صلح الحديبية مسائل وأحكام 50

صلح الحديبية مسائل وأحكام 50

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 50، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى الدنية وموقف الصحابة في صلح الحديبية

يشرح المحور معنى الدنية بأنها الهوان والضعف أمام العدو، مستعرضاً سؤال عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية ورد النبي بأنه رسول الله لا يعصيه. كما يستشهد بموقف سعد بن معاذ في غزوة الأحزاب حين رفض إعطاء اليهود ثلث الثمر تألفاً لهم، فأقره النبي ونصر الله المسلمين.

مراعاة المصالح الشرعية واجتهاد العلماء في تأخير الأحكام

يبين المحور أن النبي صلى الله عليه وسلم في صلح الحديبية لم يتنازل عن ثوابت الدين بل راعى المصلحة العظمى بالصلح، وهو أصل يجتهد فيه العلماء والحكام لتقدير المصالح ودرء المفاسد. ويؤكد أن تأخير بعض الأحكام العملية كالجهاد في حال الضعف مشروع لحفظ الدين، وأن هذه الموازنات ترجع لاجتهاد أهل الاختصاص وليست تنازلاً عن شرع الله.

أحكام الإكراه على الكفر وعدم التنازل عن الواجبات الشرعية

يوضح المحور جواز النطق بكلمة الكفر تحت الإكراه مع اطمئنان القلب بالإيمان، ويحرم التنازل عن الواجبات الشرعية خوفاً من السخرية أو الضغط الاجتماعي. ويستدل بقصة أهل اليمن مع النبي صلى الله عليه وسلم في تحريم المسكرات وأمر قتال الممتنعين، مؤكداً وجوب الإيمان بالكتاب والسنة كافة وأن الضرورات تقدر بقدرها.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فلا زلنا في ذكر الفوائد والمسائل من صلح الحديبية. ومن هذه الفوائد أيضا عند ذكر قول عمر للنبي عليه الصلاة والسلام: «لما نعطي الدنية في ديننا؟» ما المراد بالدنية في هذا الدين؟ الدنية هي من الهوان والضعف، معناها أمام العدو. ولهذا جاء في السيرة في غزوة الأحزاب: لما سمع النبي عليه الصلاة والسلام أن الأحزاب تحزبوا لأجل أن يأتوا إلى المدينة، فجمع النبي عليه الصلاة والسلام السعدين: سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، يستشيرهم بأن يتألف اليهود بأن يعطونا ثلث ثمر المدينة، يعني يعطونهم الثلث لأجل أن يتألفهم حتى لا يقوموا مع العدو. فاستشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، إذ هما سيدا الأوس والخزرج. فسعد بن عبادة سيد الخزرج، وسعد بن معاذ سيد الأوس. فقال سعد بن معاذ للنبي عليه الصلاة والسلام: يا رسول الله، قد كنا على كفر وشرك ولا نعطيهم الدنية، أفبعد أن أعزنا الله بالإسلام نعطيهم الدنية؟ أنا نتنازل لهم ونضعف أمامهم حتى نعطيهم من تمر المدينة، والله لا نعطيهم ولا تمرة. فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بهذا القول، ودفع الله عز وجل عن المسلمين الأحزاب وهزمهم، وجاءتهم الريح فخرجوا مقبوحين مهزومين. فلما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يضع لأمته، جاءه جبريل وقال: «قد وضعت الحرب أوزارها؟» قال: «إلى أين؟» قال: «إلى بني قريظة». ثم ذهب إلى بني قريظة عقابا لهم لأنهم هم الذين ألبوا قريشا وكذلك عاونوهم على المسلمين. فالنبي عليه الصلاة والسلام لما قال له عمر: «لما نعطي الدنية في ديننا؟» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا عمر، إني رسول الله ولن أعصيه، وإنه ناصري». فالدنية هنا المراد بها نوع من الهوان أو الضعف يظهر أمام العدو لأجل مصلحة، لأجل مصلحة. وهنا النبي عليه الصلاة والسلام لم يتنازل عن شيء، وإنما هو مصالح فقط ودرء مفاسد كما قد ذكرنا قبل، وهذا يجوز في الدين، ويجوز خاصة للعلماء وللحكام أن يجتهدوا في مثل هذه الأمور. فالنبي عليه الصلاة والسلام معه الوحي من ربه جل وعلا، ففعل ذلك لأجل مصالح أعظم. والمراد بما فعله النبي صلى الله عليه