كتاب الأمور المنهي عنها 73

كتاب الأمور المنهي عنها 73

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 73، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

العدل بين الأبناء في الهبة والمعاملة

يؤكد النبي صلى الله عليه وسلم وجوب التسوية بين الأولاد في العطايا والقبل وسائر المعاملات، محذراً من أن التفضيل يزرع الشحناء والعداوة. وتوضح قصة بني يعقوب أن المحبة القلبية لا تبرر التفرقة، وأن شعور الإخوة بالظلم يؤدي إلى الاعتداء.

أحكام الهبات والنفقات والرجوع فيها

يجب العدل في العطايا والنفقات مع مراعاة حالات الضرورة كمرض أو زواج أحد الأبناء، حيث يُعتبر القيام بالواجب عند الحاجة هو المعيار. ويُكره الرجوع في الهبة ويشبه بالكلب يقيء ويعود لقيئه، إلا هبة الأب لولده فإنها تجوز بشروط.

شروط صحة هبة الابن وعدم التصرف فيها

تشترط صحة هبة الابن ألا يكون قد تصرف فيها ببيع أو هبة أو صدقة أو أي تصرف ينقل ملكيتها لغيره. ويختتم الباب بالتأكيد على الاكتفاء بما ذُكر من أحكام.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من أرسله ربه رحمة للعالمين بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: «باب كراهة تفضيل الوالد بعض أولاده على بعض في الهبة». قال رحمه الله تعالى: عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي». فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكل ولدك نحلته مثل هذا؟» فقال: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فأرجعه». وقال في رواية: «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفعلت هذا بولدك كلهم؟» قال: لا. قال: «فاتقوا الله واعدلوا في أولادكم». قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة. وقال في رواية: «فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟» قال: نعم. قال: «أكلهم وهبت له مثل هذا؟» قال: لا. قال: «فلا تشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور». والجور هو الظلم. وقال في رواية: «لا تشهدني على جور». وقال في رواية: «أشهد على هذا غيري». وهذا على سبيل الإنكار لا على سبيل الإقرار. قال: «أشهد على هذا غيري». ثم قال: ﴿أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً﴾؟ قال: بلى. قال: «فلا إذن». متفق عليه. وهذا الحديث يعتبر أصلاً في باب العدل بين الأبناء، والعدل بين الأبناء يعتبر من الأمور الواجبة، ويعتبر كذلك أيضاً من الأمور المؤثرة في باب تربية الأبناء. فالعدل بين الأبناء يجعل بين الأخ وأخيه المودة والمحبة والألفة وغيرها من المعاني الجميلة والصفات الطيبة التي يجب أن تقوى بين الإخوة. والعكس بالعكس: يوم أن يفرق ويفضل الوالد بعض الأبناء على البعض الآخر، فهذا يورث الشحناء والبغضاء، وهكذا الحسد، وهكذا العداوة بين الأبناء. ولاحظوا كيف قص الله عز وجل لنا قصة بني يعقوب، مع أن يعقوب عليه الصلاة والسلام كان عادلاً بين أبنائه، لكن هناك شيء لا يستطيع الإنسان أن يخفيه، ألا وهو المحبة القلبية؛ قد يحب هذا أكثر من هذا، وقد يكون لهذا منزلة أعظم من هذا، لكن هذا لا يدعو ولا يعتبر سبباً لأن يفضل بعضهم على البعض الآخر. قال الله عز وجل عن أبناء يعقوب إخوة يوسف: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. ما هي النتيجة التي وقعت من إخوة يوسف؟ ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾. أباكم لا يرى أحداً مثلكم، ولا يتعلق قلبه بيوسف، ﴿يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ﴾. طيب، أليست جريمة؟ الجواب: لا. ولهذا قالوا: ﴿وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ﴾. بعدها توبوا واستغفروا، ويغفر الله لكم ما فعلتم. فهذا من الأمور التي يستفاد منها ما يقع بين الأبناء من ضغائن ومن عداوة ومن أحقاد قد تؤدي إلى أن يعتدي بعضهم على البعض الآخر. ولهذا كان السلف رحمهم الله يحرصون على هذا الجانب: العدل بين الأبناء في العطية. أعطى هذا ألفاً، يعطي الآخرين ألفاً، وهكذا. أعطى هذا أرضاً، فيعطي الآخرين أرضاً، إلى غير ذلك. حتى أن بعضهم كان يرى العدل بين الأبناء ولو في القُبَل. قبل هذا، والآخرون ينظرون: لماذا أبونا يقبل هذا ولا يقبلنا؟ كان السلف يعدل أحدهم بين الأبناء ولو في بعض الأمور الخاصة مثل تقبيل الأبناء، وهكذا أيضاً في غيرها من الجوانب. بشير والد النعمان كما في هذا الحديث، أعطى... أن أعطى النعمان نحلة، يعني هدية عطية. جاء في هذا الحديث أنه غلام، وفي بعضها أنه أرض، أعطاه أرضاً. وعلى كل، هي عطية من والد لولده. هنا يأتي دور الأم المربية: هنا اعترضت الأم، قالت: لا أشهد على هذا حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. لماذا تعطي النعمان؟ لماذا تعطي النعمان، ولك من الأولاد غيره؟ حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستفتيه ويشهده، فكان من النبي صلى الله عليه وسلم أن أرشده إلى وجوب العدل بين الأبناء. العدل بين الأبناء. قال له: «يا بشير، ألك ولد سوى هذا؟» قال: نعم. قال: «أكلهم وهبت له مثل هذا؟» قال: لا. ما هو الجواب؟ قال: «فلا تشهدني إذن، فإني لا أشهد على جور». أي على ظلم. إذن هذا ظلم، هذا لا يجوز. إلا إذا كان هناك سبب يستدعي التفضيل، على سبيل المثال: مريض أحد الأبناء، فأخذه إلى الطبيب وصرف في علاجه خمسة عشر ألفاً: فحص، معاينة، علاج. هل يلزمه أن يعطي بقية الأبناء مثل هذا، خمسة عشر ألفاً؟ يلزم أو ما يلزم؟ لا يلزم. أحسن، لا يلزم. لكن يلزمه إذا مرض ولد آخر أن يقوم بعلاجه كما عالج الأول. كبر الولد الأول وأصبح يريد ماذا؟ إذا كبر الولد يا حبيب، ماذا يريد؟ يريد زواجاً، يريد زواجاً. قال: أبشر، خطب له امرأة وزوجه. كلف الزواج قد يكون ثلاثة ملايين ريال يمني، أربع ملايين ريال يمني. طيب، هل يلزم الأب أن يعطي بقية الأبناء مثل ما أنفقه في زواج هذا الولد؟ الجواب: لا، لا يلزمه. لكن ماذا الذي يلزمه يا أبا أشرف؟ إيش اللي يلزمه؟ أحسن: إذا بلغ الآخرون سن الزواج، وعنده الاستطاعة أن يقوم بتزويجهم كما زوج الأول، كما زوج الأول. هذا هو العدل في هذا الباب، هذا هو العدل في هذا الباب. ولهذا يا إخوان، علماء السلف والتربية ينبهون في هذا الباب، وشددوا على أهمية عدل الوالدين بين الأبناء، بين الأبناء، فله أثر عظيم وكبير في حسن التربية وصلاح الأبناء واستقامتهم. وإلا فإن العكس بالعكس: إذا فضل أحد الأبناء على البعض الآخر، كان بعض ما سبق ذكره من عداوة وشحناء، بل ويبغض الابن الذي... آه، ماذا؟ الابن المفضول هذا، لربما يقع في قلبه بغض لوالده الذي فضل أخاه عليه، الذي فضل أخاه عليه. فهذا من الجوانب المهمة جداً. ومن باب الفائدة: لا يجوز للإنسان أن يعود في هبته، وكما مر معنا أن العائد في هبته مثله النبي صلى الله عليه وسلم بالكلب الذي يقيء ثم يعود إلى قيئه فيأكل منه. لكن الاستثناء من هذا، ماذا؟ ما الذي استثني من هذا يا أبا محمد؟ أحسن: هبة الأب لولده. إذا وهب الأب ولده هبة، يجوز له أن يرجع عنها. أعطاه دراجة، أعطاه ما... لم... بعدها أحب أن يرجع له، أن يرجع في الهبة، لكن بشرط: ما هو الشرط؟ أن لا يكون الابن قد تصرف في هذه الهبة ببيع أو هبة أو صدقة أو غيرها، أو غيرها من صور التصرفات التي انتقل المال من ملك الابن إلى ملك غيره، إلى ملك غيره. فهذا بعض ما يتعلق بهذا الباب، وبه نكتفي. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.