الخطبة بعنوان خطبة عيد الفطر المبارك لعام 1447هـ، والتي كانت بمصلى العيد بمنطقة طيبة بالشحر لعام 1447هـ ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
يستهل الخطيب بحمد الله على بلوغ شهر رمضان وإتمام الصيام والقيام، مؤكداً أن عيد الفطر من شعائر الإسلام العظيمة التي يفرح بها المؤمنون، محذراً من مقابلة النعم بالمعاصي ومستشهداً بآيات قرآنية وأقوال للعلماء تحذر من تبديل نعمة الله كفراً.
يؤكد المقطع أن العيد فرصة للمداومة على الأعمال الصالحة التي اعتادها المسلم في رمضان، لأن رب رمضان هو رب الشهور كلها، محذراً من انقطاع الطاعة بعد انقضاء الشهر، داعياً لتطهير القلوب من الحسد والحقد والغل، مبيناً أن لباس التقوى والمساعدة خير لباس، وراغباً في صيام ست من شوال تكملة لأجر صيام الدهر.
يؤكد الخطيب على شرف المرأة ومكانتها في الإسلام كأم ومربية للأجيال، محذراً من دعوات التغريب التي تطالب بسفورها واختلاطها بالرجال، ومبيناً أن القوامة للرجال بحكم الله، ويختتم بالدعاء بنصر الإسلام والمسلمين وإذلال أعداء الدين مع التذكير بشكر النعم في عيد الفطر وتجنب المعاصي.
يختتم المتحدث بالدعاء لله سبحانه بقبول الأعمال الصالحة والتوبة، مستحضراً أسماء الله السميع العليم والتواب الرحيم، ويختتم بالحمد لله رب العالمين.
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، عباد الله، الحمد لله الذي أنعم علينا ببلوغ شهر رمضان، ومن علينا ووفقنا للصيام والقيام وقراءة القرآن، وأنعم علينا سبحانه بإتمامه وبلوغ العيد ونحن في صحة وعافية وأمن وإيمان. فهذه النعمة العظيمة تحتاج، عباد الله، إلى شكر منا، فنحمد الله سبحانه وتعالى ظاهرًا وباطنًا، أولًا وآخرًا. الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. أيها المسلمون، عباد الله، اعلموا أن دين الإسلام دين عظيم، دين الإسلام دين عظيم، فمن وفقه الله سبحانه وتعالى إليه ودخل فيه فهو عز له ومفخرة، والحياة فيه، عباد الله، حياة هانئة وطيبة. كيف لا، وإن من أنعم وأكبر النعم على العباد أن هداهم للإسلام؟ هدانا عباد الله للإسلام واصطفانا من بين سائر الأنام. قال الله عز وجل: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾، وقال سبحانه: ﴿ مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ﴾. وإن من محاسن هذا الإسلام، هذا الدين العظيم، عباد الله، فيمن تمسك به وفيمن عمل به، ما نستشعره وما نفرح به اليوم، إنه عيد الفطر المبارك. فرحة العيد، عباد الله، هي من محاسن الإسلام، وهي من شرائع الإسلام الظاهرة التي ينبغي على كل مسلم أن يفرح بها وأن يعتني بها. فالمسلم يتميز عن غيره من أهل الملل والنحل والكفر والضلال، يتميز بهذا، عباد الله، بأن أنعم الله عز وجل عليه بعد إتمام صيامه فرحة عظيمة يفرح بها، وهي فرحة العيد. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ ﴾، وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: «إن لكل أمة عيدًا، وهذا عيدنا». هذا عيدنا، جعل الله سبحانه وتعالى لنا عيدين في السنة: عيد الأضحى، وعيد الفطر المبارك، الذي يفرح فيه عباد الله عز وجل بعد إتمام صيامهم. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: «إظهار السرور في الأعياد من شعائر الدين»، فتظهر الفرح وتظهر السرور، وهذا من شعائر هذا الدين العظيم. نعم، عباد الله، فديننا دين عظيم، فينبغي أن نعظم هذا اليوم. فهذا اليوم، كما قال نبينا صلى الله عليه وسلم: «يوم العيد، أيام أكل وشرب وذكر لله سبحانه وتعالى». فافرحوا بنعمة الله، ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾. العيد، عباد الله، فرحًا بإتمام الصيام، وكذلك القيام وقراءة القرآن، فنجعله موسما للطاعة، موسما للعبادة، لا موسما لارتكاب المعاصي. فإن مقابلة النعم، نعمة الصيام ونعمة القيام ونعمة الطاعات، مقابلتها بارتكاب المعاصي، كما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله، هو