الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 52، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استعرض المقطع موقف الصحابة في صلح الحديبية حين كرهوا شرط رد المسلمين إلى الكفار، لكنهم أطاعوا النبي ﷺ فنزلت سورة الفتح وبُورك في طاعتهم. واستدل شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بذلك على وجوب طاعة ولي الأمر فيما ليس بمعصية، حتى لو كره المسلم الأمر، مستنداً إلى حديث «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية»، وردّ زعم من يدّعي أن أهل السنة يوجبون الطاعة في المعصية.
يبيّن المقطع أن طاعة الحاكم واجبة في المعروف والمباح فقط، ولا طاعة في معصية الله، مستدلاً بأحاديث النبوي وآثار الصحابة كعلي بن أبي طالب وسهل بن حنيف، وموضّحاً أن الكراهة الواردة في الحديث هي كراهة الرأي والمصلحة الشخصية لا الكراهة الشرعية، وضارباً أمثلة تاريخية كصلح الحديبية وصفين.
يؤكد المقطع أن طاعة ولاة الأمر في غير معصية الله تجلب البركة وتحقن الدماء، مستشهداً بصلح الحسن بن علي رضي الله عنه. ويحذر من التحزب والتعصب للمبادئ الحزبية على حساب طاعة ولي الأمر، لأن ذلك يفرق الأمة ويؤدي إلى التنازل عن العقائد، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾، وبحديث النبي صلى الله عليه وسلم في وجوب السمع والطاعة فيما أحب المسلم وكره إلا في معصية الله.
يختتم المتحدث بالدعاء بالتوفيق للخير والهداية، سائلاً الله أن يجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. ويختتم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا بعض الفوائد والمسائل من حديث الحديبية وصلح الحديبية، ووقفنا عند قول عمر رضي الله عنه للنبي عليه الصلاة والسلام، لما كان في الصلح أن من جاء من المسلمين إلى الكفار فإنه لا يرد إلى المسلمين، ومن جاء من الكفار إلى المسلمين فإنه يرد إليهم. فهذا الشرط كان بعض الصحابة قد كرهه، كيف يكون هذا؟ يأتي رجل مسلم ويرد إلى الكفار. فلما جاء أبو جندل ابن سهيل، قال سهيل: هذا أول ما أقضيك عليه يا محمد. فحاول فيه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال له: «إننا لم نقضِ الكتاب بعد». فقال: لا أقضي معك كتابًا. فقال: «أجزه لي». قال: أنا لا أجزه. فقال له: «أجزه لي»، حتى أنه كرر عليه النبي صلى الله عليه وسلم الكلام، حتى أن مكرزًا أو حفص بن مكرز كان من الكفار كان جالسًا، فقال: قد أجزناه لك يا محمد. لكن سهيلًا رفض أن يجيزه. ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمره الله عز وجل بهذا الصلح حتى لا تحصل حرب بينهم وبين الكفار، فإنه أجاز بعد ذلك، فرد النبي صلى الله عليه وسلم رده إلى أبيه، رده إلى أبيه. فقال أبو جندل بن سهيل: يا معشر المسلمين، أما ترون ما أنا فيه؟ أفأرد إلى الكفار يعذبونني؟ فأخذ العطف والشفقة كثيرًا من الصحابة رضي الله عنهم، حتى قال عمر ما قاله، فكره ذلك. فمع كراهتهم لذلك، إلا أنهم أطاعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت هذه الطاعة بركة عظيمة، أبدل الله عز وجل لهم فتحًا عظيمًا. ما تحرك من ذلك المكان من الحديبية إلا يسيرًا، ونزلت سورة الفتح، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد أنزلت علي سورة أحب إلي من الدنيا وما فيها، ما فيها وهي سورة الفتح: ﴿ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا ﴾» إلى آخرها. فهنا مسألة ذكرها شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في فوائده في صلح الحديبية، فقال: