الدرس في كتاب الطهارة 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
إذا كان الإنسان مريضًا أو يخشى الضرر من استعمال الماء، جاز له التيمم، واستدل العلماء بقصة عمرو بن العاص وحديث جابر في الرجل الذي شج فاغتسل فمات.
استدل العلماء بحديث الرجل الذي شج رأسه وأصابته جنابة بمشروعية المسح على الجبائر، حيث أجاز النبي صلى الله عليه وسلم للرجل أن يتيمم ويمسح على جرحه.
يتحدث عن مفهوم التيمم وكيفية أدائه في حالة العجز عن استعمال الماء، ويشرح أن الإنسان يتقي الله بقدر استطاعته، ويعذر في ترك الواجب إذا عجز عنه.
الصلاة، والثاني لم يعد يقول الخاص: صليت بالتيمم وأديت الذي علي، فلما أتى إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال للذي لم يعد: أصبت السنة، وقال الذي أعاد: لك الأجر مرتين. يعني أن الاقتصار على الصلاة بالتيمم بعد فراغه من الصلاة، ولو كان الوقت ما زال موجودًا، ووجد الماء، لا يلزمه أن يعيد. هذه السنة، وهذا هو الصواب: أنه لا يلزمه الإعادة. والذي صلى مرتين اجتهد، فقال: لك الأجر مرتين، يعني على صلاتك بالتيمم، وعلى صلاتك بالوضوء، وإصابة السنة أعظم أجرًا، أعظم أجرًا؛ لأنه هو الصواب، وكذلك هو الذي ينبغي. فهذا الحديث يدل على أن الإنسان إذا صلى بالتيمم، ثم وجد الماء في أثناء وقت الصلاة، لا يلزمه الإعادة. لا يلزمه الإعادة، وهذا باتفاق أهل العلم. وكذا كما قلنا: إذا خرج الوقت، لا يلزمه الإعادة، هذا باتفاق. ويقوى الخلاف فيما لو وجده في أثناء الصلاة. وكما سمعتم: الأرجح - والله أعلم - أنه يخرج ويستعمل الماء. قال الحديث الثمانون بعد المئة: وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، قال: إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله، والقروح، فيجنب، فيخاف أن يموت إن اغتسل، تيمم. رواه الدارقطني مرفوعًا، ورفعه البزار، وصححه ابن خزيمة. هذا الأثر فيه تفسير من ابن عباس رضي الله عنهما لهذه الآية: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، قال: إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله - يعني في الجهاد - أصيب بجروح، أو عنده قروح، فيخاف من التضرر باستعمال الماء، قال: فيجنب - أي تصيبه الجنابة - فيخاف أن يموت إن اغتسل بسبب هذه الجروح والقروح، قال: يتيمم - أو تيمم - يعني يشرع التيمم ولو كان الماء موجودًا، إذا خشي الإنسان على نفسه الضرر. إذا خشي على نفسه الضرر من استعمال الماء، جاز له التيمم، ويدخل في قول الله جل وعلا: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾، لم تجدوا؛ إذا كان الماء معدومًا، أو كان الماء موجودًا، وتعذر استعماله بسبب المرض، وخشية الضرر، فإن حكمه يكون حكم العادم للماء، فيجوز له حينئذ أن يتيمم. ويدل على ذلك قول الله جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، وقوله عز وجل: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾. قصة عمرو بن العاص رضي الله عنه لما صلى بأصحابه في غزوة ذات السلاسل في صلاة الفجر، وقد أصابته جنابة، فصلى بهم بالتيمم، تيمم وصلى بهم، ثم أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بفعله، قال: «أصليت بهم وأنت جنب؟» قال: يا رسول الله، ذكرت قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾، فابتسم النبي عليه الصلاة والسلام، ولم ينكر عليه. فهو الآن تيمم، وقد وجب عليه الغسل، لكن خشي على نفسه الضرر بالاغتسال، فانتقل إلى التيمم، وأقره النبي عليه الصلاة والسلام على هذا الفعل. إذا كان الإنسان مريضًا، عنده حمى، عنده جروح، أو شيء من ذلك من الأمراض، ويخشى الضرر إن اغتسل، فإنه يتيمم لرفع