وسلم هو أنه من جاءهم من الكفار يريد أن يسلم فإنهم يرجعونه إلى الكفار. فهذا البند الذي حرك مشاعر المسلمين حتى قال عمر هذا الكلام. وهذا فعله النبي صلى الله عليه وسلم لمصلحة عظيمة وهي مصلحة الصلح، فالصلح له مصلحة عظيمة علمها ربنا سبحانه وتعالى، فلذا أصر النبي عليه الصلاة والسلام على الصلح ولو حصلت مثل هذه المفاسد. وليس معنى ذلك أن الإنسان يتنازل عن دينه، لا، ليس هذا تنازل عن دينه أبدا، وليس أيضا كذلك تنازل عن الثوابت التي في الدين، وإنما هي مصالح. وقد يتأخر هذا الأمر أو بعض الأمور التي يكون فيها معاملة الكفار، حتى الجهاد، الجهاد ضد الكفار قد يتأخر لأجل ضعف المسلمين، كما قد تقدم معنا أن الله عز وجل لم يفرض الجهاد على المسلمين لما كانوا في مكة، وهذا أيضا لمصلحة عظيمة وهي أنه حتى لا يباد الإسلام ولا يقتلون لضعفهم. وهكذا تجد أن العلماء يقدرون المصالح في مسألة الجهاد: متى يكون جهادا شرعيا ومتى لا يكون شرعيا، وأيضا متى يكون هذا الإقدام ضد الكفار صحيحا أو هذه المعاملة صحيحة أو ليست صحيحة، ومتى يكون تألف الكفار صحيحا ومتى لا يكون صحيحا. هذه كلها ترجع إلى علماء المسلمين واجتهادهم وكذلك الحكام. وهذا كما قلنا هي مصالح فقط، ليس تنازلا، وإنما قد يؤخر الحكم لأجل أمر ما. وإلا، فمثلاً أحكام الله عز وجل على المسلمين لا يجوز للمسلم أن يتنازل عن حكم الله لأجل شهوته أو لأجل خوفه من مثلا عدو أو من غير، أو أن يقال فيه كذا. أما إذا خاف على نفسه أن يقتل أو كذا فقد أجاز الله عز وجل أن ينطق المسلم بكلمة الكفر، فمن أكره على ذلك. وأما من كان في سعة وإنما خاف أن يقال عليه كذا وكذا، فإنه لا يجوز أن يتنازل عن أمر واجب، ولو كان سيضحك منه الكفار أو سيشمتون به أو كذا من هذه الأمور، لا يتنازل عنه. بعض أهل اليمن لما جاءوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقالوا: يا رسول الله، ذلنا في البتع والمزر. البتع هو نبيذ العسل، كان استعملوه واشربوه كالخمر، معناه نبيذ يسكر. والمزر هو نبيذ الجزر، أو نبيذ -أقصد البصر- ينبذونه في الماء ثم يجعلونه يتأخر حتى تطلع النشوة فيسكر فيشربونه. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يأذن لهم، لم يأذن لهم، وقال: «إن البتع والمزر من المسكر، وكل مسكر حرام، وكل مسكر حرام». ولهذا جاء عند أحمد أن بعض الأمراء الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى اليمن، فقال له هذا الأمير: إنهم لم يريدوا أن يتركوا البتع. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لم يتركوا فاقتلهم» أو قال: «فقاتلهم». فهنا النبي صلى الله عليه وسلم لأجل أنهم لم يقبلوا هذه الفريضة أو هذا الأمر، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أميره أن يقاتلهم لأجل تركهم هذه الفريضة أو تركهم هذا الواجب، أو أنهم لم يؤمنوا به. ولابد على المسلم أن يؤمن بكل ما جاء في الكتاب والسنة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾، ليس مثل اليهود يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، فهذا ليس من الإسلام في شيء، بل هذا من أمور الكفر. فلذا لا يجوز للمسلم أن يتنازل عن دينه لأجل شهوة أو لأجل اكتئاب. أما الضرورة فهي تقدر بقدرها: ﴿إِلَّا مَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾. المضطر في الميتة وفي غيرها هذا له حكمه، وتقدر هذه الضرورة بقدرها. فلذا أيها الأخوة الكرام، فهنا النبي عليه الصلاة والسلام لم يتنازل عن شيء من أمور الدين، لكن كما قلنا لأجل المصالح قد يؤخر حكم من أحكام التعامل وغيره لأجل مصلحة عظيمة للمسلمين أو لدرء مفسدة عظيمة عن المسلمين. وهذا ما يذكر في هذا المقام، ونكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.