بركة الطاعة ولو كره المسلم، ولو كره المسلم. أي: كره هذا الأمر من ولي الأمر أو من العلماء، ولو كان ليس في مصلحته، أو ليس على رأيه، أو ليس على رأي حزبه، أو كذا، فإنه يجب عليه أن يطيع، يجب عليه أن يطيع ولاة الأمور إذا كان ليس في معصية. وهنا قولهم: «كرهة»، ليس المراد كرهة من باب الشرع، أما إذا كان كرهه لأجل الشرع، معنى أنها معصية، فهذا لا سمع ولا طاعة لأحد. لهذا جاء في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره». قال: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كره، إلا أن يؤمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة». وهذا الحديث هو الذي أخذ به أهل السنة منذ زمن الصحابة رضي الله عنهم إلى يومنا هذا. ومن قال غير هذا فقد كذب. أن بعض الناس الآن يقول: أولًا أهل السنة أو السلفيون يقولون إنه تجب طاعة الأمير ولو أمر بالمعصية. هذا كلام باطل، ولا يقوله أحد من أهل السنة. ومن قاله فليس من أهل السنة. من قال أن الأمير يطاع ولو في المعصية فهو بعيد عن السنة. فدلت الأحاديث المتكاثرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن السمع والطاعة تكون في الأمر الذي هو طاعة أو مباح، يطاع يكون في طاعة وأمر مباح، فيأمر به الأمير فيتبع على ذلك، أو الحاكم فيتبع على ذلك. وأما إن كان معصية لله، فلا سمع ولا طاعة لأحد في معصية الله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره». هنا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر حتى فيما كره، وهنا المراد كما قلنا ليس الكراهة الشرعية، ليس أنه كرهه لأنه معصية لله، كرهه لأنه مخالفة لأمر الله، لا. إنما كرهه لأجل أنه لم يوافق رأيه، أو أنه يراه خطأ معناه في رأيه، أو أنه ليس في مصلحته، ليس في مصلحته. وقد تكلمنا قبل في مسألة طاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وأنها تكون وقبول حكم الله عز وجل، ولو كان في ذلك حرج على المسلم، أو فيه غير مصلحته، معناه أنه فيه مضر له، لابد أن يقبل حكم الله جل وعلا. وكذلك هنا في طاعة الأمير وطاعة الحاكم وولي أمر المسلمين، فإنه يطاع، ولو كان هذا الأمر يضر بالشخص نفسه، يضر بالشخص نفسه. فلا ينظر الإنسان إلى مصلحته، بل ينظر إلى مصلحة العامة، وأن هذا أمر أمر به ولي الأمر، ويجب عليه طاعته. وهذا غالبًا يكون مسألة الحروب في الخطط، أو مسألة السياسة، سياسة مع الكفار، أو أيضًا الطرق التي يكون بها السياسة الداخلية أو الخارجية، فتحصل بعض الأشياء التي قد لا يرضاها بعض الناس. لكن إن مشوا على ما مشى عليه ولي الأمر أو غيره، فإن الله عز وجل يفتح لهم ويبارك لهم في هذه الطاعة. وانظر إلى هذا الأمر، لما أطاع المسلمون مع كراهتهم لذلك، فتح الله عز وجل عليهم فتوحات عظيمة، معنى كانت مصلحة هذا الصلح أعظم مما يتصورون. لهذا فتح الله عز وجل عليهم مكة، الذي كانوا ما يحلمون به إلا بوعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. لهذا أيضًا كذلك من الحوادث التي تبين هذا الأمر ما حصل في صفين. وهذا الحديث جاء بأسانيد حسنة عند الترمذي والنسائي وغيرهما، معنى إسناده صحيح. لما حصلت الفتنة في صفين، ورضي علي رضي الله عنه بالصلح بينه وبين معاوية رضي الله عنه، ممن كان معه، فرضي بالتحاكم. رضي علي رضي الله عنه بالتحاكم، فخرجت الخوارج، الخوارج خرجت، وقالوا: هذا حكم حكم غير الله، ليس حكم لله، ولا حكم إلا لله. وكانوا يخرجون من هنا وهناك، وكان علي في المنبر، فكانوا يقولون: لا حكم إلا لله. فقال علي رضي الله عنه: كلمة