الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 74، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبيّن المحور حرمة إحداد المرأة على ميت أكثر من ثلاثة أيام إلا على زوجها فتحد عليه أربعة أشهر وعشرة أيام هجرية، مع ذكر نسخ العدة من عام إلى هذه المدة وتقديم الناسخ على المنسوخ، ويوضح أن عدة الحامل وضع حملها مستدلاً بقصة سبيعة الأسلمية.
يستعرض المحور واجبات المرأة في حال الإحداد بعد وفاة زوجها، ومنها ترك الزينة والطيب والكحل والثياب المزخرفة، والالتزام بالبقاء في بيتها إلا لضرورة قصوى كعلاج أو جلب قوت ضروري، مع التأكيد على تقديم السنة النبوية على العادات المخالفة.
يوضح المحور أن النساء يتطيبن بالطيب دلالة على انتهاء فترة الإحداد كما فعلت أم حبيبة وزينب بنت جحش رضي الله عنهما بعد ثلاثة أيام على وفاة غير الزوج، ويؤكد عدم جواز الاستمرار في الإحداد أكثر من المدة التي حددها الشرع.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: «باب تحريم إحداد المرأة على ميت فوق ثلاثة أيام إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام». هذا الباب يعتبر من الأبواب المهمة التي يجب على النساء أن يتفقهن فيها. باب تحريم إحداد المرأة، والإحداد هو ترك المرأة للتجمل والتزيّن، وهكذا أيضاً للنكاح، وذلك بسبب مصيبة نزلت عليها، ومن أعظم هذه المصائب الوفاة. والمرأة إذا مات قريب لها كأبيها أو أخيها أو أمها أو غيرهم من أقاربها فيجوز لها الإحداد ثلاثة أيام، ولا يجوز لها أن تزيد على ذلك إلا إذا كان الميت زوجها. إذا كان زوجها فيجب عليها أن تحد عليه هذه الفترة التي ذكرها ربنا عز وجل في القرآن الكريم: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾. أربعة أشهر، وهذه الأشهر هي أشهر هجرية، ولا عبرة بالأشهر الميلادية. الأشهر الهجرية: ﴿ إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾. وكانت المرأة قبل ذلك تجلس عاماً متاعاً إلى الحول غير إخراج، كانت المرأة تبقى عاماً إحداداً، ثم نسخ العام بالأربعة أشهر وعشرة أيام. ومن الأشياء التي يذكرها العلماء في باب النسخ أن هذا مما يخالف بقية الأحكام في باب النسخ. كيف ذلك؟ يذكر العلماء أن النسخ يأتي بعد المنسوخ في الذكر، الناسخ يأتي بعد المنسوخ في الذكر، إلا في هذا الموضع فإن الناسخ أتى قبل المنسوخ في الذكر؛ أولاً ذكر الأربعة أشهر وعشرة أيام، ثم ذكر بعده العام متاعاً إلى الحول غير إخراج. وهذا مما يعني يستثنى فيما يتعلق بباب النسخ في هذا الموضع: تقدم ذكر الناسخ على ذكر المنسوخ. وأما إذا كانت المرأة التي مات زوجها حاملاً فعدتها أن تضع حملها، لقوله عز وجل: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾. وقصة سبيعة الإسلامية حين وضعت حملها بعد وفاة زوجها بليال، فدخل عليها أبو السنابل فأنكر عليها تزينها وقال لها: كأنك تريدين النكاح، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأذن لها أن تنكح. وضعت حملها بعد وفاة زوجها بليال فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم بالنكاح. وما سبق إن دل على شيء دل على عظمة حق الزوج. لاحظ: يموت أبوها أو تموت أمها أو يموت ابنها أو ابنتها أو أخوها أو أختها أو غيرهم، لا يحل لها أن تبقى في إحداد بعيدة عن التزين وتجمل وغيره حزناً زيادة على ثلاثة أيام، لكن إذا مات الزوج فتحد عليه أربعة أشهر وعشرة أيام، أو عشرة ليال مع أيامها. قال رحمه الله تعالى: قال: «باب تحريم إحداد المرأة على ميت». وميت هنا نكرة فيعم، قال: «فوق ثلاثة أيام إلا على زوج أو إلا على زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام». قال: عن زينب بنت أبي سلمة رضي الله عنهما قالت: دخلت على أم حبيبة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أبوها أبو سفيان بن حرب رضي الله عنه، قال: فدعت أي أم حبيبة، فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره، قال: فدهنت منه جارية ثم مست بعارضيها، ثم قالت - وهذا هو الشاهد يا إخوان أيضاً - ثم قالت: والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرة». قالت زينب: ثم دخلت على زينب بنت جحش رضي الله عنها حين توفي أخوها، قال: فدعت بطيب فمسحت منه، ثم قالت: أما والله ما لي بالطيب