الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 47، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستعرض المقطع أحاديث نبوية تحث على إجراءات السلامة في المنازل كإطفاء النار وتغطية الأواني وإغلاق الأبواب، مبيناً حكمتها في حفظ الأنفس والأموال، ومطبقاً ذلك على مخاطر الكهرباء والغاز المعاصرة.
يتناول المقطع النهي عن التكلف مبيناً حقيقته وآثاره السلبية في العبادة والعلم، مستدلاً بآيات وأحاديث وآثار السلف، ومؤكداً على جواز قول "الله أعلم" عند الجهل كما فعل الأئمة.
يحذر المقطع من التسرع في الفتوى والتحليل والتحريم بلا دليل، مستشهداً بورع العلماء كالإمام ابن باز، وموضحاً الفرق بين الكراهة الشخصية والتحريم الشرعي عبر قصة الضب، داعياً للإخلاص وتجنب طلب الجاه.
يختتم المتحدث الجلسة بالصلاة على النبي وآله والحمد لله مع التأكيد على أن الله أعلم، ثم يشكر الحضور على حضورهم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: باب النهي عن ترك النار في البيت عند النوم ونحوه، سواء كانت في سراج أو غيره. وهذا النهي يعتبر من الأمور التي متى اجتنبها المسلم كان من أسباب السلامة والوقاية. فكم حصلت من الحوادث والكوارث بسبب التساهل في مثل هذه المناهي الشرعية! كم احترقت بيوت على أهلها، فذهب ضحيتها أطفال رضع، أو شيوخ ركع، أو غيرهم من الشباب، وهكذا من الأقوياء. قال رحمه الله تعالى: قال عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتركوا النار في بيوتكم حين تنامون». قال: متفق عليه. وقال: وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: احترق بيت بالمدينة على أهله من الليل. قال: فلما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم بشأنهم قال: «إن هذه النار عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها». قال: متفق عليه. وقال: وعن جابر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «غطوا الإناء، وأوكئوا السقاء، وأغلقوا الباب، وأطفئوا السراج، فإن الشيطان لا يحل سقاء، ولا يفتح بابًا، ولا يكشف إناءً. فإن لم يجد أحدكم إلا أن يعرض على إنائه عودًا ويذكر اسم الله فليفعل، فإن الفويسقة تضرم على أهل البيت بيتهم». رواه مسلم. الفويسقة: الفأرة. وتضرم: أي تحرق. وهذه الأحاديث الواردة في هذا الباب تدل على حرص الإسلام على حفظ مصالح الناس، سواء كانت المصالح دينية أو كانت المصالح دنيوية. وهكذا أيضًا فيه الأمر بإطفاء النار، وهذا أعم من نار السراج، بل يتعدى لكل ما يشتعل من الأمور التي فيها النار، لأن ذلك ربما أدى إلى الاحتراق، أو في بعض الأحيان يؤدي إلى الاختناق. وهذه النار كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عدو لنا، فكم هي المخاطر وكم هي الشرور التي قد تصيب الإنسان بسببها! حتى في زمننا هذا، كم حصلت التماسات الكهرباء، وكم حصلت انفجارات المكيفات وغيرها بسبب الربط العشوائي، وهكذا أيضًا بسبب عدم الانضباط والانتظام في تشغيل هذه الأجهزة والمواد الكهربائية. كم أحرقت الكهرباء أطفالًا، وكم أحرقت نساء، وهكذا رجالًا. فالواجب التعامل معها بحذر شديد. يخرج بعض الناس من بيوتهم إلى الأسواق، إلى الأعمال، ويترك المكيفات تشتغل، ويترك لربما بعض الأجهزة الأخرى تشتغل، وعندها قد يقع ما لا يحمد عقباه. كذلك أيضًا ما يتعلق بالغاز والتعامل مع أسطوانات الغاز. وهذه آلات الوقود والاشتعال ينبغي يا إخوان أن يكون الشخص حذرًا، وأن يعمل بأسباب السلامة. فالتساهل والتفريط والتهاون في مثل هذا قد يجر الويلات، وهكذا يقع بسببه الكوارث التي لا تحمد عقباها. أيضًا تضمنت هذه الأحاديث استحباب تغطية أوعية الطعام. لا تترك الوعاء الذي فيه طعام مفتوحًا، غطِّ الوعاء. وهكذا: أوكئوا السقاء. قديمًا يستخدمون القرب، ويوضع على فم القربة وكاء، أي حبل تربط به وتشد به. اليوم خزانات المياه، يتركها البعض مكشوفة ومفتوحة، عرضة للتلوث، عرضة لكي يقع فيها بعض الحيوانات. تأتي هرة فتسقط فتموت بداخلها، أو يأتي طير