الدرس في كتاب الطهارة 17، ألقاها
تطرق الدرس إلى نواقض الوضوء، مركزًا على زوال العقل كناقض للوضوء، سواء كان ذلك بسبب الإغماء أو النوم أو الجنون أو السكر، مع توضيح أن النوم الناقض للوضوء هو النوم المستغرق. النوم اليسير لا ينقض الوضوء بينما النوم المستغرق ينقضه.
تناول الدرس نواقض الوضوء الأخرى مثل مس فرج الآدمي بلا حائل وأكل لحم الإبل، مع توضيح اختلاف العلماء في نواقض الوضوء على ثمانية أقوال. كما تطرق إلى شرب لبن الإبل وأنه لا ينقض الوضوء بإجماع أكثر أهل العلم.
ناقش المقطع أثر الردة عن الإسلام على الوضوء والعمل، حيث تنقض الوضوء عند بعض العلماء إذا عاد الشخص للإسلام، مع اختلاف حول إعادة الوضوء بعد التوبة. كما اختلف العلماء في حكم العمل بعد الردة المؤقتة بين حبوط العمل وتفريق بين من مات على الردة ومن تاب قبل الموت.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، توقفنا في الدرس الماضي في الكلام على المسألة السادسة في نواقض الوضوء، وتوقفنا عند الأمر السادس، وهو زوال العقل، أي: من نواقض الوضوء زوال العقل أو تغطيته بإغماء أو نوم. زوال العقل كما ذكر، أو تغطيته، زواله بإغماء أو تغطيته بنوم، لقوله صلى الله عليه وسلم: «ولكن من غائط وبول ونوم» -أي كما تقدم معنى- في حديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه وأرضاه. فقوله: «ونوم» دليل على أن النوم ناقض من نواقض الوضوء. قالوا: وقوله: «العين وكاء السه، فمن نام فليتوضأ». قالوا في الحاشية: السه: الدبر، والمعنى أن العينين في يقظتهما بمنزلة الحبل الذي يربط به، فزوال اليقظة كزوال هذا الرباط. يعني: العين وكاء السه، المقصود به الوكاء الذي يربط به، فإذا نامت العينان، سطلق الوكاء. جاء في الحديث: «فإذا نامت العينان سطلق الوكاء». والحديث ذكره هنا أن العلامة الألباني رحمه الله تعالى حسنه، والحكم فيه مختلف، أو مختلف بين أهل العلم، فمنهم من يحسن هذا الحديث، ومن أهل العلم من يضعفه، والثاني أقرب، والله تعالى أعلى وأعلم. قالوا: أما الجنون والإغماء والسكر ونحوه، فينقض إجماعًا. الجنون والإغماء نقل غير واحد الإجماع على أنهما ناقضان من نواقض الوضوء، والسكر يلحق به إذا كان سكرًا بحيث يغيب معه العقل، إذا كان سكرًا بحيث يغيب معه العقل، وكل ما غاب به العقل، فصار الإنسان لا يميز ولا يعقل ما يخرج منه ولا ما يفعل، فهذا كذلك يلحق بالإغماء، أو يلحق بالجنون. قالوا: النوم الناقض، أي: وضابط النوم الناقض، هو المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك، على أي هيئة كان النوم. أما النوم اليسير، فإنه لا ينقض الوضوء؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم كان يصيبهم النعاس وهم في انتظار الصلاة، ويقومون يصلون ولا يتوضؤون، كما جاء في صحيح مسلم أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ينتظرون الصلاة حتى تخفق رؤوسهم من النوم، وفي بعض روايات: فينامون، وفي بعض روايات: يغطون، ثم يوقظون فيصلون. مع ما تقدم معنا من حديث لقيط بن صبرة في قوله: «إلا من غائط أو بول أو نوم». فقال العلماء رحمهم الله تعالى: الجمع بين الحديثين، ظاهره أن النوم مطلقًا ناقض من نواقض الوضوء، وظاهر حديث أنس أن النوم ليس بناقض من نواقض الوضوء، لذا اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في المسألة على ثمانية أقوال، وأرجحها وأقربها ما ذكرها هنا، وهو أن