هذا الطريق الذي أنت عليه، في شرق الدنيا، لا تقول: خلاص هو في غربة، وأنا في غربة، لا، تتواصى، تستأنس بوجوده، تحمد الله على من هو في طريقتك، ومن هو في هذا المنهج الذي تسير به، الله جل وعلا. قال: «فَإِنْ بَلَغَكَ عَنْ رَجُلٍ صَاحِبِ سُنَّةٍ فِي شَرْقِ الدُّنْيَا، وَآخَرَ فِي غَرْبِهَا، فَبَعِثْ إِلَيْهِمَا بِالسَّلَامِ، وَادْعُ لَهُمَا بِالتَّوْفِيقِ، وَالسَّدَادِ، وَالثَّبَاتِ»، لا كما يفعله بعض الجماعات المتشددة في هذه الأزمان، مما لربما إذا سمع أن رجلاً من أهل السنة في شرق الدنيا، أول ما يسأل عن عثراته، ابحثوا كيف هذا؟ كيف؟ يبحث عن عثراتهم، فإن وجد عثرة قال: أرموه، لا بارك الله فيه، مندس، والثاني، والثالث، لا. يا عبد الله، ما كان هكذا أهل السنة يفرحون، ثم بعد وقت منه هفوة أو زلة، وتعاظم ذلك حتى بلغ إلى عقيدته، فالأمر آخر، أما يا عبد الله نفرح بأهل السنة، قال: «فَبَعِثْ إِلَيْهِمَا بِالسَّلَامِ، وَادْعُ لَهُمَا»، ما أقل أهل السنة، فهذا فقه في الله، فقه عظيم، فقه عظيم ينبغي أن يستفاد، ونحن في أزمان الغربة والقلة، أن نعرف التواصي، والصبر، والعفو عمن ظلمك، والإحسان عمن أساء إليك، حتى يفتح الباب. فإن كان هناك من خطأ يصحح، يصلح، ليس يا عبد الله لابد أنك ترفع شعار الخطأ لابد أن يرد، لا، يا عبد الله، قد يخطأ عليك أخاً لك في معاملة، أو في طريقة، أو في لفظ تعامل، يا عبد الله، بالعفو، بالله عليك، يا عبد الله، اسأل نفسك مقام الصفح، متى تخلقت به؟ مقام العفو عن الناس، متى تمسكت به؟ إذا كان في كل زلة، في كل هفوة، ما عندك إلا الانتقام، إذا من تكون؟ والله ما تكون من أهل الصفح والإحسان، لأن مقام الصفح والإحسان والعفو ما يتأتى إلا عند من يخالفك. خالفك في مسألة، زل عليك في نفسك، زل عليك بكلمة، يظهر عند هذا المقام، تعفو وتصفح، حتى ماذا؟ وهو أصل إخواني في الله، وهذا مما يقال فيمن كان على الطريقة الواحدة، وممن حباه الله جل وعلا بطريقة الاستقامة على طريق الكرامة، وهو لزوم منهج أهل السنة والجماعة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه، وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.