حق أريد بها باطل. كلمة حق: لا حكم إلا لله، كلمة حق، لكن أريد بها باطل، وهو الخروج على أمير المسلمين. لهذا حصلت القلاقل، حتى من بعض من كان مع علي رضي الله عنه من الشيعة. فقام سهل بن حنيف، قام سهل بن حنيف وقال لهم: يا أيها الناس، اتهموا رأيكم. يا أيها الناس، اتهموا رأيكم. أي: لا تثقوا بآرائكم، أن رأيكم صح. ولو لم يفعل ذلك علي وقاتلهم وكذا، لكان أفضل. لا، قال: اتهموا رأيكم. فإننا يوم أبي جندل، لو أردنا أن نرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددنا. لكن أراد أن يبين لهم أننا أطعنا النبي صلى الله عليه وسلم مع أننا كرهنا ذلك، كرهنا رجوع جندل، رجوعه إلى الكفار، لكن أطعنا رسول الله، ففتح الله عز وجل على المسلمين. وهكذا الآن يقول لهم: لا، اتهموا رأيكم وأطيعوا أمراءكم. أي: أراد أن يطيعوا عليًا في هذا التحاكم. وفعلا أن هذا التحاكم كان بركة على الإسلام والمسلمين. أولًا: أن حقنت الدماء بين المسلمين. والأمر الثاني: أن معاوية خضع لعلي. والأمر الثالث: بعد ذلك حصل الصلح الكبير الذي أقاده الحسن بن علي مع معاوية رضي الله تعالى عنهم أجمعين. فصارت البركة بطاعة ولاة الأمور. وهكذا كما قال الشيخ في هذا الصلح من الفوائد: أن البركة في طاعة ولاة الأمر، ولو كره المسلم. الآن تجد مع هذه التحزبات، معنا هذا من حزب الفلاني، وهذا من حزب الفلاني، وهذا من حزب الفلاني، تفرق أهل الإسلام. وأيضًا تجد أن كثيرًا منهم يتعصب لمبادئ الحزب، هذه المبادئ ليست مبادئ شرعية، وقد تكون مثلًا مبادئ جائزة، أمور جائزة، لكنها لم يأمر بها الشرع. لكن هؤلاء في الحزب يجعلونها مبادئ واجبة، خط أحمر، أنك تخالف هذه الأشياء. فالمهم أن مثل هذه الأشياء أحيانًا يأتي الأمر من ولي الأمر لا يوافق رأي الحزب الفلاني، فتجد الشخص الذي هو من حزب لهذا الحزب يختار غالبًا رأي حزبه ويترك رأي ولي الأمر. وهذا من الأمور التي فرقت المسلمين كثيرًا. ففرق لو أن الناس أطاعوا ولاة أمرهم في طاعة الله عز وجل وفيما أباحه الله لهم، لكان خيرًا لهم من هذا التفرق والتحزب الذي فرق أهل الإسلام. وقد قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ﴾. لهذا فيحذر المسلم من الدخول في مثل هذه الأحزاب أو الانتماء إليها والعضوية إليها، فإن هذا غالبًا يجرّك إلى عدم الطاعة، بل حتى عدم طاعة الشرع أحيانًا. انظر ما الذي أدى الإخوان المسلمين إلى التنازل عن مبادئ عظيمة، بل عن عقائد؟ لماذا تنازلوا؟ بسبب أنهم أطاعوا هذا الحزب وأطاعوا مبادئ هذا الحزب، حتى تنازلوا عن عقائد. يأتي أحدهم يقول: هذا باب الأسماء والصفات يفرق المسلمين، يفعل كذا. وهم الذين فرقوا أهل الإسلام. لو أنهم بقوا على ما كان عليه السلف، لكانوا على ائتلاف وعلى خير. لهذا من فارق الجماعة فقد فارق رقبة الإسلام، أو ربقت الإسلام، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من فارق الجماعة قيد شبر فقد نزع ربقة الإسلام من قلبه، أو من عنقه». لهذا المسلم يسمع ويطيع فيما أحب وكره، ولا سمع لأحد في معصية الله جل وعلا، ولا طاعة لأحد في معصية الله جل وعلا. فهذا خلاصة ما يذكر في هذا، وكما ذكرنا هذه الفائدة وهي بركة الطاعة، أي طاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وطاعة ولاة الأمر فيما كره المسلم أو أحب، فيما كره المسلم أو أحب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية الله، فلا سمع ولا طاعة». نسأل الله عز وجل أن يوفقنا للخير، وأن يجعلنا هداة مهتدين، لا ضالين ولا مضلين. والحمد لله رب العالمين.