كتاب الطهارة 20

كتاب الطهارة 20

الدرس في كتاب الطهارة 20، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تعريف الحيض ودم الاستحاضة

الحيض هو دم طبيعي يخرج عند بلوغ المرأة، بينما دم الاستحاضة هو دم مرض يخرج من عرق في الرحم. الفرق بينهما في اللون والرائحة ومصدر الخروج والأحكام الشرعية.

حكم المستحاضة وضوابطه وطريقة تطهيرها

المستحاضة تتبع عادتها في الحيض أو التمييز بين دم الحيض ودم الاستحاضة أو عادة أقاربها. تغتسل بعد انتهاء العادة وتتوضأ لكل صلاة.

تفاصيل الوضوء والصلاة للمستحاضة

المستحاضة تتوضأ لكل صلاة لأن حدثها مستمر، والوضوء لكل صلاة أمر مطلوب لصحة الصلاة. جاء في بعض الروايات أن الوضوء لكل صلاة واجب للمستحاضة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف رحمه الله: باب الحيض. قال الحديث الثالثة والثمانون بعد المئة: عن عائشة رضي الله عنها أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي». رواه أبو داود، وصححه ابن حبان، واستنكره أبو حاتم. هذا الباب باب الحيض، الحيض لغة السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال. واصطلاحاً: هو دم جبلة وطبيعة خلقه الله جل وعلا في بنات آدم، يخرج من المرأة عند بلوغها، وهو علامة من علامات بلوغ الأنثى. خلقه الله لحكمة، وذلك أن دم الحيض إذا حملت المرأة ينقلب غذاءً للجنين. ولهذا الحامل ما تحيض في الغالب، ما ينزل منها الدم دم الحيض. وإذا كانت لا تحيض فإنها لا تحمل، المرأة التي ما تحيض تكون غير صالحة للحمل. فإذا لم يوجد الحمل لم يجد هذا الدم ملجأً في الجسد، فيخرج من المرأة. والغالب أنه يخرج يعني أيام معدودة من كل شهر، نحو سبعة أيام أو ستة أيام، تزيد أو تقل على حسب اختلاف النساء. هذا الدم يسمى دم الحيض. وهناك دم آخر مما يخرج من المرأة، وهو ما يسمى بدم الاستحاضة. دم الاستحاضة هو دم مرض، يعني يخرج من عرق في الرحم، يقال له العاذل، ينفجر فيخرج الدم من المرأة على جهة الاستمرار، يكون نزول الدم مستمر ربما أشهر، ربما سنين، يستمر بها الدم. هذا يسمى دم الاستحاضة. طيب والفرق بين دم الحيض ودم الاستحاضة: أن دم الحيض يكون أسود، وله رائحة كريهة، ويخرج من قعر الرحم. وإذا خرج فإنه لا يتجمد. وأما دم الاستحاضة فهو دم أحمر رقيق، يخرج من طرف الرحم، ويتجمد إذا خرج. وبالنسبة للأحكام التي يفرق بها بين دم الحيض ودم الاستحاضة: دم الحيض يمنع الصلاة والصيام والوطء، وهكذا الطواف بالبيت. وأما دم الاستحاضة فلا يمنع شيء من ذلك، فحكم المرأة المستحاضة كحكم الطاهرة، تصلي وتصوم، ويحل وطؤها. نعم، وكذلك يجوز أن تطوف حول البيت. هناك دم آخر وهو من دماء النساء، والدم الثالث وهو يسمى بدم الفساد. دم الفساد إذا خرج من المرأة لسبب، قد يكون لسبب مثل السقط إذا أسقطت المرأة الحمل وهو قبل التخلق، هذا الدم يسمى دم فساد. وهو أيضاً بالنسبة لحكمه كدم الاستحاضة، يعني لا يمنع الصلاة والصيام إلى آخره، ويسمى دم فساد، وهو دم مؤقت، يعني يخرج ثم ينقطع بسبب السقط إذا أسقطت أو بسبب السقوط أو شيء من هذه الأشياء. نعم، هنا ذكر حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وكانت ممن ابتليت بالاستحاضة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام. في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن دم الحيض دم أسود يعرف»، يعني تعرفه النساء. وجاء في بعض الألفاظ: «يعرف بالكسر»، كسر الراء، يعني له رائحة كريهة. قال: «فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، وإذا كان الآخر يعني الدم الاستحاضة الدم الأحمر فتوضئي وصلي». هذا الحديث كما أشار المصنف أن أبا حاتم استنكره، قال: هذا الحديث منكر. واستنكر العلماء والحفاظ في هذا الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن دم الحيض دم أسود يعرف». وعد هذا من منكرات محمد بن عمر، من غرائبه. قال أبو حاتم: لم يتابع على هذه الرواية، وهو منكر. وقال النساء عقب إخراجه: قد روي هذا الحديث قد رواه غير واحد، ولم يذكر أحد منهم ما ذكره ابن أبي عدي يعني من هذه اللفظة. وأشار الدارقطني إلى غرابة هذا اللفظ، وقال الطحاوي: لم يروه إلا ابن عمر، وقد أنكروه عليه. نعم، لماذا؟ لأن في الصحيح الحديث جاء في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام أحال فاطمة بنت أبي حبيش عندما استحيضت إلى أن تجلس أيام حيضها، أمرها أن تجلس أيام حيضها، لم يأمرها بنظر إلى الدم، وإنما أمرها أن تجلس أيام أقرائها، أيام حيضها الأيام المعتادة. فإذا انتهت فتغتسل وتكون في حكم الطاهرة. وأجد على هذا أيضاً أن ابن عبد البر رحمه الله أعلى الحديث بالاضطراب، كما في كتابه التمهيد. إذن في هذا الحديث رد المستحاضة إلى الدم، والصحيح أنها ترد إلى أيام حيضها. الآن المرأة كما سمعتم يخرج منها دم الحيض، دم الحيض في الغالب أنه يكون له أيام معتادة ينزل من المرأة من كل شهر، ربما من أول الشهر سبعة أيام، أو قد ينزل منها في وسط الشهر، أو قد ينزل منها في آخر الشهر. طيب إذا استمر بها الدم، يعني امرأة معتادة أنها تحيض من أول الشهر سبعة أيام فاستمر بها الدم ولم ينقطع سبعة عشر، خمسة عشر، عشرين، كيف تفعل؟ نقول هذه أنت الآن في حكم المستحاضة، ما دام لك عادة تعتادينها في نزول الحيض اعملي بهذه العادة، الأيام الأولى من كل شهر تكون في حكم الحائض تتركين الصلاة والصيام إلى آخره. إذا انتهت أيام العادة فهنا اغتسلي وصلي وتكوني في حكم الطاهرة. هذا حكم المستحاضة إذا كان لها عادة معتادة. طيب قد يقول القائل: إذا لم تكن لها عادة، هي أحياناً يأتيها الحيض أول الشهر، ومرة يأتيها وسط الشهر، ومرة يأتيها آخر الشهر. نقول هنا إذا لم يكن لها عادة فإنها تعمل بالتمييز، إذا كان تميز الدم، فالأيام التي ترى فيها الدم أسود لو رائحته كريهة إلى آخر ذلك من صفات دم الحائض تكون في حكم الحائض. وإذا انتهت هذه الصفة وجاء الدم الأحمر تكون في حكم المستحاضة. طيب إذا قال قائل: إذا لم يكن لها عادة وليس لها تمييز، ليس لها عادة ولا تمييز الدم، الدم على شكل واحد وصفة واحدة. نقول هذه تعمل بعادة أقاربها من النساء، تنظر ما هي عادة أخواتها أمها، فتعمل مثلهم، وتكون الأيام التي يحيضن فيها هي في حكم الحائض. وإذا انتهت اغتسلت وصارت في حكم الطاهرة. هذا خلاصة حكم المستحاضة. قال الحديث الرابع والثمانون بعد المئة: وفي حديث أسماء بنت عميس رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والتجلس في مركن»، مركن يعني وعاء، «فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً، وتغتسل للمغرب والعشاء غسلاً واحداً، وتغتسل للفجر غسلاً واحداً، وتتوضأ فيما بين ذلك». رواه أبو داود. نعم، هذا الحديث صاحبه جمع من الأئمة، وفيه أمر المستحاضة بالغسل لكل صلاتين، أنها تغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً، وتغتسل للمغرب والعشاء، وتغتسل للفجر غسلاً واحداً، وتتوضأ فيما بين ذلك، أي فيما بين كل صلاة وصلاة. إذا جاء وقت الظهر توضأت للظهر، جاء وقت العصر توضأت لصلاة العصر، وهكذا بالنسبة للغسل. فعلى صحة هذا الحديث فهو مستحب وليس بواجب، وهذا قول جمهور أهل العلم أن الغسل للمستحاضة للصلاة مستحب وليس بواجب. وقد جاء في أحاديث كثيرة في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر المستحاضة بالغسل. طيب وبالنسبة للوضوء لكل صلاة، فهذا وإن لم يكرر في هذا الحديث على صحته، وإلا في النفس يعني شيء من صحة هذا الحديث، لكن على صحته فيكون الوضوء لكل صلاة هذا من الواجبات على الصحيح، أنه يجب على المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة، لماذا؟ لأن حدثها حدث مستمر، فالدم ينزل منها وهي معذورة باستمرار نزول الدم منها. أجاز الشرع أن تتصلي مع وجود هذا الدم، لكن إذا دخل وقت الصلاة فتتوضأ لهذه الصلاة. هذا قول جمهور أهل العلم، وهو الصواب أن تتوضأ لكل صلاة بعد دخول وقت الصلاة. نعم، يعني حكم صاحب السلس، السلس البول وسلس الريح إلى آخره، هؤلاء يتوضؤون لكل صلاة، وكذلك أيضاً المستحاضة تتوضأ لكل صلاة. قال حديث الخامس والثمانون بعد المئة: عن حمنة بنت جحش رضي الله عنها قالت: كنت أستحاض حيضة كثيره شديدة، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستفتيه، فقال: «إنما هي ركضة من الشيطان». والمراد بالركضة من الشيطان يعني انقطاع هذا العرق. «فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي، فإذا استنقاتي فصلي أربعة وعشرين أو ثلاثة وعشرين، وصومي وصلي، فإن ذلك يجزئك، وكذلك فافعلي كل شهر كما تحيض النساء». رواه الترمذي وصححه، وحسنه البخاري. هذا الحديث فيه إرجاع المستحاضة إذا لم يكن لها عادة ولا تمييز إلى عادة غالب النساء، وهذا معنى قول: «فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام». وهذا صحيح من هذا الحديث، المعنى هو صحيح. وفيه الأمر للمستحاضة بالجمع بين الصلاتين، الجمع يعني الصوري ليس الحقيقي، بأن تؤخر صلاة الظهر إلى آخر وقتها وتصلي العصر في أول وقتها، تجمع بين الصلاتين بهذا الجمع، وتغتسل لهما غسلاً واحداً. وهكذا المغرب والعشاء، وتغتسل للفجر. لكن هذا الحديث الصحيح أنه معل، الصحيح أنه معل. فقد ضعفه أبو حاتم كما في العلل، ونقل الإمام أبو داود عن إمام محمد أنه قال في هذا الحديث: ومن رواية عبد الله بن عقيل قال: في نفسي منه شيء. قال إمام محمد: في نفسي منه شيء. وكما سمعتم أنه لا يجب على المستحاضة أن تغتسل لكل صلاتين. قال الحديث السابع والثمانون بعد المئة: وعن عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة بنت جحش رضي الله عنها شكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الدم، فقال: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي». فكانت تغتسل كل صلاة. رواه مسلم. وفي رواية للبخاري في قصة فاطمة بنت أبي حبيش: «وتوضئي لكل صلاة». وهي لأبي داود وغيره من وجه آخر. وأشار مسلم إلى أن أحذفها عمداً. حديث عائشة في قصة أم حبيبة أنها استحيضت، وهي أيضاً ممن أصيبت بالاستحاضة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، فشكت للنبي صلى الله عليه وسلم استمرار الدم، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تجلس أيام حيضها. قال: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك». هذا فيه رد المستحاضة إلى أيام الحيض، إلى أيام الحيض. هنا مثل اختلف أهل العلم إذا كانت تميز الدم ولها عادة، أيهما تقدم؟ هل تقدم التمييز أو تقدم العمل بالعادة؟ من أهل العلم من قال: تقدم التمييز، قالوا: لأن الله عز وجل يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ قالوا: فالله جعل الحكم معلقاً بالدم، وهذه تميز الدم. ومنهم من قال: بل تعمل بالعادة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هنا أرشدها إلى العمل بالعادة، ولم يسألها هل تميزين الدم أو لا تميزين؟ والقاعدة عند أهل العلم أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. والصحيح أنها تعمل بالعادة وإن كانت تميز الدم، إذا كان لها عادة فمباشرة تعمل بعادتها. النبي صلى الله عليه وسلم ما قال لها: هل تميزين الدم أو لا تميزين؟ مباشرة قال: «امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك». إذا المستحاضة إذا استمر بها الدم فإنها تعمل بالعادة. ثم اغتسلي، مراد النبي صلى الله عليه وسلم ثم اغتسلي، أي إذا انتهت أيام العادة تغتسل غسلاً واحداً كما تغتسل من الحيض. ففهمت أم حبيبة أن عليها أن تغتسل لكل صلاة، فكانت تغتسل لكل صلاة، هذا من اجتهادها ومن فهمها، وليس بأمر من النبي عليه الصلاة والسلام. طيب بقي في قصة فاطمة بنت أبي حبيش في البخاري في رواية قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وتوضئي لكل صلاة». الأمر بالوضوء لكل صلاة، هذه اللفظة جاءت عند أبي داود، وحذفها الإمام مسلم من صحيحه، قال حين ذكر الحديث وأشار إلى أن حماد بن زيد تفرد بذكر هذه اللفظة، تفرد بذكر هذه اللفظة، الصيغة أنها غير ثابتة. لكن من حيث الحكم كما ذكرنا، من حيث الحكم فالمستحاضة عليها أن تتوضأ لكل صلاة، لماذا؟ لأن حدثها حدث مستمر، فعليها الوضوء لكل صلاة. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، صلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.