صلح الحديبية مسائل وأحكام 54

صلح الحديبية مسائل وأحكام 54

الدرس في صلح الحديبية مسائل وأحكام 54، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

الأمر للوجوب والنهي للتحريم في ضوء موقف الصحابة في الحديبية

تأخر الصحابة عن الامتثال لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالنحر والحلق بعد صلح الحديبية حتى فعل هو بنفسه فاقتدوا به. استدل الشيخ على أن أمر النبي يقتضي الوجوب ونهيه يقتضي التحريم إلا إذا قامت قرينة تصرفه عن ذلك، مبيناً أنواع القرائن الدالة على عدم الوجوب أو التحريم.

وجوب طاعة أوامر النبي صلى الله عليه وسلم ودلالة صلح الحديبية

استدل العلماء بامتثال الصحابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصلح في الحديبية رغم قدرتهم على القتال على أن أمره للوجوب. تؤكد آيات القرآن وأحاديث النبوية كقوله: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم» وجوب طاعة أوامره واجتناب نواهيه، ويرد القول بتفريق بين الأحكام والآداب في الوجوب بالدليل الشرعي.

الأمر للفور ووجوب الامتثال الفوري لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم

يستعرض المقطع أدلة من السنة النبوية على أن أوامر النبي صلى الله عليه وسلم واجبة التنفيذ فوراً، ومن خالفها عوقب في الدنيا كما في قصة الرجل الذي رفض الانتظار لشفاء جرحه وقصة آكل الشمال. يستدل ابن تيمية بمثال الأمير مع عبده لتأكيد أن الأمر الإلهي والنبوي يقتضي المبادرة ما لم يقم دليل على التراخي كما في أوقات الصلوات المحددة.

