الدرس في كتاب الصلاة 112، ألقاها
أجمع العلماء على أن الاستسقاء سنة، واختلفوا في مشروعية صلاة الاستسقاء بين من يرى أنها تشرع وتسن وبين من يرى أنها لا تشرع. يرى الجمهور أنها سنة لورود أحاديث في ذلك.
هناك اتفاق على أن صلاة الاستسقاء ركعتان، ولكن خلاف حول ما إذا كانت بتكبير مثل صلاة العيد أم لا. هناك روايتين عن أحمد بن حنبل في هذه المسألة واستدلال بالأحاديث النبوية.
تطرق إلى مسائل فقهية متعلقة بصلاة الاستسقاء مثل الجهر بالقراءة، المكان الذي تؤدى فيه، وجواز أدائها في المسجد الجامع، وأهمية الخطبة وتوقيتها، واستحباب تحويل الرداء أثناء الخطبة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وعلى آله وصحبه أجمعين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، تقدم معنا في الدرس الماضي التعليق على بعض فقرات أحاديث الباب، أحاديث الاستسقاء، واليوم نذكر بعض المسائل أو جملة من المسائل المتعلقة بهذا الباب. أولى هذه المسائل: أجمع العلماء على أن الاستسقاء سنة، واختلفوا هل تسن له صلاة أم لا. واضح هذا، جماعة، أي أن الاستسقاء، ومع الاستسقاء، كان مر معنا شرعًا، طلب السقيا من الله تعالى عند حصول الجدب على وجه مخصوص، هذا مجمع عليه، وإنما الخلاف في ماذا؟ في هل تشرع له صلاة أم لا تشرع له صلاة؟ فذهب الجمهور من أهل العلم إلى أنه تشرع صلاة الاستسقاء وتسن، لأحاديث، للأحاديث الواردة في ذلك، من أحاديث عبد الله بن زيد، حيث الباب الذي مر معنا، وكذلك جاء في حديث عبد الله بن عباس وعائشة وأنس وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وفيها هذا المعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين، صلاة الاستسقاء. وقال في ذلك طائفة من أهل العلم، منهم الكوفيون، قال في هذه المسألة طائفة من علمائهم، منهم النعمان، وهو كذلك قول أبي حنيفة، وكثير من العلماء حكى الإجماع في هذه المسألة، وذكر أنه ما خالف فيها إلا أبو حنيفة، وقالوا: إنما يستحب في الاستسقاء الدعاء والاستغفار خاصة. قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: وهؤلاء لم تبلغهم سنة الصلاة، كما بلغ جمهور العلماء، وهذا اعتذار من الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى لهؤلاء. وقال النووي رحمه الله: وأما الأحاديث التي ليس فيها ذكر الصلاة، فبعضها محمول على نسيان الراوي، وبعضها كان في الخطبة للجمعة، فاستغني عن الصلاة لأجل صلاة الجمعة. قال: ويتعقبه أن الصلاة للجمعة فاكتفي بها، ولو لم يصل أصلا، كان بيان لجواز الاستسقاء بالدعاء بلا صلاة. واضحة جماعة، يقول النووي رحمه الله تعالى: إن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصل الاستسقاء في بعض الأحوال، فإنه لا يدل على منع الاستحباب، بل يدل على جواز ذلك أحيانًا. ثم قال: وتكون الأحاديث المثبتة للصلاة مقدمة لأنها زيادة علم، ولا معارضة بينها. قال: قال أصحابنا: الاستسقاء ثلاثة أنواع، أحدها: الاستسقاء بالدعاء من غير صلاة، وهذا واضح، وهذا متفق عليه بين جميع أهل العلم. الثاني: الاستسقاء في خطبة الجمعة، أو في أثر صلاة مفروضة، قال: وهو أفضل من النوع الذي قبله. المسألة الثانية: صلاة الاستسقاء ركعتان، وهذا بإجماع من يقول: إنه يشرع للاستسقاء صلاة. ولكن اختلفوا: هل تصلى بتكبير كتكبير صلاة العيد أم بغير تكبير كسائر الصلوات؟ فتستفتح بتكبيرة الإحرام ثم يقرأ بعدها، على قولين: أحدهما أنها تصلى كما يصلى العيد بتكبير قبل القراءة، وقد روي عن ابن عباس وعن سعيد بن المسيب وعمار بن عبد العزيز وأبي بكر بن حزم، فهو قول الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه، وأبي يوسف ومحمد. والثاني: تصلى بغير تكبير زائد، أي تصلى كما تصلى بقية الصلوات، وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وأحمد في رواية، وإسحاق وأبي ثور وأبي خيثمة وسليمان بن داود الهاشمي. وحكي عن داود التخيير، أي إن شاء صلى بتكبير زائد، وإن شاء صلى بتكبيرة الإحرام فقط. واستدل من قال: يصلي بتكبير، بظاهر حديث ابن عباس، وفيه: وصلى ركعتين كما يصلي في العيد. هذا الحديث رواه أبو داود، وحسنه العلامة الألباني رحمه الله. وقد روي صريحًا بذكر التكبير، لكن في إسناده مقال، خرجه الدارقطني والحاكم في المستدرك وصححه، والبزار في مسنده وغيرهم. المسألة الثالثة: يجهر بالقراءة في الاستسقاء، لحديث عبد الله بن زيد بن عاصم قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم يستسقي، فتوجه إلى القبلة يدعو، وحول رداءه، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة. وقد قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ونقل ابن بطال الإجماع عليه. واضحة جماعة، نقل ابن بطال الإجماع على أن صلاة الاستسقاء يجهر فيها. المسألة الرابعة: صلاة الاستسقاء يسن أن تكون في المصلى، لحديث عبد الله بن زيد وغيره. وفي حديث عبد الله بن زيد قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى يستسقي، وهو في الصحيح، في صحيح البخاري. قال الحافظ رحمه الله: وحكى ابن عبد البر الإجماع على استحباب الخروج إلى المصلى والبروز إلى ظاهر المصر. المسألة الخامسة: الاستسقاء يجوز في المسجد الجامع. وقد بوب الإمام البخاري رحمه الله تعالى في الصحيح بابًا فقال: باب الاستسقاء في المسجد الجامع. قال الحافظ رحمه الله: أشار بهذه الترجمة إلى أن الخروج إلى المصلى ليس بشرط في الاستسقاء. المسألة السادسة: أجمع القائلون بأن الصلاة من سنن الاستسقاء على أن الخطبة من سننها أيضًا. واضحة جماعة، من قال بسنية صلاة الاستسقاء أجمع هؤلاء على أن الخطبة، أي خطبة الاستسقاء، من سنن صلاة الاستسقاء. واختلفوا في الخطبة: هل تكون قبل الصلاة أو بعدها؟ فذهب الشافعي والجماهير إلى أن الصلاة قبل الخطبة، وقال الليث بن سعد: بعد الخطبة. المسألة السابعة: يستحب تحويل الرداء في أثناء الاستسقاء في غير صلاة الجمعة. وإلى هذا ذهب الجمهور، وذهب أبو حنيفة إلى عدم الاستحباب. والصحيح الأول، لأحاديث الباب في أن النبي صلى الله عليه وسلم حول رداءه. ويكون هذا التحويل كما قاله بعض أهل العلم، دلت عليه السنة، يكون هذا التحويل أثناء الخطبة، حين استقبال القبلة. وبهذا نكون أخذنا مجمل مسائل الاستسقاء. والله تعالى أعلى وأعلم. بقي شيء يا جماعة فيما مر معنا؟ نعم، كما أن الاستسقاء مسألة وركعتين وخطبتين، نعم، هذا ذكره بعض أهل العلم، بعضهم ذهب إلى أن خطبتين، والصحيح أن خطبة واحدة، والصحيح أنه خطبة واحدة يخطب فيها الإمام كما سمعتم وأشرنا، يخطب فيها فيذكر الناس ويعظهم ويأمرهم بالتوبة والإنابة والاستغفار، ثم بعد ذلك يتوجه إلى القبلة فيدعو ويدعو الناس معه. ﴿سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ﴾.