من حاجة، غير أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاثة إلا على زوج أربعة أشهر وعشرة». قال: متفق عليه. وهذا الحديث يعتبر دليلاً على ما ترجم به، ورتبه عليه الإمام النووي رحمه الله تعالى، إذ أنه يجوز للمرأة أن تحد على الميت ثلاثة أيام، فتترك التزي وتترك التجمل، لكن لا يجوز لها الزيادة على ذلك. فإذا انقضت الأيام الثلاث فتخرج من حزنها وتخرج من إحدادها، ويحبذا لو أظهرت ذلك باستخدام الحنة مثلاً أو استخدام الطيب أو لبسها للذهب أو الفضة أو لبسها للثياب المزينة والمزخرفة في بيتها، فهذا يدل على انقضاء إحدادها. ولهذا أمهات المؤمنين كأم حبيبة رملة بنت أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، وهكذا زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، لما انقضى الإحداد بانتهاء الأيام الثلاث دعين بطيب فاستخدمن ذلك الطيب. إلا ما سبق: إذا كان الميت يعتبر زوجاً لهذه المرأة فيجب عليها أن تحتد أو أن تحد أربعة أشهر وعشرة أيام، إلا أن تكون حاملاً فعدتها إلى أن تضع حملها. كذلك أيضاً في هذا الحديث دليل على عظم رابطة الزوجية، فحق الزوج عظيم، وهكذا حقه كبير، فمما حقه عليها أن تحد عليه بعد وفاته هذه المدة المحددة شرعاً. متى ما عقد عليها ولو لم يدخل بها، فيلزمها أن تعتد عدة الوفاة وأن تحد على ذلك الزوج. كذلك أيضاً في هذا الحديث بيان لكيفية الإحداد: وهو ترك النكاح أولاً، وثانياً ترك الزينة، فلا تلبس الحلي لا من الذهب ولا من الفضة ولا من غيرهما، وهكذا تجتنب الحناء والخضاب. كذلك من الإحداد أنها تجتنب لبس الثياب المزينة والمزخرفة. وهكذا أيضاً ماذا تجتنب المرأة في حال الإحداد؟ الاكتحال: تجتنب الاكتحال لأن الكحل يعتبر مما يتزين به. ولهذا لما جاءت امرأة ومعها ابنتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت له أن ابنتها هذه قد مات زوجها وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ قال: لا، قال: لا، لماذا لا؟ لأن الكحل يعتبر زينة وتجمل. لكن يجوز أن تتعالج بغير الكحل كقطرة طبية أو بينة العسل أو غيرها مما لا يكون فيه تجمل وتزين. كذلك أيضاً تجتنب الطيب، تجتنب الطيب، وغالب طيب النساء مما له لون صفرة أو حمرة أو غير ذلك، فتجتنب جميع ألوان وأنواع الطيب حال الإحداد ومدة العدة، فهذا مما يجب على المرأة اجتنابه في حال الإحداد. بقي كذلك أيضاً أن الأصل أن المرأة تبقى في البيت الذي كانت تسكن فيه عند وفاة زوجها، ولا تخرج إلا لضرورة، ولا تخرج إلا لحاجة ماسة، ضرورة كعلاج، أو ضرورة كأن تأتي ببعض حوائجها الأساسية كالماء والغذاء وغيره إذا لم يوجد من يأتي لها بذلك. أحياناً في بعض البلاد المرأة عندها أغنام وليس هناك من يأتي بطعام الأغنام، فماذا تفعل؟ قالوا: تخرج وتأتي بطعام الأغنام، وبعد ذلك تبقى في بيتها. ويجوز للمرأة إذا وجدت ما يضرها في البيت الذي تعتد فيه، كأن تكون في بيت زوجها ومعها إخوة الزوج معهم أجانب في البيت، هذا يظهر عليها وهذا يطلع عليها وتخشى على نفسها، فيجوز أن تنتقل من ذلك البيت إلى بيت آخر كبيت أبيها أو أخيها أو ابنها أو عمها إلى غير ذلك. لكن الذي ينبه عليه أنها لا تكثر التنقل لغير حاجة، الأصل بقاءها ومكثها في البيت، ولا تخرج إلا لضرورة أو حاجة ماسة. لو قيل: هناك مأدبة وليمة، يعني دعوة إلى طعام، أخوك يدعوك إلى وليمة، هل تخرج؟ الجواب: لا، لا تخرج، لأنه ليس بأمر ضروري، وليست الحاجة ماسة جداً في هذا الباب. فإذا لا تخرج إلا لضرورة أو حاجة ماسة، فعندها يجوز لها ذلك. أيضاً الحديث يا إخوان فيه حرص نساء الصحابة، ولا سيما أمهات المؤمنين رضي الله تعالى عنهن، على تطبيق السنة والبعد عن المخالفة الشرعية، وإن كانت هذه لربما تخالف ما تهواه النفس أو اعتاد عليه عامة الناس، فالسنة مقدمة على غيرها، السنة مقدمة على غيرها، وهذا مما يحتاج إليه اليوم في مجتمعاتنا: يموت الميت، بعد ثلاثة أيام خلاص ما في حزن، ممكن يؤتى بحناء أو يؤتى بطيب أو غيره فيتناوله النساء لكي يدل ذلك على انتهاء الإحداد، كما فعلت أم حبيبة وزينب بنت جحش رضي الله تعالى عنهما. ولا يجوز الاستمرار في الإحداد زيادة على الفترة الزمنية والمدة التي حددها شرعنا الحكيم. طيب، نكتفي بهذا، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.