مسائل وأحكام عشر من ذي الحجة 3

مسائل وأحكام عشر من ذي الحجة 3

الدرس في مسائل وأحكام عشر من ذي الحجة 3، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل الأعمال الصالحة في العشر من ذي الحجة

يُشدد على أهمية الأعمال الصالحة في العشر من ذي الحجة، خاصة صيام يوم عرفة الذي يكفر ذنوب سنتين. يُستحب صيام العشر كلها لمن استطاع.

حكم صيام العشر من ذي الحجة وقضاؤها

اتفقت المذاهب الأربعة والظاهرية على استحباب صيام العشر، ويمكن قضاء أيام رمضان الفائتة فيها لتحصيل الأجر المضاعف. يُستحب صيامها لمن قدر عليها.

التكبير في العشر من ذي الحجة وأنواعه

التكبير نوعان: مطلق ومقيد. المطلق يبدأ من أول العشر ويكون في أي وقت، والمقيد يكون بعد الصلوات ويبدأ من صباح يوم عرفة.

ختام الحديث عن الأعمال الصالحة في العشر

يختتم بالتأكيد على أهمية الأعمال الصالحة ويطلب من الله النفع بما قيل، ويشير إلى أعمال أخرى ستذكر لاحقًا.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، خانف الله فيما مضى في مثل هذا المقام، كان العروج إلى مسألة الأيام العشر من ذي الحجة، وكان مما مر معنا في دروس خلت ما يتعلق بفضيلة هذه الأيام، والتي نحن عما قريب سنكون من أهلها، ونخوض في غمارها، ونتفيأ من ظلها. وننتقل حينها، إخواني في الله، في هذا المقام إلى مبحث ثاني من مباحث أيام العشر من ذي الحجة، ألا وهي ما هي الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها كل مسلم ومسلمة في أدائها، اغتنامًا لفضل أيام العشر. قد مر معنا أن الأعمال فيها تضاعف، وأن الأعمال فيها محبوبة محمودة عند الله سبحانه وتعالى، لذا ما هو الأمر وما هو العمل الذي ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يحرص عليه؟ الجواب، إخواني في الله، الأعمال في هذا الباب كثيرة وكثيرة جدًا، والمقصود بالعمل الصالح وكل عمل يقربك إلى الله جل في علاه. إلا أنه قد جاءت الأدلة العامة والخاصة على تخصيص بعض الأعمال بالأفضلية، ولهذا في مثل هذه الأوقات سنتباحث ونتذاكر وإياكم بذكر أهم الأعمال التي ينبغي أن يحرص عليها المسلمون في أيام العشر من ذي الحجة. ومن هذه الأعمال، إخواني في الله، ما يكون من عمل الصيام، فهو من الأعمال الفاضلة، وهو يعم ويعمه قوله عليه الصلاة والسلام: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام». فالصيام يعتبر من أفضل الأعمال التي يحرص عليها المسلم في أيام العشر من ذي الحجة، وخصوصًا ما يكون من صيام يوم عرفة، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة، فله فضل خاص وله أجر مميز، يكفر الله جل وعلا به ذنوب سنتين. وعلى القول الصحيح كذلك، فإنه يشرع أن تصوم العشر كلها، ليس فقط اليوم التاسع. اليوم التاسع هذا إن ضعفت ولم تستطع على صيام شيء من ذي الحجة، فلا أقل في أن تصوم التاسع. لكن إن قويت، إن قدرت على صوم شيء من أيام الحج، فعليك، يا عبد الله، أن تصومها كلها إذ استطعت لذلك سبيلًا، وذلك لما أثر من هديه ومن سنته، كحديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام بأن رسول الله كان يصوم التسع من ذي الحجة. وهذا الحديث من طريق هنيدة بن خالد وهو مختلف في صحبته، كما حكى ذلك أبو نعيم رحمه الله تعالى. أما امرأته فقد قال الحافظ بن حجر بأنها صحابية، ثم امرأته صحابية وقد سمعت هذا الحديث من أزواج رسول الله عليه الصلاة والسلام. وإن كان من أهل العلم من أعلى هذا الحديث، كالإمام الزيلعي والتركماني والإمام الشوكاني والمنذري أعلوا هذا الحديث، إلا أن جهابذ من أهل الشام قد قالوا بتصحيحه وتحسينه، كالإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهكذا الإمام السيوطي، وهكذا العلامة الألباني، فقد رجح صحة هذا الحديث لما كان من بعض طرقه. فهذا الحديث من الناحية الإسنادية، فالراجح فيه الصحة والحسن. وإن رأينا وإن ذهبنا إلى المسألة من الناحية الفقهية، فإنك، يا عبد الله، ستجد أن المذاهب الأربعة، أن المذاهب الأربعة كلها تؤيد صيام العشر جميعًا، في المذهب الشافعي والحنبلي والمالكي والحنفي. هذه المذاهب الأربعة قد صرحت بمشروعية واستحباب صيام العشر من ذي الحجة جميعًا، بل حتى المذهب الخامس الظاهري، مع أن بن حزم الظاهري رحمه الله تعالى عنده عليه ما عليه من الملاحظات في مذهبه، إلا أنه مع ذلك قال: «ويستحب صيام العشر من ذي الحجة». فالمذاهب الأربعة ويضاف على ذلك مذهب الظاهرية، كل هؤلاء توافقت على أن أيام العشر من ذي الحجة يستحب صيامها. فيا عبد الله، إذا كان عندك قدرة على صيام هذه الأيام جميعًا، فصمها، فالأجر في ذلك مضاعف. صحيح أن الجو هذه الأيام يعج بالرطوبة والحرارة، ولكن من يتصبر يصبره الله، والمعونة من الله تأتي على قدر العبد، والمعونة من الله تأتي على قدر العبد على همته وعلى نيته. والله يعينك إذا ما استطعت، يا عبد الله، لهذه الأيام جميعًا صيامًا، فلا أقل، يا عبد الله، أن تصوم يومًا أو تترك يومًا أو تحرص على صوم الاثنين والخميس من هذه الأيام. وإن لا فلا أقل أن تصوم اليوم التاسع من ذي الحجة. هنا مسألة، إخواني في الله، يسأل عنها بعض الناس، يقول بعض الناس: أنا علي أيام من قضاء رمضان، هل لي أن أقضيها في أيام العشر من ذي الحجة؟ نعم، هذه المسألة وقع فيها خلاف بين السلف. وقع فيها خلاف بين السلف حول مشروعية صيام قضاء رمضان في هذه الأيام أم لا، ولا قول راجع في هذه المسألة ما ذهب إليه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه من مشروعية ذلك. بل الذي نقل عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يستحب أن من كان عليه قضاء من رمضان أن يؤخرها إلى أن تأتي الأيام العشر من ذي الحجة فيقضيها فيها. كان هذا مما أثير عن عمر أنك تؤخر القضاء حتى تأتي هذه الأيام فتقضيها، لماذا؟ حتى تتحصل على الأجر المضاعف. ولهذا فإن كانت إمرأة مثلًا عليها أيام من رمضان أو رجل كان لمرضه، فإن قال: هل يجوز؟ الجواب: نعم يجوز، فيجوز أن تصوم العشر من ذي الحجة بنية قضاء رمضان. فهذا العمل، يا إخواني في الله، من الأعمال التي جلت جاءت بها الأدلة، أو قل دارت عليها أقوال الأئمة على استحبابها استحبابًا شديدًا مؤكدًا لمن قدر على ذلك. العمل الثاني، إخواني في الله، مما يذكر في هذا المقام أيضًا، ومن الأعمال المحبوبة والمحمودة عند الله جل في علاه في أيام العشر، الإكثار من تكبير الله، الإكثار من تكبير الله سبحانه وتعالى. فالأيام العشر مما يشرع فيها التكبير، ومما ينبأ عليه في هذا المقام، إخواني في الله، في قضية التكبير، علينا أن نعلم أن التكبير على قسمين اثنين: تكبير مقيد وتكبير مطلق. فالمقصود بالمقيد والمطلق، المقيد هو الذي يكون بعد الصلوات، وأما التكبير المطلق فهذا الذي يكون في كل وقت من ليل أو نهار. فالأيام العشر من ذي الحجة إذا بدأت، فمنذ أن يهل عليك الهلال، يا عبد الله، فإنه من سائر أيام العشر، الأوم والثاني والثالث، هذه الأيام جميعًا يشرع لك أن تكبر، يشرع لك أن تكبر التكبير الذي لا يتقيد بوقت من الأوقات، تكبر الله جل وعلا في كل الأوقات، ولا يكون بعد الصلاة، وإنما في أي وقت يتسنى لك التكبير ليلًا ونهارًا، صبحًا ومساءًا. هذا يسمى التكبير المطلق، وهذا مما يغفل عنه الناس كثيرًا، أنهم تمر عليهم هذه الأيام فلا يكبرون. هذا يسمى التكبير المطلق، وهو الذي يبتدأ من أول العشر من ذي الحجة. وأما التكبير المقيد، فهو التكبير الذي يكون بعد الصلاة، كما تعاهد الناس على أن يكبروا «الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد». هذا الذي يؤتى به بعد الصلاة، فهذا عن القول الصحيح يبتدأ من صباح عرفة، من صباح يوم عرفة، يبدأ الناس بالتكبير بعد الصلوات، ثم إلى آخر أيام التشريق. فهذا هنا يبتدأ التكبير المقيد، أما التكبير المطلق، وهذا الذي أريده، هو الذي يبتدأ من أول أيام العشر من ذي الحجة. وقد كان هذا من هدي السلف، فقد روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث ابن عمر، أو من قول ابن عمر، ومن فعل أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، أنهما كانا يخرجان للأسواق، ما قصدهما وما همهما، ما كان للتبضع وما كان همهما للتسوق، لا وإنما كانا يخرجان إلى الأسواق فيكبران فقط، فيكبر الناس بتكبيرهما. فذكر ذلك ميمون بن مهران رحمه الله تعالى، قال: «أدركت الناس وهم يكبرون الله في الأيام العشر». أي هذا مما أثر عن الأوائل، لكن في هذه الأزمان كما ترى، لا أحد يكبر إلا من رحم الله. إذن، يا عبد الله، التطبيق الفعلي لهذا العمل الصالح هو أن تجعل لسانك رطبًا من كثرة التكبير. متى تكبر؟ كما شئت، في مدخلك في مخرجك، كبر وأنت في بيتك، كبر وأنت في محلك، كبر، أنت مدرس، أنت طالب في صفك، كبر، أنت مزارع في برك وفي مزرعتك، كبر، أنت في بحرك، كبر وأنت تقود السيارة أو الدراجة، كبر، كبر يا عبد الله: «الله أكبر الله أكبر» إلى آخره. قد تجد أحيانًا نعم في الإذاعة والمذياع من يأتي بالتكبير، فهذا حسن، لكن لا تجعل لك تكبير الذي تسمعه على حساب أنك تسكت، لا، كبر، كبر كذلك في بيتك وعند أهلك وعيالك. فهذا، إخواني في الله، من الأعمال الصالحة التي ينبغي أن يحرص عليها المسلمون في أيام العشر من ذي الحجة. وبقيت أعمال أخرى يأتي ذكرها إن شاء الله في دروس قادمة. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.