الدرس في شرح مسائل الجاهلية 32، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح تعبد أهل الجاهلية بالمكاء والتصدية، ويبين أن الكفار كانوا يتعبدون الله ببدع ومحدثات. يتناول أيضًا عبادات الكفار وعدم التعظيم لله سبحانه وتعالى.
يتناول الفرق بين عبادات المؤمنين والكفار، حيث تحف عبادات المؤمنين التعظيم والخشوع، بينما تتسم عبادات الكفار بالاستخفاف والاستهانة.
يناقش حكم التصفير والتصفيق في الإسلام، مستندًا إلى أقوال العلماء، حيث يرى أن هذه الأفعال من عادات أهل الجاهلية ولا تجوز في الإسلام خاصة إذا اقترنت بنية التعبد.
يختم بالدعاء أن ينفع الله بما قيل ويجعل السامعين من أهل الهداية والطاعة، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الحادي والعشرون: تعبدهم بالمكاء والتصدية. في هذه الفقرة، إخواني في الله، بيّن المؤلف رحمه الله تعالى بعض أحوال أهل الجاهلية، فكان من ذلك قوله رحمه الله تعالى: تعبدهم بالمكاء والتصدية، وهذا إشارة إلى قول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾. أخبر ربنا جل وعلا أن من طبيعة ومن أحوال أهل الجاهلية أنهم كانوا يتعبدون الله جل وعلا في البيت وعند البيت الحرام بهذه الظاهرة: بالمكاء والتصدية. فما معنى المكاء؟ وما معنى التصدية؟ ذهب جماهير العلماء، وهذا الذي يروى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وهكذا عن ابن عمر، وعن مجاهد، وعن الضحاك، وعن الحسن، وعن قتادة، أن المكاء بمعنى الصفير، والتصدية بمعنى التصفيق. وهذا الذي ذهب إليه من ذهب من سلفنا الصالح هو كذلك موافق لأهل اللغة. فإن المكاء عندهم مأخوذ من: مكاء يمكو مكاء، ومعناه: إذا جمع يديه ثم صفر. وهذه طريقة من طرق التصفير: وضع الأيدي في الفم ثم يخرج منه الصوت الصفير، فكان يعرف عند العرب بالمكاء. والكلمة الثانية وهي التصدية، وهي كذلك الذي فسرها السلف بأنها التصديق. كذلك على ذلك أهل اللغة، فإن أهل اللغة فسروا التصدية والتصدية عندهم بمعنى التصفيق، فيُؤخذ من قولهم: صدى يصدي تصدية، بمعنى: إذا صفق بيده. بهذا التخريج، إخواني في الله، علمنا أنه لا اختلاف بين لسان الشرع ولسان اللغة، بأن معنى المكاء هو التصفير، وأن معنى التصدية هي التصفيق. فقول مؤلفنا رحمه الله تعالى: «تعبدهم بالمكاء والتصدية»، أي أنهم كانوا يفعلون هذه الأفعال في تعبدهم لله سبحانه وتعالى. وهنا، إخواني في الله، تأتي عدة مسائل تستفاد من هذه الفقرة. أولى هذه الفوائد، إخواني في الله، نستفيد منها أن أهل الكفر كان عندهم شيء من التعبد، بغض النظر عما هي العبادة، إلا أنهم كان عندهم شيء من التعبد. فكانوا يتعبدون لهذا، قال المؤلف رحمه الله تعالى: «تعبدهم»، والتعبد هو التقرب إلى الله سبحانه وتعالى، إذن كان الكفار يتعبدون الله. وهذا من الأدلة الدالة على أن الكفار كانوا يقرون بوجود الله جل وعلا. يقرون بوجود الله جل وعلا. وفي ذلك فائدة أخرى: أن الكفار كانت لهم عبادات، إلا أن الإشكالية التي وقعوا فيها أن هذه العبادات ما جعلوها لله وحده، بل جعلوا معه الأنداد والأصنام والأوثان، جعلوا مع الله جل وعلا شركاء. فهذه الفقرة، وما كان صلاتهم عند البيت إلا مُكاءً وتصدية، فيها أنهم يتعبدون الله. بل انظر ما في قول ربنا: «وما كانت صلاتهم»، فصلاة: صلاة يصلونها. كذلك مما يستفاد من هذه الفقرة