من فعل من بدل نعمة الله كفرًا، والعياذ بالله. حذر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم الذين يبدلون نعمة الله كفرًا، فقال: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ ﴾. أي: هؤلاء الذين أنعم الله سبحانه وتعالى عليهم بنعمة الخلق، وبنعمة الرزق، وبنعمة إنزال الكتب، وبنعمة إرسال الرسل، بدلوا كل ذلك كفرًا وجحودًا بما أنعم الله سبحانه وتعالى، فكان جزاؤهم جهنم وبئس المصير. فلا ينبغي للمسلم أن يتشبه بأمثال هؤلاء الذين ذكرهم الله عز وجل، بل عليه أن يشكر الله سبحانه وتعالى. فالعيد، عباد الله، فرصة، العيد، عباد الله، فرصة للاستمرار في العمل الصالح. فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان عمله ديمة، كما قالت عائشة رضي الله عنها، ولما سئلت عن ذلك قالت: كان عليه الصلاة والسلام... أي: عن أعماله، قالت: كان يحب إذا عمل عملًا أثبته. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله يحب من الأعمال ما تداومون عليه»، أي: الذي يداوم عليه صاحبه. فمن كان في رمضان، من كان في شهر رمضان مداوما على تلاوة القرآن، فليستمر في تلاوة القرآن، ومن كان مداوما في شهر رمضان على القيام، أي قيام الليل، فليداوم كذلك بعد رمضان في قيام الليل، وهكذا سائر العبادات والطاعات. فإن رب رمضان هو رب سائر الشهور. ولهذا قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: «بئس القوم الذين لا يعرفون لله حقًا إلا في رمضان». فإن الله سبحانه لم يجعل لعمل المؤمن إلا الموت، أي: لا ينتهي عمل المؤمن ولا ينقطع بانقضاء شهر معين، وإنما يستمر عمل المؤمن في الصالحات حتى يتوفاه الله. فبئس من أقوام ما يعرفون ربهم إلا إذا جاء رمضان، فيدخل المساجد إذا دخل رمضان، وهكذا يقرأ القرآن إذا دخل رمضان، وهكذا يحافظ على الصلاة إذا دخل رمضان فقط في رمضان، وكأن الله سبحانه وتعالى يعبد فقط في رمضان. إن الذي خلق رمضان خلق سائر الشهور، وهو يعبد سبحانه وتعالى في سائر العام. فلذلك، المسلم فرصة عظيمة للذي أقبل على طاعة الله سبحانه وتعالى في شهر رمضان، أقبل الله عز وجل بقلبه، لأن شهر رمضان شهر صيام وشهر عبادة وشهر طاعة وشهر إقبال على الله. فإذا أقبل الله عز وجل بعبده المسلم فقد أراد الله عز وجل به خيرًا. فلا تكن يا عبد الله كالذي قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا ﴾، من بعد قوة أنكاثا. تلك التي نقضت غزلها، وذاك الذي كان مستمرًا على الطاعات وعلى العبادات وإقبال على الله سبحانه وتعالى، ثم خرج رمضان فترك كل ذلك وعاد إلى معاصيه، عياذًا بالله. فهذا محروم، قابل النعمة بالكفران والجحود، كما قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى. نعم، عباد الله، إن العيد فرصة لتصفية القلوب، العيد فرصة للتسامح، العيد فرصة للعفو والصفح، العيد فرصة لطهارة هذه القلوب من أمراضها، من مرض الحسد، ومن مرض الحقد، ومن مرض الغل، ومن مرض الكبر، وغيرها من الأمراض القلبية. إنها فرصة عظيمة للإقبال على الله سبحانه وتعالى. ولهذا قال بعض العلماء: «خير لباس يرتديه المسلم يوم العيد هو لباس المسامحة، ولباس العفو، ولباس الصفح». وأما ذلك الحاقد، وأما ذلك الحاسد، فهو عريان وإن تجمل بأفضل الثياب. نعم، العاري هو العاري، عباد الله، عن الفضائل، وعن الأخلاق، وعن العبادات، هذا هو العاري الحقيقي، وإن كان معه ما معه من الأموال، وإن لبس ما لبس من أجمل الثياب. لكن اللابس الحقيقي هو اللابس لتقوى الله، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾. وإن من فعل الحسنة بعد الحسنة أن يستمر العبد على طاعة الله. قال العلماء: «إن من علامات قبول الحسنة هو فعل الحسنة بعدها». ولهذا نبينا عليه الصلاة والسلام رغبنا بعد رمضان في صيام ست من شوال، فقال صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًا من شوال فكأنما صام الدهر»، أي: صام السنة، لأن الحسنة بعشر