الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يُحرم البصاق في المسجد لما فيه من تلويثه وأذية المصلين، وقد جاءت أحاديث نبوية تُبين أن البزاق أو النخامة في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها.
كفارة البصاق في المسجد هي دفنها أو إزالتها، كما أن إزالة الأذى من الطريق من محاسن الأعمال وخصال الإيمان وسبب لمغفرة الله.
ينبغي إزالة الأوساخ والنجاسات من المسجد والحفاظ على نظافته، كما أن إزالة الأذى عن الطريق من الإيمان وسبب لمغفرة الله.
ينبغي على المسلم إزالة آثار قضاء الحاجة بالماء حتى لا يؤذي غيره، وترك ذلك لا يعد من حسن الأخلاق ولا المروءة.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين: أن إسحاق القشيري -رحمه الله- في صحيحه قال: حدثنا يحيى بن يحيى، وقتيبة بن سعيد. قال يحيى: أخبرنا، وقال قتيبة: حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، وهمام -ندعي مهب الخطاب السدوسي- عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها، وكفارتها دفنها». قال: وحدثنا يحيى بن حبيب الحارثي، قال: حدثنا خالد -يعني ابن الحارث-، قال: حدثنا شعبة، قال: سألت قتادة عن التفل في المسجد، فقال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «التفل في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها». قال -رحمه الله-: حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء الضبعي، وشيبان بن فروخ، قال: حدثنا مهدي بن ميمون، قال: حدثنا واصل مولى أبي عيينة، عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي -ويقال: الدؤلي، بالهمزة، وهو عمرو بن ظالم، أو ظالم بن عمرو-، ظالم بن عمرو -وهو أول من كتب النحو على المشهور- عن أبي ذر، عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال: «عرضت علي أعمال أمتي، حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق، ووجدت في مساوي أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن». هذه الأحاديث عن أنس بن مالك -رضي الله تعالى عنه-، وعن أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- فيها بيان أن البزاق، وهكذا أيضا النخامة أو النخاعة -والبزاق ما يخرج من الفم، والنخامة ما تخرج من الصدر أو الرأس، وأيضا المخاط ما يخرج من الأنف- أن فعل ذلك في المسجد يعتبر خطيئة؛ «البزاق في المسجد خطيئة»، والخطيئة بمعنى الإثم، معنى ذلك أن هذا الفعل محرم، وفاعله آثم؛ لما في ذلك من تلويث المسجد، وكذلك أيضا إما في ذلك من أذية للآخرين، رمي المصلي فيجلس فيتسخ ثوبه، أو يتسخ بدنه بهذه النخامة أو هذا البزاق الذي تفل به صاحبه في المسجد، فيكون في ذلك أذية، وهذا الأمر لا يجوز؛ «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده»، فلذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- أخبر أن البزاق في المسجد خطيئة، أنه خطيئة، وذنب، وأن كفارة ذلك هو دفنها؛ «البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها». إذا دفنت هذا، إذا كان المسجد مفروشا بالحصى أو بالرمل، فهنا تدفن، لكن إذا كان مفروشا بالبسط، فهنا يكون كفارتها بمسحها وإزالتها، نعم يكون بإزالتها وإبعادها من هذا الموضع. فدفن هذا البزاق إذا كان المسجد مفروشا بالرمل أو الحصى، أو بإزالتها أو المسح لها إذا كان مفروشا بالبسط ونحوها، فهذا هو كفارة هذه الخطيئة. وفي هذا الحديث أن إلقاء البزاق أو المخاط أو النخامة في المسجد يعتبر خطيئة، يعتبر بحد ذاته خطيئة، سواء دفنها