كتاب الأمور المنهي عنها 46

كتاب الأمور المنهي عنها 46

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 46، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

آداب قضاء الحاجة والشرب وكمال الدين الإسلامي

يشرح المقطع حديث أبي قتادة الناهي عن الاستنجاء باليمين والتنفس في الإناء، مبيناً أن اليمين مكرمة للطاهرات والشمال للاستقذار. كما يوضح هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الشرب على ثلاثة أنفاس مع إبعاد الإناء، دلالة على كمال الدين واهتمامه بأدق تفاصيل النظافة.

النهي عن المشي في نعل واحدة وسيرة أبي هريرة رضي الله عنه

يتناول المقطع النهي عن المشي بنعل واحدة مع بيان الواجب في لبس النعلين أو خلعهما، وحكم انقطاع الشسع أثناء المشي. ثم يستعرض سيرة أبي هريرة رضي الله عنه ومدة صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم، وحرصه على طلب العلم وتحمل الجوع قدوة لطلاب العلم.

آداب لبس النعل والانتعال قائماً وتفصيل الأحكام

يستعرض المقطع آداب لبس النعل مفصلاً النهي عن المشي بنعل واحدة لحماية القدمين وتجنب الاختلال، ويبين كراهة الانتعال قائماً للنعل التي تحتاج تعباً ويجوز للسهلة. مستدلاً بأحاديث نبوية وأقوال العلماء في تفصيل هذه الأحكام.