خاتمة الكلام والاكتفاء بما ذُكر في المسألة

يختتم المؤلف كلامه في هذا الموضع مكتفياً بما أورده من أدلة وشواهد. يفوض العلم الكامل والحكم النهائي إلى الله تعالى في جميع ما سبق بيانه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فوقفنا في دروسنا في مسائل الفوائد من صلح الحديبية عند قول النبي عليه الصلاة والسلام: لما فرغ من الكتاب قال: «قوموا فانحروا واحلقوا». قال: فما قام منهم أحد. فدخل النبي عليه الصلاة والسلام على أم سلمة وهو مغضب، فقال: «ما لي آمر بالعُمرة فلا يستجاب لي؟». فقالت أم سلمة رضي الله عنها: «أتحب ذلك يا رسول الله؟». قال: «نعم». قالت: «اخرج ولا تكلم أحدًا منهم، وادعُ الحلاق يحلق لك». قال: «واذبح هديك، وادعُ الحلاق يحلق لك». ففعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. فلما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل، قاموا وذبحوا وحلق بعضهم لبعض، حتى كاد أن يهلك بعضهم بعضًا. فهذا المقطع كما قلنا ذكرنا فيه عدة فوائد، ومن هذه الفوائد أيضًا: أن أمر النبي عليه الصلاة والسلام يقتضي الوجوب. وهذه قاعدة كبيرة عظيمة من قواعد الإسلام: أن أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم يقتضي الوجوب، إلا إذا دلت قرينة من القرائن على أنه ليس للوجوب. وكذلك النهي: إذا نهى الله عن شيء، أو نهى نبيه عليه الصلاة والسلام عن شيء، فيقتضي التحريم، إلا إذا دلت قرينة على عدم التحريم. والقرائن كثيرة جدًا، ومن أهمها: أن يجيزه النبي عليه الصلاة والسلام، أو إذا كان أمرًا يجوز تركه، وإذا كان نهيًا يجوز فعله، فهذا أيضًا يدل على أن الأمر ليس للوجوب، وأن النهي ليس للتحريم. أو كذلك يفعل النبي عليه الصلاة والسلام، أو لا يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ما أمر به، ويفعل ما نهى عنه، فهذا من القرائن على أنه ليس للوجوب. وإلا فالأصل الأمر للوجوب. النبي صلى الله عليه وسلم غضب لما لم يمتثل الصحابة رضي الله عنهم أمره. وقد ذكرنا قبل أن الصحابة رضي الله عنهم لم يمتثلوا الأمر لأجل أنهم يظنون أنه سيأتي نسخ هذا الكتاب، أو أنهم يظنون أن أمر النبي عليه الصلاة والسلام لهم ليس من باب الوجوب، أو كذلك ظنوا أنه لعلهم يدخلون أو يأتي الأمر وأنهم يدخلون إلى بيت الله الحرام. فهم أكثر ما تغيظوا منه عدم دخولهم إلى البيت الحرام، وقد جاءوا معتمرين. وهذا لم يحصل قط حتى في زمن الجاهلية، فكانت قريش لا تردون ولا تصدون أحدًا جاء إلى البيت يريد اعتمارًا، لا يصدونه أبدًا، إلا ما حصل في هذه السنة، وهي السنة السادسة: صدوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع نبيهم عليه الصلاة والسلام، صدوهم عن البيت الحرام وأن يعتمروا. وهذا جرم عظيم. ولهذا تغيظ الصحابة من هذا، لأنهم قادرون على أن يدخلوا بالقوة، لأنهم قد ملكوا السلاح، وملكوا الجموع، وأيضًا قريش قد وهنتهم الحرب ونهكتهم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام. لكن أمر الله عز وجل نبيه بالصلح، فكان فيه الخير العظيم. وقد ذكرنا هذه الفوائد العظيمة من هذا الصلح، وبقيت أيضًا فوائد كثيرة. فهنا لم يعتمروا لأجل رجاء أن يأتي أمر آخر ينسخ ذلك الأمر، أو أنهم يؤمرون بالدخول إلى بيت الله الحرام إلى مكة. لكن لما رأوا أن النبي عليه الصلاة والسلام فعل ذلك، لم يكن لهم بد أن يمتثلوا ذلك. فلذلك، كما قلنا، استدل العلماء بهذا الحديث على أن الأمر للوجوب. والأدلة كثيرة جدًا، أدلة الأمر بالوجوب كثيرة، ومنها قوله جل وعلا: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]. فهذا في تحذير الله عز وجل ممن يخالف أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا لا أصرح منه في وجوب الأمر. إذا أمر الله أو أمر رسوله، يجب على المسلم أن يتبع أمر الله وأمر رسوله. ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80]. وجاءت الأدلة أيضًا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ [آل عمران: 132]. فكل ذلك يدل على أن طاعة الله وطاعة أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم واجب على كل مسلم، وأنه إذا لم ينفذ هذا الأمر وهو يستطيع ذلك فإنه آثم. وكذلك يجب عليه أن يجتنب النهي. وقد جاء في الصحيحين في حديث أبي هريرة قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه». «ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فاتقوا الله ما استطعتم». معنى: إن استطاع أن ينفذ هذا الأمر فهو واجب عليه، وإن لم يستطع، أو استطاع في بعضه، فكذلك. فالأمر يجب على المسلم. هناك من العلماء من قال: فصل في هذه المسألة، أن الأمر إذا كان في الحلال والحرام، أو في العقائد، أو في الأصول، فإنه يكون واجبًا. وأما إذا كان في الآداب، بمعنى أمور آداب فقط، فإنه لا يكون واجبًا. وهذا ذهب إليه جماعة من العلماء. لكن هذا ليس صحيحًا، وترده الأدلة، وترده الأدلة سواء كان في الأحكام أو كذلك في الآداب. فالأحكام جاءت عقوبة الله عز وجل من رد حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، وهي أحاديث كثيرة. من ذلك ما جاء عند أحمد والسنن: أن رجلًا طعن رجلًا في فخذه، فقال: «يا رسول الله، هذا المطعون». قال: «يا رسول الله، أقِذني، أنا أريد القصاص». قال: «اذهب حتى يبرأ جرحك». قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «اذهب، إذا برأ جرحك تعال». قال: «يا رسول الله، أقِذني». قال: «اذهب حتى يبرأ جرحك». قال: «أقِذني يا رسول الله، أريد القصاص الآن». فحكم له النبي صلى الله عليه وسلم بالقصاص. ثم عرجت رجله، عرجت هذه الرجل، معنى: صارت عرجة، ما يستطيع أن يمشي بها إلا على العرج. فقال: «يا رسول الله، عرجت رجلي، أو عرجت رجلي». فقال: «قد أخبرتك فعصيت أمري، فأبعدك الله». قال: «فعصيت أمري، فأبعدك الله». وكذلك أيضًا حتى في الآداب، جاء عقوبة الله عز وجل من لم يمتثل أمر النبي عليه الصلاة والسلام، وهو ما جاء في صحيح مسلم من قول النبي عليه الصلاة والسلام لرجل كان يأكل معه، فقال: كان يأكل بشماله، فقال: «كل بيمينك». قال: «لا أستطيع». قال: «كل بيمينك». قال: «لا أستطيع». قال: «فلا استطعت». قال: فما رفعها إلى فيه، شلت يده، صارت مشلولة هذه اليد. وهذا كل عقوبة لمخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، مع أن هذا في الآداب. فهذا يدل على أن الأصل أن الأمر من الله ومن رسوله، سواء كان في الأحكام أو في الآداب، يكون واجبًا، ما لم يدل عليه دليل على عدم الوجوب. وأخذوا من ذلك قاعدة أخرى: أن الأمر للفور. لكن كما قال الحافظ: إن الحديث لا يدل عليه. لكن هذه القاعدة صحيحة: أن الأمر للفور، معناها: إذا جاء الأمر، واجب على العبد أن ينفذه فورًا. والنبي هنا غضب لما لم ينفذ الأمر من أول ما أمر. فلذلك فالأصل أن الأمر للفور، إلا إذا دل دليل على أن الأمر للتراخي، فيكون للتراخي. وإلا فالواجب على المسلم أنه ينفذ أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. وكما ضرب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مثالًا لذلك، قال: لو أمر أمير من الأمراء شخصًا من عماله، أو من عبيده، أمره بأمر، قال له: «ائتني بكذا». فجلس ولم يأتِ، وقال: «الأمر على التراخي». فهل يرضى عنه ذلك الأمير أو الملك؟ لا شك أنه سيغضب. وأمر الله عز وجل أعظم، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. فلذلك فالصحيح أن الأمر للفور، إلا إذا دل الدليل على أنه للتراخي. فكما جاء في بعض الأمور الواجبة كالصلاة مثلًا: الصلاة جعل الله عز وجل لها وقتًا معينًا، من كذا إلى كذا، مثل الفجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. فهذا الوقت كله داخل في الأمر، فمتى صلى فهو داخل في الجواز، داخل في تأدية الواجب. متى ما صلى فإنه داخل في تأدية الواجب. لكن هناك واجب آخر وهو الجماعة، فيجب عليه أن يصلي مع الجماعة. لكن لو اتفقت الجماعة أنهم يصلون في أي وقت، أي وقت من هذه الأوقات، من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فهو جائز. وهكذا الظهر: من الظهر إلى أن يصير ظل شيء مثله. فهذا ما يذكر في هذا المقام، ونكتفي به، والله تعالى أعلم.