الجنابة. ثم متى ما عوفي اغتسل، مثله أيضًا لو كانت فيه عملية، ثم أجنب، فإنه يتيمم. قال حديث الحادي والثمانون بعد المئة: وعن جابر رضي الله عنه في الرجل الذي شج فاغتسل فمات، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: «إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده». رواه أبو داود بسند فيه ضعف، وفيه اختلاف على رواته. هذا الحديث: أن رجلًا شج - يعني أصيب في رأسه بضربة أو شق - فأصابته جنابة، فاغتسل فمات، تضرر بهذا الاغتسال، فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بشأنه، فقال: «إنما كان يكفيه أن يتيمم، ويعصب على جرحه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل سائر جسده». يعني أنه ينتقل إلى التيمم، ويعصب الموضع الذي فيه الجرح، ويمسح عليه. لكن هذه اللفظة من الحديث - كما أشار المصنف - أن فيها ضعفًا. وأصل القصة صحيحة - كما أشار العلماء - ونص على ذلك الباني رحمه الله: أصل هذه القصة صحيحة؛ أن هذا الرجل - يعني أصيب في رأسه - وأصابته جنابة، فسأل أصحابه: هل له من عذر؟ قالوا: لا، فاغتسل فمات. فلما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عما حصل، قال: «قتلوه، قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ إنما شفاء العي السؤال». هذا ثابت. فقوله: «إنما كان يكفيه» هذا فيه اختلاف، ولا يصح. ذكر هذه اللفظة - يعني الأمر بأن يعصب على رأسه ويمسح عليه - لكن كما سمعتم: أصل القصة صحيحة. وفي مثل هذه الحال إذا أصيب الإنسان بجرح، أو يعني شيء من المرض، وخشي على نفسه الضرر، فإنه ينتقل إلى التيمم. ينتقل إلى التيمم. وهذا الحديث - يعني استدل به - أهل العلم على مشروعية المسح على الجبائر. مشروعية المسح على الجبائر؛ والجبيرة: ما يوضع على الكسر، ما يوضع على الكسر. كانوا في السابق يضعون أعوادًا، ثم يربطونها حتى يلتئم الكسر، ويقوم مقامه. الآن الجبس الذي يستعمل في إصلاح الكسور. فاستدل جمهور أهل العلم بهذا الحديث على مشروعية المسح على الجبيرة؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما يكفي أن يعصب على جرح خرقة، ثم يمسح عليها، ثم يمسح عليها». فإذا كان في الإنسان جبيرة في أي موضع من بدنه - يعني من مواضع الوضوء - في يديه، أو في رأسه، أو في قدميه، فجمهور العلماء على أنه يمسح عليه عند الوضوء. يمسح على موضع الجبيرة. وإن كان لم يثبت شيء - يعني حديث صحيح - في هذا الباب، إلا أن عموم الأدلة تدل على مشروعية المسح على الجبائر؛ لماذا؟ لأن المسح على الخفين أذن به الشرع مع أنه ليس هناك حاجة، ولا ضرورة. قد تكون هناك شيء من الحاجة عند شدة البرودة مثلًا، وقد يلبس الإنسان الخفين من غير حاجة؛ ليس هناك برد ولا شيء، ويشرع له أن يمسح على خفيه. واستعمال الجبيرة قد يكون ضرورة؛ قد يضطر الإنسان إلى وضع هذه الجبيرة على الكسر. فإذا جاز المسح على الخفين من غير حاجة ولا ضرورة، فجواز المسح على الجبيرة من باب أولى. وخاصة أن الشريعة جاءت برفع الحرج على هذه الأمة. فحينئذ لا بأس أن يمسح على هذه الجبيرة. قال الحديث الثاني والثمانون بعد المئة: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». متفق عليه. ختم هذا الباب - باب التيمم - بهذا الحديث: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». فالأوامر مقيدة بالاستطاعة؛ فلا يجب على الإنسان شيء من الواجبات إلا ما كان باستطاعته وقدرته. إلا ما كان باستطاعته وقدرته. وما عجز عنه فهو معذور في تركه. ولهذا القاعدة الشرعية: أنه لا واجب مع العجز، ولا محرم مع الضرورة. لا واجب مع العجز؛ فما عجز عنه الإنسان فلا يجب عليه. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾؛ فالتقوى مقيدة بالاستطاعة. لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها. فالإنسان يتقي الله سبحانه وتعالى ما استطاع، يأتي بالأوامر كما أمر الله ورسوله، وما عجز عنه فيأتي منه بقدر استطاعته، وما لم يستطعه فهو معذور في تركه. ومن ذلك - مثلًا - وجوب استعمال الماء؛ هذا هو الواجب: أنه يستعمل الماء في الوضوء وفي الغسل. فإذا عجز عن ذلك لعدم الماء، أو لخشية الضرر باستعمال الماء، فإنه ينتقل إلى التيمم، ويتيمم. وهذا الذي يستطيعه؛ فيكون هو الواجب عليه. وحينئذ يُعذر في تركه لاستعمال الماء. طيب، فإن عجز عن التراب كذلك - لا عنده ماء ولا تراب - ما عنده شيء يتيمن به، كإنسان مسجون مثلًا، وجاء وقت الصلاة، ما عنده ماء ولا عنده تراب ولا شيء، أو كان مكتف الأيدي. تقول: صلي على حالتك، ولو بغير ماء ولا تيمم. وسم هذا: صلاة فاقد الطهورين. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾؛ يصلي على حاله، وليس عليه شيء. إذا وجد أحد الطهورين - من الماء أو التراب - هل عليه إعاد؟ كيف يعد؟ من هو فاقد الطهورين؟ أيوة، إذا وجد الماء أو التراب في أثناء وقت الصلاة؛ إذا كان في وقت الصلاة، نعم. وأما بعد خروج وقت الصلاة؛ ليس عليه إعادة؛ قد أدى الصلاة على قدر استطاعته. لكن إذا يقال: إنه يستطيع أن يدرك الصلاة التي فاتت بإعادة هو؛ قد صلى، خلاص قد صلى، صلى على قدر استطاعته. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾؛ معذور، ما يستطيع لا التيمم ولا الوضوء، صلى على حاله. وقت الصلاة ما زال باقيًا، ينتظر حتى يأتي الماء؛ إذا كان مجرد وهم، لا. لكن هناك ظن غالب؛ غالب الظن أن الماء سيأتي في هذا الوقت، بعد ساعة مثلًا، ينتظر حتى يأتي الماء، ثم يستعمله. من هو فاقد الطهورين? هو الآن ترك الوضوء، ترك الوضوء جهلًا أو نسيانًا، أو تركه عجزًا؛ هو تركه جهلًا أو نسيانًا، أو تركه عجزًا. إذن ما يدخل في القاعدة، صح. ما يدخل في القاعدة. فإذا نسيان والجهل - نسيان والجهل - ترك المأمور جهلًا أو نسيانًا يسقط الإثم، ولا يسقط الحكم؛ جهلًا أو نسيانًا. لكن هذا ما تركه لا جهلًا أو نسيانًا، تركه عجزًا. ولا واجب مع العجز. إذا جاء وقت الصلاة، وما عندهما، والمسافة - يعني الموضع الذي فيه الماء - بعيد جدًا، ربما ما يدركه، ما يدركه في الوقت، يصلي بالتيمم، يصلي بالتيمم. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. إصابة السنة الأفضل من إعادة الصلاة، وإن كان ما زال في الوقت. أرضية الطائرة هي أرضك التي أنت عليها، أي شيء ولو مساعد؛ مثلًا في الجدار، في الكرسي، ماذا إذا كان في تراب؟ لا بأس. ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. لكن في حكم الطائرة في الماء؛ إذا في الماء، دخل، انتهى الإشكال. إيوه، لكن لماذا يصلي الإنسان وهو جالس في الطائرة? لعله يجهل أن الماء موجود، أو ما يستطيع، أو من الخوف، وكذا يقوم - يعني إذا بلغه إلى الحمام - الله أعلم. إذا كان عنده عذر، لا. بس. لكن إذا بدون عذر؛ لا يصلي جالسًا في الطائرة. لا. إذا كان يستطيع يذهب بالحمام أمام الناس، مثلًا كرسي في الطائرة، أو الجدار، وكذا. لا. يمكن يجد غبار نظيف. كيف نطق? لا يوجد شيء في الأرض. الله يتقي الله ما استطاع. تمسح وصلي. يمكن نعال نظيف أيضًا. لا، ما يشترط. صحيح أن ما يشترط، نعم. مرة قيل لنا: إنه ما يشترط. لا، ما يشترط أن يكون التراب يعلق باليد. بل تمسح، تضرب بالأرض، وتمسح يديك ووجهك، والحمد لله. حتى لو ما في تراب علق. يعلق. إذا وجد التراب؛ إذا أفضل. إذا وجد شيء يعلق باليد؛ هذا أفضل. لكن إذا ما وجد أي شيء؛ أي شيء تمسح عليه. يحصل به المقصود.