الدرس في كتاب التفسير من صحيح البخاري 184، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض الشيخ حال ثلاثة من مشايخ البخاري مبيناً ثقة عبد الله بن محمد المسند الجعفي، واختلاط عبد الرزاق الصنعاني في آخر عمره ودخول أحاديث موضوعة عليه، ومكانة معمر بن راشد اليماني وتفوقه في الحرص على طلب العلم حتى فضله الإمام أحمد على أقرانه.
يتناول المقطع رحلات معمر بن راشد في طلب العلم والتجارة وملازمته للزهري، موضحاً تفوقه في رواية حديث الزهري، كما يروي حديث همام بن منبه عن تحاجج الجنة والنار ويشرح معانيه من دخول المتكبرين النار وضعفاء الناس الجنة.
يناقش المقطع رواية «ثم ينشئ للنار خلقاً فيملؤها» مبيناً أنها خطأ والصحيح أن الله ينشئ خلقاً للجنة، ويستعرض خلاف العلماء في قول النار «هل من مزيد؟» بين كونها طلب زيادة أو استفهام إنكار، مرجحاً أنها تطلب المزيد حتى يضع الرب قدمه فيها.
يشرح المقطع أن النار تمتلئ بأهلها وتظل تطلب المزيد لحنقها على الكفار معبرة عن ذلك بالزفر والشهيق عند رؤيتهم، مؤكداً أن هذا المعنى متفق عليه بين أهل العلم ومدعوم بالأحاديث النبوية الصحيحة.
الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال الإمام البخاري رحمه الله: حدثنا عبد الله بن محمد. من هذا عبد الله بن محمد؟ قال: حدثنا عبد الله بن محمد المسند الجعفي. أنا هذه فائدة قريبة ذكرناها في الدرس الذي تقدم، على أن من مشايخ البخاري أربع من يُسمى بعبد الله بن محمد، وإذا أطلقه فهو المسند الجعفي، عبد الله بن محمد المسند الجعفي البخاري. قال: حدثنا عبد الرزاق، هو ابن همام الصنعاني أبو بكر، كان إمامًا من أئمة الحفظ، وحصل له شيء من الاختلاط عندما عمي، فأدخل في كتبه ما ليس منها، فحدث بحديث بواطين موضوعه، وإلا فهو حافظ. لكن بعض الحفاظ لا يحفظ كل كتبه، وإنما إذا أراد أن يحدث راجع الكتب، وأحيانًا يدخل عليه بعض الحديث وهو لا يدري. وقد كان عبد الرزاق ابتلي بحاشية من الشيعة، فأدخلوا عليه بعض الحديث، وهو أيضًا فيه شيء من التشيع، حتى قال له: يا سلمة بن شبيب، يا أبا بكر، من أين لك هذا التشيع وأساطينك كلهم سنة؟ مالك، ومعمر، وابن المبارك، وسفيان الثوري، هؤلاء أئمة السنة، والأوزاعي، من أين لك هذا التشيع؟ فقال: غرني سمت جعفر بن سليمان الضباعي. جعفر بن سليمان بصري، يقول: إنه غره سمته، لأنه كان على سمت طيب وهدي طيب، فاغتر به ولزمه، فتعثر بشيء من التشيع. أن جعفر بن سليمان يعتبر فيه تشيع كذلك، بل تشيعه كبير، إلا أن أكثر أهل العلم أخذوا حديثه. قال: أخبرنا معمر، وابن راشد أبو عروة اليماني البصري. أصله بصري، ونزل اليمن وجلس فيها، وتزوج فيها، زوجوه فأمسكوه، وجلس في اليمن وصار يمانيًا، وكان حافظًا كبيرًا، كان مولى لامرأة من قريش، وكان يبيع بزها، يعطيه البز الثياب ويذهب ويبيعها في الأمصار، فلقي علمًا، كان يحب العلم، حتى قال معمر، حتى قال الإمام أحمد: ما قارنت أحدًا بمعمر في طلب العلم إلا وأجد معمر أكثر منه معنا في مسألة طلب العلم. كان يحب العلم، فكان يذهب للتجارة ويطلب العلم عند المشايخ، ذهب إلى المدينة، وذهب كذلك إلى الكوفة، وذهب إلى مصر، وذهب إلى أماكن كثيرة، وإلى اليمن أيضًا، وكان كثيرًا ما يذهب إلى اليمن، ولهذا أخذ حديث همام بن منبه، فكانت تجارته نفعته في طلب العلم، فكان يتاجر ويطلب العلم، فحصل علمًا كثيرًا، ولازم الزهري في المدينة، أدركه في المدينة، ثم رآه أيضًا في الرصافة في الشام، وطلب العلم عنده وقرأ عليه، ولهذا معمر أخذ حديث الزهري أكثر من سفيان، لأن سفيان إنما لازمه بعض الأشهر في مكة، لكن معمر لازمه مرتين. قال: أخبرنا معمر عن همام، أهو ابن منبه الصنعاني اليماني، وأخوه وهب بن