الدرس في شرح مسائل الجاهلية 64، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول المقطع الأول مفهوم الحيل وتصنيفها إلى شرعية وغير شرعية، ويستدل على ذلك بآيات قرآنية وقصص الأنبياء. يبين أن الحيل يمكن استخدامها لمصالح شرعية أو لأغراض دنيئة.
يتحدث المقطع الثاني عن مكر اليهود وتحايلهم على دين الله، حيث كانوا يستخدمون الحيل لإبطال شرع الله. يُظهر أن الجزاء من جنس العمل، وأن الله ينكل بمن يحتال على شرعه.
يُناقش المقطع الثالث خطورة استخدام الحيل للتهرب من أحكام الشريعة وارتكاب المعاصي، ويُوضح أن هذه الحيل تزيد من الإثم وتُعد من خصال أهل الجاهلية.
المقطع الأخير يتضمن دعاءً بأن ينفع الله السامعين ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الثالثة والخمسون: إعمال الحيل للظاهرة والباطنة في دفع ما جاءت به الرسل، كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. هذه الفقرة، إخواني في الله، في بيان خصلة ذميمة من خصال أهل الكفر، ومن خصال أهل الجاهلية، وهي مسألة التحايل على شرع الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: إعمال الحيل، إعمال عمل، عملا بمعنى فعل فعلا عن قصد. وقوله: إعمال الحيل، ما هي الحيل؟ قال حافظ بن حجر رحمه الله تعالى في تعريف للحيل: جمع حيلة، وهو ما يتوصل به إلى المقصود بطريق خفي. فقال: إعمال الحيل الظاهرة والباطنة، أي هذه الطرق الخفية التي يفعلها من يفعلها، أحيانا تكون ظاهرة، مأخوذ من ظهر الشيء، يقال: الذي قد بدا على ظهر الأرض، أي ظاهر علنا. قال: إعمال الحيل للظاهرة والباطنة. وأحيانا قد تكون الحيل الباطنة مخفية. الأصل أن الكفار، إخواني في الله، هم يجاهرون أهل الإسلام بالعداوة، فيحاربون الإسلام ويحاربون أهله بكل ما أوتوا من قوة، لكن أحيانا يلجأون إلى الحيل. فقلنا أن الحيل عبارة عن طرق خفية، توصل إلى المقصود، فيحتاج أهل الكفر وأهل الجاهلية إلى استخدام الحيل. قال رحمه الله تعالى: إعمال الحيل الظاهرة والباطنة في دفع ما جاءت به الرسل. إذن، هذه الحيل التي تستخدم جاءت لهذا المقصد الدني، وهو دفع ما جاءت به الرسل، والدفع بمعنى الرد، دفع قول فلان، أي رد قول فلان. الدفع بمعنى الرد، أي رد ما جاءت به الرسل. فأهل الكفر يستخدمون الحيل لهذا المأرب، لهذا المأرب ألا وهو الصد والإعراض عن شريعة الله سبحانه وتعالى. وهل يمكن أن تستخدم الحيل لغير ذلك؟ نعم يمكن. العلماء عندما يقسمون باب الحيل يذكرون أن الحيل قد تستخدم لمصلحة شرعية. وإلا الغالب على الحيل أنها ما تؤدي إلى الأمر فيه خبث ودناءة، هذا الأصل. لكن أحيانا تكون واستخدام الحيل تكون لأمر مباح بالشريعة. وقد قسم العلماء الحيل إلى حيل شرعية وإلى حيل غير شرعية. فالحيل الشرعية، وأصلها، وأعظم ما يستدل على جوازها، ما جاء في قول تعالى: ﴿وَخُذْ بِيدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾. وخذ بيدك ضغثا هذا في قصة أيوب عليه السلام، في قصة مرضه والضر الذي ابتلي به عليه السلام. كان في كما قال المفسرون في وقت مرضه أنه حلف بالله أنه سيضرب امرأته مئة جلدة أو مئة ضربة لأمر وقع منها في حال مرضه، إن شفاه الله وإن عافاه الله. فلما شف وعوف، أراد أن يبر بقسمه، وامرأته امرأة صالحة محسنة، فماذا كان؟ كيف يضربها بهذه الضربات مئة ضربة؟ فأمره ربنا جل وعلا أن يأتي بحزمة مئة عود، فاضربها ضربة واحدة. قال علماء: هذا من الحيل الشرعية. لكن ضابطها أنه ما كان فيه إثبات للحق، في إثبات لحق ودفع باطل، هذا ضابط الحيل الشرعية. أما أن تكون الحيل مستخدمة كما سيأتي، فيها إثبات الباطل ودفع الحق، هذا لا يجوز. قال كقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ﴾. هذا المكر الذي بدأ به أهل الكفر. وقد قال العلماء التفسير أن هذه الآية كانت في حق عيسى عليه السلام، عندما تآمر عليه بنو إسرائيل، وأرادوا أن يقضوا عليه وعلى دعوته، حينما رأوا أنها انتشرت بين الناس. فما استطاعوا أن يصارحوا، وكانوا اليهود طائفة من اليهود، ما استطاعوا أن يصارحوا بعداوتهم لعيسى عليه السلام، فلجأوا إلى الوشاية، فذهبوا إلى ملك إلى ملك ذاك الزمان، وكان ملكا كافرا، فوشوا إليه أمر عيسى عليه السلام، بأن من فعله كذا وكذا، كذب بهتان إفك، أنه يسعى إلى تجميع الناس، أنه يسعى إلى إحداث زلزلة في المجتمع، أنه رجل أتى بدين جديد وبفكر جديد، أنه حتى رموه في عرضه عليه السلام. فهذا أثار غضب الحاكم، فغضب غضبا شديدا، وأمر من يأمر بإحضاره بإحضار عيسى إليه. فذهب الحرس والجند إلى بيت عيسى، وكان عيسى هناك مع الحواريين. علم عيسى بذلك، ونجاه الله جل وعلا من إحاطة الحرس عليه، إذ أن الله جل وعلا رفعه إليه سبحانه وتعالى. وكان من مكر اليهود أن الله جل وعلا مكر بهم. وهذه من صفات المقابلة، وهي صفات مدح، أن الله جل وعلا إنما يمكر بالذي يمكر به، وهذا ليس مذمة. ليس مذمة المكر بشكل عام، هو محسوب بالذنب، لكن عندما يُعطى المكر لمن يمكر، يستحق المكر، فهذا عدل. قال وقوله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. كذلك قال أهل العلم، أهل التفسير في هذه الآية، هذه حكاية عن أهل اليهود. وهذا الغالب، اليهود ما عرفوا إلا بالمكر، ما عرفوا إلا بالتلاعب والحيل الدنية والتملص بطرق خفية من دين الله جل وعلا، وهكذا الإضرار بدين الله. قال ربنا جل وعلا: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، هم اليهود، آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار، وجه النهار أي أول النهار، الوجه بمعنى الأول، أي أول النهار، وكفروا آخره. قال علماء: كانوا يتفقون فيما بينهم أن يزلزلوا ويزعزعوا من زعم من إيمان أهل الإسلام. كيف ذلك؟ بإلقاء التشكيك فيهم. فقالوا: نؤمن، نؤمن في بداية النهار، نؤمن بأننا من أهل الإسلام، نظهر هذا. بل في بعض كتب التفاسير بقوله تعالى: ﴿أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾، أي صلاة الصبح، نصلي الصبح في جماعة الناس، نظهر الإسلام، حتى يرى من ينظر إليه يقول: ما شاء الله، آمن هؤلاء، آمن الأحبار، آمن اليهود، لينتشر الخبر. نؤمن، فإما على الإيمان العام، وإما على الصلاة، المهم أنهم يظهرون للناس أنهم قد آمنوا بالله. وبعد هذا ماذا؟ قال: ننتظر حتى إذا دخل المساء وانقضى النهار، نرتد ونكفر. ما الفائدة من هذه المسرحية؟ الفائدة أنهم سيلقون التشكيك في قلوب المسلمين. فالمسلم يرى أن هؤلاء أهل الكتاب آمنوا، ما شاء الله، أنظر لهؤلاء كيف دينهم أملأ عليهم أن يؤمن برسول الله، ثم يتفاجأ بأن هؤلاء ارتدوا، فيسألهم: لماذا ارتدوا؟ والله هذا الدين كما هو، ليس بالدين الذي تتوقعناه، دين ضعيف، دين فيه أشياء ما تحمد عقباه، دين، دين. فهذا الخروج مع ذكر هذه التخرصات سيلقي الزعزعة في قلوب أهل الإيمان. فهذا حيلة خبيثة، حيلة خبيثة، دهاء ومكر. ﴿وَكَفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. إذن، هذه الآيات، إخواني في الله، كما أراد المؤلف رحمه الله تعالى، أظهر فيها أن أهل الجاهلية، من يهود ومن غيرهم، أنهم كانوا يصدون عن دين الله جل وعلا باتخاذ الحيل. لكن الجزاء من جنس العمل. الذي يحتال على شرع الله جل وعلا، أمره أعظم، أمره أشد. ولنا عبر بأصحاب السبت. وقد تكلم ابن القيم رحمه الله تعالى عن أمر أصحاب السبت، كيف أن الله جل وعلا نكل بهم، أنكال العظيم، مسخهم قرودا وخنازير. لماذا؟ الجزاء من جنس العمل. أصحاب السبت، احتالوا على الله، لم يأتوا بالنهي صراحة ولا عيانا، إنما تحايلوا يمنة ويسرة، حتى أنهم يأتوا بالمحرم من غير إعلان صريح. فكان ذلك حيلة. فكان الجزاء من جنس العمل. لما أنهم غيروا وجه الأمر، غير الله جل وعلا وجوههم، فمسخهم قرودا وخنازير. لأن أمر الحيلة أعظم. وإذا علم هذا، إذا علم أن اليهود ومن كان على شاكلة اليهود وقعوا في الحيل، إذا ستبلى هذه الأمة بمن سيقتفي أثر هؤلاء، وهذا قد وجد، فوجد من الناس من ينتمي إلى هذه الأمة، فأخذ يتخذ الحيل تلو الحيل لإبطال شرع الله. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام، كما يحسن ذلك بعض العلماء: «لا ترتكبوا ما ارتكبته اليهود». لا ترتكبوا ما ارتكبته اليهود، فتستحل ما حرم الله بأدنى الحيل. فتستحل ما حرم الله بأدنى الحيل. يوجد ناس يأتون إلى المحرمات، لكن لا يظهرون أن هذا هو المحرم، لا، لكن يلبسونه عن طريق الحيلة. يقول أيوب السختياني رحمه الله تعالى، مبينا عظم هؤلاء: «يخادعون الله كما يخادعون صبيانهم». يخادعون الله كما يخادعون صبيانهم. ولو أنهم أتوا الأمر على وجهه، لكان هذا أهوى عليهم عند الله، من أنك تتخذ حيلة على ارتكاب هذا المحرم. ولهذا قال العلماء: أن فعل المحرم ما يزيد المعصية إلا حرمة. فعل المعصية لا يزيد المعصية إلا حرمة. كونك تفعل هذا المحرم، أنت على إثم إثم واحد. لكن إذا اتخذت حيلة لارتكاب هذه المعصية، فإنك على معصيتين، على معصية الذنب، وعلى معصية الحيلة، لما فيها من الاستخفاف بالله سبحانه وتعالى، واختراع الناس بك. وقد تجرأ بعض الناس إلى تأليف كتب في الحيل. وهذه جرأة عظيمة. قام بعض الفقهاء ممن قل ورعهم وقل دينهم وقل فقههم في دين الله، وأخذ يجمع حيلا، يعني حيلا كيف تتخلص من شرع الله بكل صراحة. مثال: قال: إذا أراد أحد أن يهرب من الرجم إذا زنى، قال: إذا كنت ترى أن الرجم حتى الموت، قال: ما عليك إلا أن تسكر ثم تزني. لماذا؟ سيعفى عن حد الزنى، وستعطى حد الخمر، هربت من الرجم. قال: وإذا أراد الرجل أن يترك الحج، قال: فإذا جاء موسم الحج، يأتي بماله ويدفعه إلى ابنه: خذ هذا لك، ما أريده. فإذا جاء موسم الحج، قال: يا إخوان، وين المال؟ ما عندي مال، الله المستعان، مال لابني قد أخذه مني. قال: فإذا ذهب الركب، استرد ماله. وين ماله؟ وإن الركب الله المستعان ذهب، الله المستعان، ما تمكنت يا إخوان. حيلة وذكرت هذا. ومن أراد كما ذكر، من أراد أن يخرج من حد المحاربة والسرقة، قال: إنه يأمر خادمه أن ينقب، ثم هو يأخذ المتاع، أو العكس، أنه هو الذي يحفر، أما المال: تعال عبد، أنت خذ هذا، أفر، أنا ما أخذت المال، العبد أخذ المال، أقيم عليه، أنا بريء، هات المال، المال له العقوبة عن عبد. وهكذا استفاض بعض العلماء ذكرها، مثل هذه الأقوال. هذا الكتاب، قال عنه عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: قال عن هذا الكتاب، وعن أمثاله: «من وضع هذا الكتاب فقد كفر، ومن سمع بهذا الكتاب ورضي به فقد كفر، ومن وجد عنده هذا الكتاب ورضي به فقد كفر». هذا هو الكفر. كفر هذا ما معنى الكتاب؟ هذا أن الكتاب ما من معصية ستبقى لك ستحرم عليك، ما من معصية ستأتيها، ستأتي هذا بحيل، حيل، حيل. وما من واجب لست تركه، تأتيك الصلاة، ستترك الصلاة، يأتي، الصيام، ستترك الصيام. يمكن أن تفعل ما شئت، كما يقول بعض علماء: كان من أراد إذا أراد أحد أن يتفلت من صيام رمضان، يقول: سهل، اركب السيارة، اركب المركوب، واذهب إلى مسافة سفر وارجع، قل: أنا مسافر الآن، جئت من سفر، هات الماء واشرب، اشرب. رمضان عليك عبر، رمضان على هذا الحال. هذا معاصي، هذه معاصي، ما تزيد صاحبه إلا جرما، إلا جربا عند الله سبحانه وتعالى. وذكر ابن القيم كذلك، عندما ذكر مثل هذه الحيل: «من فعل هذا فقد قلب الإسلام ظهرا عن بطن، ونقض عرى الإسلام عروة عروة». فالحيل يا عبد الله أمرها عظيم. ومن كانت عنده حيل، فقد شابه اليهود. والأسف، كم نجد من الناس من احتال على شرع الله، واحتال حتى على عباد الله. تجد من أراد أن يمرر دعوته على الناس، ووجد أنه إذا تسمى باسم الجماعة الفلانية أو الدعوة الفلانية، مقتوه الناس، فما الأمر؟ ما الحيلة؟ ارفع شعار أهل السنة: نحن أهل السنة، ومن أبعد الناس عن مذهب أهل السنة. والأعجب من يتسمى باسم السلف: كتب السلف، ونحن على منهج السلف، ونحن على تيار السلف، سلف، سلف. وإذا رأيتهم، تجد من أبعد الناس عن السلفية. لكن حيلة يستخدمونها. لكن تقل: لا يا عبد الله، فإن الله جل وعلا بالمرصاد لمثل هؤلاء. لو أنك تأتي لما حرم الله عيانا، لكان أهوى لك. أما أنك تبرر هذه المعاصي بشيء من دين الله، فهذا هو الجرم الأكبر، والجرم الأعظم. قال رحمه الله تعالى: إعمال الحيل، أي من خصال أهل الجاهلية، إعمال الحيل الظاهرة والباطنة في دفع ما جاءت به الرسل. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.