أمثالها. انظر يا عبد الله: رمضان ثلاثون يومًا، أي كأنها ثلاثمائة حسنة، ثم ست من شوال بستين حسنة، فكأنك صمت يا عبد الله دهرًا كاملًا، والحسنة بعشر أمثالها. فلذلك تستمر على هذا الخير العظيم الذي من الله سبحانه وتعالى به عليك، وأعطاك الله عز وجل ما أعطاك من النعم في رمضان وفي غير رمضان. فنشكر الله ونحمد الله سبحانه وتعالى على ما من به علينا. وأما النساء، عباد الله، النساء، أيتها المرأة المسلمة، أيتها الأم، يا صانعة الأجيال، إن العالم ينظر إليك، إن الناس ينظرون إليك، فأنت مربية الأجيال، وأنت كذلك صانعة الأبطال من الرجال. الأم مدرسة، إذا أعددتها أعددت شعبًا طيب الأعراق. الأم مدرسة، فلتفتخر كل امرأة بدينها وبإسلامها. افتخري أيها الأم، افتخري أيها المرأة بدينك، واعتزي به، وافتخري كذلك بحجابك، افتخري بعفافك، افتخري بهذه الأشياء التي أخبر الله سبحانه وتعالى عنها في كتابه الكريم. فإن دعاة الشر والضلالة، دعاة الفتن، دعاة التغريب، يريدون المرأة أن تخرج سافرة، يريدون المرأة أن تتحرر كما زعموا، التحرر الكامل، تحرر من الرجل، أي من سطوة الرجل كما يقولون. والله عز وجل من حكمته أن جعل القوامة على الرجال، جعل القوامة للرجال ولم يجعلها للنساء. ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾، ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾. هكذا يقول الله عز وجل. وهؤلاء يريدون المرأة أن تخرج سافرة، أن تخرج متبرجة، أن تشارك الرجال في العمل وتزاحمهم. نعم، عباد الله، إنهم دعاة الضلالة، إنهم دعاة الشر. والحمد لله أن مجتمعنا هذا، مجتمعنا مجتمع محافظ، يعرف تعاليم الإسلام وقيم الإسلام، فلا يسمح للمرأة بأن تتبرج وأن تخرج سافرة، وأن تزاحم الرجال في أماكن أعمالهم، وأن تسافر بدون محرم كما يريد هؤلاء، تسافر بدون محرم وتفعل وتفعل ما تفعل بحرية مطلقة بزعمهم المساواة. بين المرأة، الإسلام أعطى المرأة حقها وشرفها وكرمها، فهي الأم، وهي الأخت، وهي الزوجة، وهي البنت، وهي العمة، وهي الخالة، الكل يصونها، الكل يحفظها، الكل يرعاها، الكل يقوم بحقها. فأي نظام، عباد الله، وأي دين أعظم من دين الإسلام؟ أي دين أعظم من دين الإسلام الذي شرف وكرم المرأة؟ فنحمد الله سبحانه وتعالى على ما أنعم به في هذا الدين العظيم. الرجال لهم حقوق، والنساء لهم حقوق، والأطفال لهم حقوق، وكل ذي حق يعطى حقه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لنفسك حقًا، ولزوجك حقًا، فأعطِ كل ذي حق حقه». يقول هكذا عليه الصلاة والسلام، بحديث سلمان رضي الله عنه. فلذلك ينبغي أن نعطي الحقوق لمن أمر الله عز وجل أن نعطيه حقه. عباد الله، إنها فرصة عظيمة في هذا اليوم العظيم، اليوم المبارك، عيد الفطر المبارك، الذي هو أحد أعياد المسلمين، أن نظهر البشر والسرور والفرح بما أنعم الله عز وجل علينا من المباحات، لا من المحرمات. احذروا، عباد الله، أن نرتكب المعاصي في أيام أنعم الله سبحانه وتعالى بها علينا. فإن من قبول العبادة أن نستمر في العبادة والطاعة، وأن نشكر الله ونحمده سبحانه وتعالى على هذا العيد العظيم، عيد المسلمين. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحب ويرضى، نسأله سبحانه وتعالى في هذا اليوم أن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يعز الإسلام والمسلمين، وأن ينصر الإسلام والمسلمين، وأن يذل ويخذل أعداء هذا الدين، وأن يجعل الدائرة عليهم. اللهم عليك بالرافضة، اللهم عليك بالرافضة، اللهم عليك بالرافضة، فإنهم لا يعجزونك، إنهم يقاتلون أولياءك ويحاربون رسلك. اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين. اللهم احفظ إخواننا المسلمين المؤمنين المستضعفين في كل مكان، احفظهم في فلسطين وفي غير فلسطين، اللهم كن معهم وكن لهم برحمتك يا أرحم الراحمين. ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم. وتقبل الله عز وجل منا ومنكم صالح الأعمال، والحمد لله رب العالمين.