بعد ذلك أو لم يدفنها. بعض أهل العلم قال: إنما تكون خطيئة إذا لم تدفن، أما إذا دفنت فليست بخطيئة، وهذا خلاف ظاهر الحديث؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- أخبر بأنها خطيئة، سواء دفنت بعد ذلك أم لم تدفن، لكن كفارتها إذا فعلت وإذا حصل ذلك أن تدفن وأن تزال وتبعد، فابتداء إذا فعل هذا الأمر في المسجد يعتبر خطيئة، فإذا فعلها الإنسان فكفارت ذلك أن يدفنها وأن يزيلها، نعم. وأيضا في حديث أبي ذر -رضي الله تعالى عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أخبر أنه عرضت عليه أعمال أمته، حسنها وسيئها، أي ما كان من أعمالهم من أعمال حسنة، وما كان من الأعمال من أعمال سيئة. قال: هل وجدت في محاسن أعمالها الأذى يماط عن الطريق؟ يعني إزالة ما يؤذي الناس وما يؤذي المسلمين من طريقهم، هذا من محاسن الأعمال، هذا يعتبر من محاسن الأعمال، بل هو خصلة من خصال الإيمان، كما ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث أبي هريرة حين ذكر الإيمان، بضم سبعين شعبة، ثم قال: «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق»، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، إنه خصلة من خصال الإيمان، وتعتبر أيضا من محاسن الأعمال. وأخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- أن أناسا أزالوا يعني شوكا بطريق الناس، فكان ذلك سببا في مغفرة الله -جل وعلا- لهم، وإدخالهم الجنة، بحديث جابر -رضي الله عنه- في الصحيح: «أقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة أزاحها عن الطريق كانت تؤذي المسلمين، شجرة أبعدها حتى لا تؤذي الناس، فأدخله الله -جل وعلا- الجنة»، إذن إزالة الأذى عن طريق الناس هذا من محاسن الأعمال. قال: «ووجدت في مساوي أعمالها النخاعة تكون في المسجد لا تدفن»، هذا من مساوي الأعمال، النخاعة -وهو كما قلنا- ما يخرج من الرأس أو الصدر، بمعنى النخامة، فتوجد في المسجد لا تدفن، أي لا تزال، لا تزال من المسجد، يراها الإنسان فيتركها، هذا من مساوي الأعمال، حتى ولو لم تكن أنت الذي فعلت هذا، لا ينبغي أن تتركها وقد رأيتها، فأزلها، إن كان المسجد مفروشا بالحصى أو التراب ادفنها، وإن كان مفروشا بالبسط فامسحها، أو كانت في جدار المسجد كذلك فتقوم بمسحها وتزيلها، أما أن تتركها وقد رأيتها فهذا من مساوي الأعمال؛ أن تترك النخاعة في المسجد لا تدفن ولا تزال ولا تبعد. فدل هذا الحديث أن هذا الفعل، وهو إلقاء النخام أو النخاع وما كان بمعناها، وما كان دونها كالبزاق ونحوه، أنه من مساوي الأعمال، والذي ينبغي إزالتها وإبعادها إذا وجدت، وأن لا تترك في المسجد؛ لأن المسجد ينبغي أن ينظف وأن يطيب وأن يطهر من الأقذار والأوساخ والنجاسات وغيرها. وأما الغائط في الحمام وليس في المسجد؛ لأن الحمام يعتبر منفصلا عن المسجد، لكن كذلك من باب يعني من قلة المروءة ومن سوء الأخلاق أن الإنسان يترك يعني غائطه في الحمام لا يزيله ولا يبعده بالماء، يجعله بوسط يعني موضع قضاء الحاجة، فيأتي الذي بعده فيجد الغائط يعني في موضع الذي يريد أن يقضي فيه حاجته، فيتأذى بذلك، ويدخل في عموم الأمر بعدم أذية المسلم لأخيه، هذا فيه أذية، يدخل الإنسان ليقضي حاجته فيجد هذه النجاسة وهذا الغائط أمامه في الموضع الذي يريد أن يجلس فيه، فلا شك ينبغي إزالته وإبعاده، والذي يفعل هذا ينبغي أن لا يفعل هذا، أن يترك يعني غائطه ويخرج من الحمام، ليس هذا من حسن الأخلاق ولا من المروءة، والذي ينبغي أن يزيله وأن يبعده بالماء حتى لا يؤذي غيره، نعم.