ما يتعلق بأن الكفار كانوا يتعبدون الله جل وعلا بالبدع والمحدثات. وكانت هذه الآية ولا زالت يستدل بها العلماء على أن من خصال أهل الجاهلية أنهم كانوا يتعبدون إلى الله جل وعلا بالمحدثات والبدع التي لم يؤمر بها ولم تكن في شرعتهم. نعم، العرب بقيت عندهم بقايا من دين إبراهيم عليه السلام، إلا أنهم أعرضوا عنها واستحدثوا عبادات من عند أنفسهم. فما كان يعرف بشيء من شرائع من كان قبلنا في شريعة موسى أو عيسى، بل ولا في شريعة إبراهيم عليه السلام، أنهم كانوا يتعبدون الله بهذه العبادة من اتخاذ التصفيق والتصفير عبادة. وهذا السمات البارزة في أهل الكفر أنهم يخرجون عن شريعة الأنبياء وعن شريعة الرسل باستحداث عبادات من تلقاء أنفسهم. وهذا سيأتي في بابه، سيأتي في بابه في ذكر بعض العبادات. تارة أنهم يتعبدون الله جل وعلا بالوقوف في الشمس من غير استغلال، وتارة أنهم يتعبدون الله جل وعلا بالثياب البالية ولا يلبسون الجديد، وغير ذلك، أو يحرمون على أنفسهم بعض السلوكيات أو بعض الأطعمة والأشربة، كل ذلك من باب البدع التي هم أحدثوها لأنفسهم. ومن هذا ما نحن بصدده، فالمكاء والتصدية هي من عبادات التي هم أحدثوها لأنفسهم. فإذا نعلم أن إحداث البدع في الدين هي من خصال أهل الجاهلية. كذلك يستفاد من هذه الفقرة، إخواني في الله، ويا الفائدة الثالثة: ما كان عليه الكفار من استخفافهم بربهم جل وعلا وعدم التعظيم للرب جل في علاه. تأمل في هذه العبادة، أب الله عليك، أهذه عبادة يتعبد المخلوق لخالقه، يتعبد البشر لمالكه لربه بتصفيق بتصفير؟ أهذا تعظيم لجناب الرب؟ حاشا، ما هذا بتعظيم. وبهذا قال العلماء أن التعبد الذي كان عليه الكفار ومن كان على منوالهم يحفه عدم التعظيم لله سبحانه وتعالى. وقد بين ذلك الإمام السعدي رحمه الله تعالى عندما فسر هذه الآية عن المكاء والتصدية، أخبر رحمه الله تعالى أن هذه العبادة فيها عدم التعظيم لله سبحانه وتعالى. ثم قام رحمه الله تعالى وبين الفرق بين عبادات المؤمنين وبين عبادات الكفار المشركين. تجد أن عبادة المؤمن تحفها وتكنفها التعظيم لله سبحانه وتعالى، عندهم الخشوع، عندهم الخضوع، عندهم الرهبة، عندهم الصلاة، الإنابة، التوبة. تجد أن هذه العبادات التي يفعلها المؤمن تحفها التعظيم لله سبحانه وتعالى، الإجلال، الإذلال لله سبحانه وتعالى. بخلاف من نظر إلى عبادة أهل الكفر، تجد أن فيها ليس فيها التعظيم، بل فيها الاستخفاف بمقام الرب سبحانه وتعالى. وهذا كثير، والذي يذكر في هذه الفقرة ما هو إلا عينة وأنموذج بسيط. بل منهم من كان يتعبد الله سبحانه وتعالى بالتعري، وهذا سيأتي كذلك في محله، أنهم كانوا يتعبدون الله جل وعلا بالتعري، يتجرد الواحد منهم، ليس الرجل بل حتى المرأة، كانوا جميعًا يطوفون حول البيت عراة. أهذه عبادة لله سبحانه وتعالى؟ ما تكون عبادة. ومن تعلم أن من الفوارق التي تفرق بين عبادات أهل الصلاح وبين من ينتسب إلى العبادة وليس من أهلها: أن تنظر فيما هي العبادة؟ تجد أن العبادات من شأنها التعظيم لله، بخلاف ما يأتيه أهل البدع وأهل الكفر، تجد أن عباداتهم محاطة بماذا؟ بالاستخفاف والاستهانة وعدم التعظيم لله سبحانه وتعالى. وأيضًا كذلك مما يستفاد من هذه الفقرة: ما كان عليه الكفار أنهم كانوا يتعبدون الله جل وعلا بالمكاء والتصدية، فيجعلون هذه عبادة يتقربون بها إلى الله سبحانه وتعالى. فلو وجد مثلًا أن قومًا من الناس أرادوا أن يتعبدوا الله سبحانه وتعالى بتصفيق أو أرادوا أن يتعبدوا الله جل وعلا بتصفير، إذا عثر على من أمثال هؤلاء، فهؤلاء قد شابه أهل الجاهلية. والشيء بشيء يذكر، يقول علماء، وهذا قد ذكره أهل التفاسير في كتبهم عند هذه الآية: أن هذا الفعل، وهو التصفيق والتصفير، كان الكفار كما في هذه الآية يتخذونه عبادة من العبادات. وأيضًا، وهذا من العجب، أن يتخذون من هذا الأسلوب صورة من صور الأذية يؤذون بها نبينا عليه الصلاة والسلام. فقد جاءت الآثار عن العلماء والمفسرين، وإن كانت هي من جنس المراسيل، لكنها يشهد بعضها لبعض: أن أهل الكفر من كفار قريش كانوا إذا رأوا نبينا عليه الصلاة والسلام يطوف بالبيت أو أراد أن يصلي عند البيت، فأراد الكفار أن يعكروا على نبينا عليه الصلاة والسلام، ما الذي يتخذونه؟ التصفيق والتصفير. فيا عجبًا، يجعلونها تارة عبادة يتعبدون بها إلى الله، وتارة يجعلونها كذلك ماذا؟ أذية يؤذون بها أهل الإيمان. ولهذا، ابن القيم رحمه الله تعالى في «إغاثة اللهفان»، لما ذكر هذه الأقوال، قال: «وهذا ثابت عنهم، وهذا ثابت عنهم»، أي أنهم تارة يتعبدون الله بهذه الفعلة، وأيضًا هذه الفعلة يأتوا من ناحية أخرى ويجعلونها أذية يؤذون بها عباد الله. فمن فعل هذه الفعلة، سواء أراد بها التعبد أو أراد بها أن يؤذي أهل الصلاة، فكما نسمع وقد وجد هذا: أن تجد بعض الفسقة من أهل المجون، أهل المجون ممن قل دينه، إذا أراد أن يؤذي أهل الإيمان أو أن يستخف بهم، فإذا مر أو مر على هذا الفاسق، لربما صفق أو لربما صفر. وهذا كذلك من فعل أهل الجاهلية. قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، مبينًا لهذه الفائدة، قال رحمه الله تعالى: «واتخاذ هذا والمشار إليه ما يتعلق بالمكاء والتصدية، قال: واتخاذ هذا قربة وطاعة من عمل الجاهلية». من عمل الجاهلية. تأتي الفائدة التي بعد ذلك، وهي: إذا كان المكاء والتصدية، وهو التصفيق والتصفير، إذا كان هذا لا يجوز أن يتعبد به الله سبحانه وتعالى، فإن ما أكبر منه أعظم وأخبث، ما هو أشد من التصفيق ومن التصفير، فلا يشك عاقل في أن حرمته أظهر. فإذا كان هذا الذنب جاء في حق الكافر إذا تعبد الله بتصفيق أو تصفير، فما ظنك بالذي يأتي بما هو أعظم من التصفيق وما هو أعظم من التصفير؟ فإن أمره أعظم. وهذه مسألة كذلك أشار إليها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، كما في كتابه «الاستقامة»، قال رحمه الله تعالى عندما بيّن هذه المسألة: أن فعل الكفار هذا الفعل، قال رحمه الله تعالى: «فإذا كان هذا هو سماع المشركين»، سماع: أي الذي يتسمعون إليه، والذي يتمتعون بسماعه، لأنهم جعلوها عبادة، التصفيق عندهم عبادة، والتصفير عندهم عبادة، فكانوا يتلذذون بمثل هذا السماع. فقال شيخ الإسلام رحمه الله: «فإذا كان هذا هو سماع المشركين الذي ذمّه الله في كتابه، فكيف إذا اقترن بالمكاء الصفارات؟ ليس فقط بالتصفير العادي، بل تأتي بالتصفير صفارة». والله أعلم بكيفية الصفارة في زمن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، لكن لا تخرج عن كونها أداة ينفخ فيها فتصدر أصواتًا. فقال رحمه الله تعالى: «فكيف إذا اقترن بالمكاء الصفارات، وبالتصدية مصلصلات الغرابيل؟» ولم يتسن لي أن أعرف ما معنى هذه الكلمة، لكن فهي تدور على أداة تستخدم مع التصفيق، وهذا موجود في هذا الأزمان، بعضهم يستخدم قطعًا من الخشب يصفق بها تصدر صوتًا أعظم وأكبر، فلعل هذا من أواع الموجودة في عهد رحمه الله تعالى تسمى بمصلصلات الغرابيل. فقال رحمه الله تعالى: «وجعل ذلك طريقًا ودينًا يتقرب به إلى الله سبحانه وتعالى»، أي لا شك أن هذا أعظم وأشد. وهذا الذي يوجد عند بعض المبتدعة، لو أنه فعل هذا الفعل، أنه صفق أو أنه صفر تعبدًا لله، لقلنا: هذا من فعل أهل الجاهلية، ويُذم. لكن انظر إلى ما هو أعظم من ذلك، أنهم أتوا مع التصفير بآلات اللهو والطرب، كالذي يأتي بالطبل، والذي يأتي كذلك بالمزامير، هذا يوجد عند من يحضر الموالد. الموالد في بعض الأماكن، طبعًا الموالد تختلف من بلدة إلى بلدة من حيث الوضعية، من حيث الكيفية، من حيث الصفة، من حيث المهرجانات المعدة لها، فلها أنماط تختلف من بلدة إلى بلدة. لكن في بعض البلدان، هذه الموالد الذي يريدون أن يظهروا فرحهم بمولده عليه الصلاة والسلام، لربما أت، بآلات اللهو والطرب، المزامير، والبوق، والعود، والناي، أي الذي يصفر به، إلى قس، إلى غير ذلك. أليس هذا أعظم وشر من فعل الجاهلية؟ بلى، هذا أعظم. فإذا كان ربنا قد ذم أهل الجاهلية على تصفير وعلى تصفيق، فما ظنك يا عبد الله هو أعظم من ذلك من آلات اللهو والطرب، ويظن أن الفاعل هذا هو يزداد قربًا إلى الله سبحانه وتعالى. ومن نظر كما قلنا، وهذا سيأتي في حينه، في ذكر ما يكون فعله من أهل الجاهلية، أنهم يتقربون إلى الله سبحانه وتعالى بمثل هذه الأفعال، ماذا؟ الدنية كذلك. ومما يختم به هذا المقام من فوائد هذه المسألة: أن نعلم أن المكاء والتصدية، إن قرن به التعبد، فهو شر، وإن لم يقرن به التعبد، فهو لا يجوز. وبهذا ذهب جماعة من العلماء. وبقول أهل العلم على عدم جواز التصفيق وعلى عدم جواز التصفير، أي بحد ذاته، كان به نية التعبد أو لم يصاحب بنية التعبد. وعلى هذا فتاوى العلماء، ومن ذلك ما صرح به اللجنة الدائمة عندما سئلت عما يتعلق بالتصفير والتصفيق أولًا، حول أن يكون في بعض المساجد أن هناك محاضرات أو هناك خطيب يتكلم، وبعد ذلك تختم كلمته بتصفيق يصفق به الحضور. فكانت فتاوى العلماء بتحريم ذلك، وأن هذا لا يجوز، التصفيق بحد ذاته لا يجوز. ثم ذكروا أن ذلك لأمرين اثنين: الأمر الأول أن التصفيق هو من خصائص النساء، وليس من خصائص الرجال. ويؤيد هذا المعنى ما جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عندما أراد الصحابة أن يستفتحوا على نبينا عليه الصلاة والسلام في الصلاة، فإنه أن قضى من صلاته أخبرهم عليه الصلاة والسلام أنهم إن نابه شيء فماذا؟ فليسبح. ثم قال: «إنما التصفيق للنساء»، إنما التصفيق للنساء. فهذا حصر، وحصر نبينا أن عملية التصفيق ما تكون إلا في حق النساء. بل حتى أن جماعة من أهل العلم قال: وهذا يكون للنساء عند الحاجة. بل حتى عند الحاجة، لماذا؟ للعلة الثانية: أن التصفيق هي من عادات أهل الجاهلية، من عادات أهل الجاهلية. وهكذا يقول يا عبد الله، في حق الصفير، التصفير لا يجوز؛ لأنه ماذا؟ لأنه من أعمال أهل الجاهلية، عرف هذا عنهم أنهم يصفقوا وأنهم يصفروا، فلا يجوز لمسلم أن يتخلق بمثل هذه الأعمال وبمثل هذه الأفعال. فهذا، إخواني في الله، فيما يتعلق بهذه الفقرة، فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.