الخاتمة والدعاء بالتوفيق والهداية

يختتم المتحدث الدرس بالدعاء للحضور بالتوفيق والهداية، والصلاة على النبي محمد وآله، مختتماً بالحمد لله رب العالمين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: «باب كراهة الاستنجاء باليمين، ومس الفرج باليمين من غير عذر». قال رحمه الله تعالى: قالوا عن أبي قتادة رضي الله عنه: ما اسم أبي قتادة؟ ما اسم أبي قتادة؟ الحارث، الحارث بن ربعي الأنصاري. أحسنتم. قال: عن أبي قتادة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه، ولا يستنجي بيمينه، ولا يتنفس في الإناء». قال: متفق عليه، وفي الباب أحاديث كثيرة صحيحة. وهذا الحديث اشتمل على ثلاث مسائل: المسألة الأولى: ألا وهي أنه عند البول لا يجوز أن يمسك الرجل ذكره بيمينه أثناء البول، فذلك لا يجوز؛ فاليمين مكرمة، اليمين مكرمة، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن هذا الأمر. أثناء البول يمسك ذكره بيمينه، هذا منهي عنه، وإنما إذا احتاج فليمسك ذكره بشماله. الأمر الثاني: عدم الاستنجاء باليمين، وإنما الاستنجاء يكون بالشمال، فهي لذلك لمثل هذه الأمور التي فيها شيء من الاستقذار وغيره. وقد يحتاج الإنسان أثناء الاستنجاء أن يمسك ذكره بيمينه، قد يحتاج إلى ذلك، لكن ماذا؟ لا يكن الاستنجاء بها، استعمل اليمين في رش الماء، واليسار في الاستنجاء. أما حال البول فلا يجوز أن يأخذ ذكره بيمينه. المسألة الثالثة: قال: «ولا يتنفس في الإناء»، أي عند الشرب، وإنما إذا أراد أن يتنفس أبعد الإناء، فكان نفسه خارج الإناء. وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الشرب أن يجعله على ثلاثة أنفاس: يشرب، ثم يبعد الإناء ويتنفس، ثم يشرب مرة أخرى، فيبعد الإناء ويتنفس، ثم يشرب ما بقي. وهذا يعتبر من مكارم الأمور ومحاسنها فيما يتعلق بباب الشرب، وما سبق يتعلق بباب قضاء الحاجة. وهذا إن دل على شيء، دل على كمال هذا الدين، وأن الله تبارك وتعالى أكمل لنا هذا الدين، فما قبض عليه الصلاة والسلام إلا وبعد أن بيّن للأمة ما يقربها إلى الله عز وجل، وهكذا بيّن لها ما يكون سبباً في بعدها عن الله وغضب الله عليها، وحثها على فعل الخير وترك الشر. ولهذا المشركون حين قالوا لسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه: «علمكم نبيكم كل شيء حتى الخراءة؟» يعني: ما يفعله الشخص إذا أراد أن يقضي حاجته. قال: أجل، بكل فخر يا إخوان، بكل اعتزاز، برأس مرفوعة أمام الكفار، قال: أجل، علمنا كل شيء حتى الخراءة، نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستدبرها، وأن نستجمر بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستجمر برجيع أو عظم. وهذا يا إخوان يدل على أن الإسلام دين النظافة، وأنه حرص على البعد عن الأمور المستقذرة. ولذلك يا إخوان، انظروا كيف خصص للأشياء المحترمة، للأشياء المكرمة اليمين، وجعل اليسار للأشياء المستقذرة. قال رحمه الله تعالى: «باب كراهة المشي في نعل واحدة، أو خف واحد لغير عذر، وكراهة لبس النعل والخف قائماً لغير عذر». قال رحمه الله تعالى: قال عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يمشي أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعاً، أو ليخلعهما جميعاً». قال: وفي رواية: «أو ليحفهما جميعاً». قال: متفق عليه. وقوله عليه الصلاة والسلام هاهنا: «لا يمشي أحدكم في نعل واحدة»، إذن النهي عن لبس نعل واحدة، سواء كانت اليمين أو كانت الشمال. وقوله: «لينعلهما جميعاً»، أي: ليلبس كلتا الرجلين نعلاً، أو ليخلعهما جميعاً، أي: ينزع النعلين معاً، ويمشي حافياً. وهذا معنى قوله: «أو ليحفهما جميعاً». يحصل أحياناً أن الشخص أثناء مشيه تنقطع إحدى النعلين، فلا يستطيع أن يمشي بها، ماذا يفعل؟ إذا خلعها فليخلع معها الثانية، وليمشي حافياً. يخرج أحياناً من المسجد أو من غيرها من المواضع، فلا يجد إلا نعلاً واحدة، بحث عن الأخرى فما وجدها، ماذا يفعل؟ هل يمشي في نعل واحدة؟ الجواب: لا. إن احتاج أخذ ما تبقى من النعلين بيده، ومشى حافياً. واختلفت عبارات العلماء في النهي عن المشي في النعل الواحدة، فبعضهم يجعل ذلك أنه يكمل في مشيته، فلا يميل أثناء المشية، فيتضرر بسبب ذلك، أو يمشي مشية لا تليق به. وذكر بعضهم أن هذا يعتبر من باب العدل بين الرجلين، فيلبسهما معاً وينعلهما معاً، أو أنه يحفيهما معاً، أن يمشي حافياً بهما معاً. قال رحمه الله تعالى: قال: وعنه، من هو يا أبا طاهر؟ معنا من هو؟ وعنه، ما اسمه؟ عبد الرحمن بن صخر. هذا كما سبق معنا على الأشهر والأقرب في اسمه واسم أبيه، وإلا فالعلماء مختلفون في اسمه واسم أبيه. وقد ذكر الإمام الحاكم رحمه الله تعالى في كتابه «المعرفة» ذكر ما يزيد على ثلاثين قولاً، أشهرها وأقربها أنه عبد الرحمن بن صخر، حافظ الصحابة، كما ذكر الذهبي رحمه الله تعالى، قال: «والحفاظ درجات، ذروتهم أبو هريرة». وكما سبق، أبو هريرة يعتبر نموذجاً ومثالاً لطالبي العلم المجتهد، الصابر على طلب العلم وأخذ الحديث، وقد جمع هذه الأحاديث الكثيرة مع أنه لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم إلا سنين قليلة. كم صحب النبي صلى الله عليه وسلم يا أبا فواز؟ أبو هريرة كم صحب النبي صلى الله عليه وسلم؟ طيب، أحسنت. نعم يا أبا خالد: أربع سنوات، سنوات. أبو هريرة عام خيبر، وصحب النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن توفاه الله عز وجل. وبسبب حرصه على الحديث، وحرصه على العلم، ودعوة النبي صلى الله عليه وسلم له، جمع من الأحاديث الشيء الكثير. وكم يا إخوان صبر على الجوع؟ يغمى عليه ويغشى على أبي هريرة، ويأتي الأعرابي الذي لا يعرفه فيضع قدمه على رقبة أبي هريرة، يظن أن أبا هريرة ماذا؟ يظن أنه مجنون. قال: وما بي جنون، ما بي إلا الجوع. أين طلاب العلم اليوم؟ من يغشى عليه من شدة الجوع، من شدة الجوع؟ اليوم يا إخوان تيسر لطلاب العلم ما لم يتيسر لمن كانوا قبلنا، لمن كانوا قبلنا. وقد مر معنا في تراجم بعض علمائنا السابقين الراحلين شيء من الصبر على طلب العلم، ومن ذلك ما كان في حياة شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله تعالى حين أن طلب العلم باليمن، وهكذا بعد أن رحل إلى المملكة، سواء في فترة دراسته في جنوب المملكة، أو دراسته بالرياض، أو بعد ذلك دراسته بمكة، وآخر ما آل إليه استقراره بالمدينة. وهكذا غيره من العلماء، في ترجمة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى، وكيف كان الشيخ ابن باز يرى حالة طلاب العلم، فكان يأخذ معه الشخص والشخصين والمجموعة إلى بيته فيطعمهم، وهكذا غير ذلك. قال: وعنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا انقطع شسع نعل، أو شسع نعلي أحدكم، فلا يمشي في الأخرى حتى يصلحهما». قال: رواه مسلم. والشسع هو أحد سيور النعل، ومدخل الأصابع من النعل. فإذا انقطع أحد هذين الشسعين، فماذا يفعل؟ يصلح هذا الشسع، فإن لم يصلح، فيأخذ نعله المنقطعة، ويأخذ معها النعل الأخرى. وهذا فيه ما سبق من النهي عن المشي بنعل واحدة، والقدم الأخرى بلا نعل. فالنعل يا إخوان شرع لبسها لأسباب كثيرة، ومنها: وقاية القدمين من الشوك وغيره مما يؤذي. فإذا انفردت إحدى الرجلين بالنعل، والأخرى أصبحت بلا نعل، احتاج الماشي إلى أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، فيخرج بذلك عن عادته في المشي، ولا يأمن يا إخوان أثناء مشيه من أن يعثر ويسقط ويتأذى، فينسب من كان هذا حاله إلى اختلال الرأي، وهكذا أيضاً ضعف العقل، بل يصبح محلاً للاستهزاء وسخرية الآخرين. تخيلوا، تخيلوا يا إخوان، رجلاً يمشي بنعل واحدة، هل هذا يدل على كمال العقل ورجاحته؟ الجواب: لا. قال: سيقال: هذا حصل له شيء، هذا اختل عقله، وضعف رأيه، وضعف رأيه. فلذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يلبس نعلين، ويجعل الرجل الأخرى حافية. وقال: عن جابر رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن ينتعل الرجل قائماً. قال: رواه أبو داود بإسناد حسن. وإلا فالإسناد فيه مقال، هو من طريق أبي الزبير عن جابر، وهذه رواية ضعيفة، إلا أن العلماء قبلوا رواية أبي الزبير عن جابر إذا كانت في صحيح مسلم، وهكذا ما إذا كان الراوي عن أبي الزبير هو الليث بن سعد رحمة الله عليه، فعندها يقبل العلماء رواية أبي الزبير عن جابر. لكن الحديث له شواهد، حسن العلماء الحديث لأجلها، جاء من حديث أنس، وهكذا أيضاً جاء من حديث ابن عمر وأبي هريرة وغيرهم. الحديث حديث فيه النهي، أنه نهى عن أن ينتعل الرجل قائماً. وينتعل، أي: يدخل رجله في النعل. وهذا فيه كراهة هذا الفعل، وأنه يستحب أن يلبس النعل قاعداً. وذكر العلامة المناوي كما في كتابه «فيض القدير»: قال: والأمر في الحديث للإرشاد، لأن لبسها قاعداً أسهل وأمكن. ومنه أخذ الطيبي وغيره تخصيص النهي بما في لبسه قائماً تعب، كالتَّمَاسِيَّة والخف. أما الخف فمعلوم، والنعل الجلدية كالجزمات ونحوها، أذهي يا إخوان يستحب في لبسها أن يكون قاعداً، ويكره له لبسها وهو قائم. أما هذه النعال التي يسهل على الشخص أن يدخل قدمه فيها، فيجوز أن يلبسها حال كونه قائماً، حال كونه قائماً. وهذا كله يا إخوان يعتبر من عناية ديننا الإسلامي بالآداب، وهكذا كل ما من شأنه أن يجلب الكمال في حياة المسلم، ليبدو المسلم على أحسن حال، وعلى أجمل صورة. فنحمد الله عز وجل الذي أكرمنا ومن علينا بهذا الدين العظيم، ومجتمل عليه من التوجيهات والآداب والإرشادات التي تدل على كمال هذا الدين وسماحته. يأتي معنا في مجالس أخرى الكلام حول أبواب فيها النهي عن أمور وأشياء نهى عنها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.