منبه، قال: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تحاججت الجنة والنار». في رواية: «تحاجت». هنا: «تحاجت الجنة والنار»، في رواية: «تحاججت». قال: «تحاججت الجنة والنار، فقالت النار: أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة: ما لي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم». وسقطهم هنا ليس المراد أنهم السفل منهم، لأن المراد ضعفاء الناس وفقراؤهم، مثل ما قال قوم نوح: ﴿مَا نَرَى اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾، وقال قوم هود أيضًا: سموهم سفهاء، والمراد بهم أنهم فقراء الناس الذين ليس لهم رأي. فقال: «ما لي لا يدخلني إلا الضعفاء، ضعفاء الناس وسقطهم». قال الله تبارك وتعالى للجنة: «أنت رحمتي، أرحم بك من أشاء من عبادي»، وقال للنار: «إنما أنت عذاب، أعذب بك من أشاء من عبادي، ولكل واحدة منهما ملؤها». فأما النار، فلا تمتلئ حتى يضع رجله، فتقول: قط قط. هنا جاء: «رجله»، وجاء في الروايات التي تقدمت: «قدمه». قال: «فهنا تمتليء، ويزوى بعضها إلى بعض». يزوى: معنى يجتمع. فإذا وضع رب العزة قدمه عليها، قالت: قط قط، أي: يكفي. فتمتلئ، ويزوى بعضها إلى بعض، يجتمع بعضها إلى بعض. قال: «ولا يظلم الله عز وجل من خلقه أحدًا». وأما الجنة، فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقًا، أي يملؤها بهم، فالجنة لا تمتلئ، لكن النار تمتلئ. وكما تقدم الكلام على هذا، وهنا كما قلنا جاء في بعض الروايات أنه قال: «ثم ينشئ للنار خلقًا فيملؤها»، وهذه الرواية خطأ، وإنما هذا في الجنة. وربنا سبحانه وتعالى له الفضل على عباده، فلا يعذب أحدًا بدون ذنب، وهو من فضله جل وعلا، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾. لكن سبحانه جل وعلا من فضله ورحمته بعباده أنه قد يكرم ناسًا يدخلهم الجنة بدون عمل، فقال: «فإن الله عز وجل ينشئ لها خلقًا»، أي: لتملأ، يملأ هذه الجنة، فينشئ الله عز وجل لهم خلقًا، أي يخلقهم ويدخلهم الجنة. واختلف العلماء في قول النار: «هل من مزيد»؟ هل هو المراد به الطلب، طلب الزيادة، أم أنه استفهام وإنكار؟ كأن تقول: لا، ليس بموضع للزيادة، أي أنها امتلأت. وهذا قول مجاهد رحمه الله، وفسرها الطبري رحمه الله، ورجح أنه لطلب الزيادة، على ما دلت عليه الرواية الأخرى: يوم نقول لجهنم: هل امتلأت؟ فتقول: هل من مزيد؟ أنا بعضهم كما قلنا في السراء على أنها من باب السؤال الإنكاري: هل بعد ذلك زيادة وقد امتلأت؟ لكن هذا الحديث يدل على أن الجنة لم تمتلئ، وقولها: «هل من مزيد» أي تريد من يدخل فيها، تطلب أيضًا زيادة في عدد الناس الذين هم فيها، أي أنها لم تمتلئ، ولهذا تطلب المزيد، حتى يضع رب العزة قدمه فيها، فتقول: قط، أي: يكفي. وقال بعض العلم: أن كلام مجاهد قد يوجه على أنها تزاد عند، وهي عند نفسها لا موضع فيها، هي ممتلئة، لكن تطلب المزيد، كأنها تحب من يدخل فيها، أو أنها كما قال الله عز وجل: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾، عندما ترى الكفار تغيظ وتزفر، هذه النار، معنى تريد أن تلتهمهم، فلذلك فهي لا تكفي، حتى ولو امتلأت لا تكتفي، بل تريد هذا المزيد. وهذا توجيه طيب لتفسير مجاهد رضي الله عنه، كما وجه ذلك الإمام الإسماعيلي رحمة الله عليه، أبو بكر الإسماعيلي الجرجاني. فلذلك تجتمع الأمرين معًا، أي أنها تمتلئ وتطلب المزيد مع أنها امتلأت، وهذا لحنقها على الكفار، وحنقها على أهلها الذين يدخلون فيها، فهي تريد أن تلتهمهم، وكذلك تشهق لما تراهم وتزفر، كما ذكر ربنا جل وعلا، فلذلك تجتمع كلام أهل العلم في تفسير هذه الآية، وكذلك تدل عليه هذه الأحاديث. طيب، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. ترجمة نانسي قنقر