المعتبر في هذا من النوم كان نومًا مستغرقًا، بحيث أن النائم لا يشعر بمن حوله. فمن حصل منه ذلك، وجب عليه الوضوء لحديث لقيط بن صبرة، ومن دخل في النوم ولكنه لم يكن مستغرقًا، يشعر بمن حوله، كما يحصل من كثير من الناس في أحوال كثيرة، يكون شبه نائم، يعني نائم ولكنه يسمع الأصوات ويدرك ما يدور حوله، فمثل هذا لا يجب عليه الوضوء، وعليه يتنزل حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وأرضاه في حكاية أن الصحابة كانوا ينامون ثم يوقظون إلى الصلاة فيصلون ولا يتوضؤون. قالوا: الرابع مس فرج الآدمي بلا حائل. وقولهم: مس فرج الآدمي، الفرج يطلق على القبل، أي: سواء كان في الذكر أو الأنثى، أما الدبر فلا يقال فيه فرج. ومنها هاهنا ذكر مسألة، وهي: هل يلحق مس الدبر -أي: من مس حلقة الدبر- بمس الفرج أم لا؟ قولان لأهل العلم، والأظهر والله أعلى وأعلم أنه لا يلحق به؛ لأنه ليس بفرج، وليس ثم دليل يدل على الإلحاق. قالوا: الخامس أكل لحم الإبل. أكل لحم الإبل، وقولهم: أكل لحم الإبل، فيه إشارة إلى أن الناقض في الوضوء هو الأكل، أكلوا اللحم، أما من لم يأكل اللحم، مس اللحم، قطع اللحم، لحم الجزور، هل يكون ناقضًا من نواقض الوضوء؟ الجواب: لا. طيب: من شرب لبن الإبل، شرب لبن الإبل، هل يكون ناقضًا من نواقض الوضوء؟ كذلك لا، ليس بناقض من نواقض الوضوء، وهذا قول أكثر أهل العلم، بل بعضهم قال: هو قول عامة أهل العلم. وما خالف فيه إلا أحمد في رواية، والصواب أنه ليس بناقض من نواقض الوضوء، يدل على هذا قالوا لحديث جابر بن سمرة أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أتوضأ من لحوم الغنم؟» قال: «إن شئت توضأ وإن شئت لا تتوضأ». وهذا يدل على أن لحوم الغنم، أكل لحوم الغنم ليس بناقض من نواقض الوضوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعاد الأمر إلى مشيئة الإنسان، إن شئت توضأ وإن شئت لا تتوضأ. قال: «أنا أتوضأ من لحوم الإبل؟» قال: «نعم توضأ من لحوم الإبل». وقد جاء كذلك في حديث جابر خارج الصحيح في سنن أبي داود وغيره، جاء أيضًا نحو هذا المعنى، يعني: فيه: من أكل من لحم الإبل فليتوضأ. وهذا يدل على ما تقدم ذكره من أن المعتبر في هذا أكل لحم الإبل، سواء كان نيئًا أو مطبوخًا، العبرة بماذا؟ بالأكل. قالوا: السادس الردة عن الإسلام، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾. ومسألة الردة كذلك عن الإسلام وقع الخلاف بين أهل العلم، أي: صورة المسألة، إنسان توضأ، ثم ارتد عن دين الإسلام، ثم تاب في نفس الوقت، مثلا والعياذ بالله، فعل شيئًا من المكفرات، مثلا: سب الدين أو ما شابه ذلك، ردة -استعاذ بالله- وتاب ودخل الإسلام، وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وتاب إلى الله وصدق في هذه التوبة، هل وضوءه الذي توضأه قبل الردة ينتقض، فيجب عليه أن يتوضأ مرة أخرى أم لا؟ خلاف بين أهل العلم، ومرد المسألة إلى مسألة الكافر إذا أسلم، هل يجب عليه الغسل أم لا؟ فمن قال: إنه يجب عليه الغسل بإسلامه، قالوا: في دلالة على أنه يجب عليه الوضوء أنه انتقض وضوءه بذلك. ومن أهل العلم من قال: إنه لا يكون كذلك، وإنما المراد بحبوط العمل، أي: حبوط ثواب الأعمال، لا صحتها، بمعنى أن من حصل منه ثم رجع، يحبط عمله إن مات على ذلك، أما إذا لم يمت، يعني: تاب، ارتد ثم تاب مباشرة، هل يحبط عمله؟ الجواب: لا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.