فيقع بداخلها، يتلوث ويتنجس ويفسد الماء، فيصيب أهل البيت بالأمراض والأوبئة. وهكذا تأتي الأوساخ والجراثيم والحشرات وغيرها. فلذا يا إخوان، أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بإيكاء الأسقية، ويدخل في هذا الأسقية التي نتعامل بها نحن اليوم. أيضًا إغلاق الأبواب: تغلق الباب وتذكر اسم الله، فهذا يعتبر من الأمور التي تحفظ بها البيوت من اللصوص، وهكذا من الشياطين والجن. وإذا أغلق الشخص بابه اطمأن وارتاح وأمن. ويلاحظ في هذه الأحاديث أن الإسلام حرص على إبطال مكائد الشياطين بكل صورة من صور الكيد، ومن أي باب من أبواب الفساد. فديننا يدعونا إلى أن نتحرز ونتعوذ من كيد الشياطين وشرهم. كذلك أيضًا في حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن ذكر اسم الله يحول بين الشيطان وبين فعل هذه الأشياء. ومن لم يذكر اسم الله عز وجل على هذه الأشياء دل ذلك على أن الشيطان قد يتمكن، وإذا تمكن آذى وأضر وأفسد. قال رحمه الله تعالى: باب النهي عن التكلف. قال: وهو فعل وقول ما لا مصلحة فيه بمشقة. التكلف: قول وفعل ما لا مصلحة فيه بمشقة. يعني هذا القول أو هذا الفعل لا يقع إلا بمشقة، ومع هذا ليس هناك مصلحة فيه، فهذا يعتبر تكلفًا. قال: قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. وقوله سبحانه: ﴿قُلْ﴾ أي: محمد لهم، أي لهؤلاء المشركين: ﴿مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، يعني هذا البلاغ حين أدعوكم وأنصح لكم وأرشدكم لا أريد من وراء هذا عرضًا من أعراض الدنيا، مالًا أو جاهًا أو منصبًا أو غيرها، وإنما العمل لله تبارك وتعالى. وهذا هو منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله عز وجل، وهكذا أتباع الأنبياء: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وهذا يتضمن الإخلاص لله تبارك وتعالى. قال: وعن عمر رضي الله عنه قال: نهينا عن التكلف. رواه البخاري. وقول الصحابي: نهينا عن كذا، أو أمرنا بكذا، ماذا يسمى؟ ماذا يسمى يا أبا حاطب؟ قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، كقول عمر هنا: نهينا عن التكلف، وكقول أنس: أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة. إذن ماذا يسمى؟ مرفوع. ماذا؟ صريحًا أم حكمًا؟ نعم، أحسنت. نعم يا باتميم: مرفوع حكمًا. وما صورة المرفوع صريحًا؟ وما صورة المرفوع صريحًا يا أبا عبد الله؟ نعم: قول الصحابي: سمعت رسول الله، قال: قال رسول الله، وهكذا نحوها. وعمر هنا يقول: نهينا، والناهي لهم هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، عن التكلف. وهذا فيه كراهة التكلف والتنطع. ومن ذلكم: كثرة السؤال لغير ما حاجة، ولغير ما مصلحة. والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في حديث أبي هريرة قال: «فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «هلك المتنطعون، هلك المتنطعون، هلك المتنطعون». قال: وعن مسروق، ومسروق أحد أعلام التابعين. قال: دخلنا على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فقال: يا أيها الناس، من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم، فإن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم. قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾. رواه البخاري. وهذا يا إخوان فيه النهي عن التكلف في المسائل العلمية، وهكذا أيضًا التعنت في الاستفسار وغيره. وهكذا أيضًا ينبغي على العالم وطالبي العلم إذا سئل عن شيء لا يعلمه ألا يوقع نفسه في الحرج، ولا يوردها الموارد والمهالك. فمن العلم أن يقول لما لا يعلم: الله أعلم. وكما مر معنا في حلية طالبي العلم وغيره ما جاء عن علي قال: «ما أبردها على الكبد، ما أبردها على الكبد، ما أبردها على الكبد». قيل: ماذا؟ قال: أن يسأل الرجل عما لا يعلم فيقول: الله أعلم. جاء رجل إلى الإمام أبي عبد الله مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، أتى من مكان بعيد يحمل معه أسئلة استفسارات، فيسأل الإمام مالك، والإمام مالك يقول: لا أدري. السؤال الثاني، الإمام مالك يقول: لا أدري. تعجب الرجل، قال: يا إمام، ماذا أقول للناس؟ الناس ينتظرون جوابًا منك. قال: ارجع فاصعد على مكان عالٍ وقل لهم: مالك يقول لا أدري، مالك يقول لا أدري. أذه يا إخوان، تربية من العلماء لطلاب العلم. يسأل ابن باز عن مسألة فيقول: لا أدري، وهو إمام الدنيا في عصره. يسأل غيره من العلماء الكبار فيقول: لا أعلم، تراجع، ينظر فيها، ماذا عندك يا فلان؟ فهكذا هو الورع، وهكذا ينبغي أن يكون أهل العلم. البعض قد يتحرج، يقول: إذا قلت: الله أعلم، سيقولون: هذا ماذا؟ هذا ما هو مستفيد، هذا ما عنده علم، فلان أعلم منه. دعهم يقولوا ما يقولوا، ولا تورد نفسك الموارد والمهالك. وينبغي على السائل أن يراعي حال المسؤول، لا يحرجه، ولا يسأله أسئلة لربما يجتمع لها اللجنة الدائمة، يتفرغوا من أعمالهم ويجتمعوا لكي يجيبوا عن مثل هذه الأسئلة. فليس من السهل يا إخوان أن يقول المرء على الله بغير علم. وجرأ يا إخوان قد تكون لدى بعض طلاب العلم وطالبات العلم، قرأ مسألة، وأن هذا لا يجوز، صعد على المنبر، أو المرأة في مجمع النساء: حرام، لا يجوز، حرام، لا يجوز. ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب: هذا حلال، وهذا حرام، لتفتروا على الله الكذب. ألف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى إعلام الموقعين... أو بالقيم؟ بالقيم. نعم، ألف شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى كتابًا من أنفس كتبه يقع في أربعة أجزاء، في أربعة مجلدات متوسطة، سماه: إعلام الموقعين عن رب العالمين. المفتي موقع عن الله عز وجل، موقع عن الله عز وجل. وهنا يا إخوان تقع الفتن والمشاكل: هذا يحلل، وهذا يحرم، وهذا يبيح، وهذا يمنع. ولربما كان سبب ذلك هو أن الإنسان لا يحب هذا الشيء، لا يحب هذا الشيء. النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالضب. ما هو الضب؟ تعرف الضب يا أبا العباس؟ يا العبيد تعرف الضب؟ وهل أكلته؟ لم تأكله. طيب. أتي بالضب، حيوان معروف يعيش غالبًا في الصحاري والقفار والأماكن البعيدة، فأتي به فلم يأكله. قيل: أحرام هو؟ قال: لا، لم يكن بأرض قومي أقذه. خالد بن الوليد وأكله أمام النبي صلى الله عليه وسلم. ليس كل ما تكره فإنه حرام، لأن مزاج الإنسان ليس هو الميزان في الحرام والحلال. كبار السن لا يحبون بعض الأشياء المباحة، بينما صغار السن والشباب قد يكون ذلك من الأمور المستحبة عندهم. هل يأتي كبير السن يقول: يا شباب، اتقوا الله، ما يصلح؟ لماذا لا يصلح؟ لأنك لا تشتهيه، أو لأنك لا تحبه، أو لأنك لا تستطيع. وهكذا في النساء: امرأة كبيرة في السن في الأربعين أو الخمسين تأتي تنكر على البنات الصغار مثلًا التجميل والزينة ولبس الملابس المباحة وغيرها من الأمور المشروعة. هذا ما يليق. أنت طالبة علم، أنت مدرسة. طيب، المدرسة وطالبة العلم، أليست مسلمة؟ لها حق أن تتزين، ولها حق أن تلبس، ولها حق أن تستمتع بما أباح الله لها. ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾. ما يجوز يا إخوان التكلف في هذه الأبواب بالتحليل والتحريم، أو المنع والحظر، إذا لم يكن هناك دليل يدل على ذلك. ومن تكلم في مسألة يا إخوان، ألا فليعد لها جوابًا إذا وقف بين يدي الله عز وجل. الدنيا يا إخوان هذه فانية، وجاهها ومناصبها وأموالها سرعان ما تذهب، ولا يبقى إلا الإخلاص، ولا يبقى إلا العمل الصالح الذي أحسن فيه صاحبه. فمن أعظم الأبواب يا إخوان هو البعد عن التكلف. وهذه تعتبر دروسًا لطلاب العلم وطالباته. ترجع إلى بلدك فيجتمع الناس حولك، فيفتن الواحد بحب الوجاهة والسمعة، والناس تحسن الظن به، فيسأله. من علم كما قال ابن مسعود: أيها الناس، من علم شيئًا فليقل به، ومن لم يعلم فليقل: الله أعلم. أسأل المولى عز وجل أن يرزقنا علمًا نافعًا وعملًا صالحًا يقربنا إليه، وأن لا يجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين. والله تعالى أعلم. بعض ببعض ببعض ببعض. شكرا