كتاب المساجد ومواضع الصلاة 20

كتاب المساجد ومواضع الصلاة 20

الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 20، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مشروعية الصلاة بالنعال وضوابطها

يشرح هذا الفصل مشروعية الصلاة بالنعال بناءً على أحاديث نبوية، مع التأكيد على شرط طهارة النعال. كما يشير إلى مراعاة المصالح والمفاسد عند تطبيق هذه السنة في المساجد.

ضوابط الصلاة بالنعال في المساجد ومراعاة المصلحة

يناقش هذا الفصل ضرورة مراعاة المصالح والمفاسد عند الصلاة بالنعال في المساجد، مع تقديم أمثلة على الحالات التي يُفضل فيها الامتناع عن الصلاة بالنعال لتلافي المفاسد.

أهمية الخشوع في الصلاة وإبعاد المشتتات

يتناول هذا الفصل أهمية إبعاد المشتتات أثناء الصلاة لتحقيق الخشوع، مستنداً إلى أحاديث نبوية وأحكام فقهية مستنبطة منها، مع التركيز على حضور القلب في الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام المصري بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري رحمه الله بصحيحه: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا كهمس بن الحسن، عن يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه، وعبد الله بن الشخير صحابي جليل، عداده في الأنصاريين، ورووا عنه، لما مسلم، أو: له لما مسلم، بصحيح، هي حديثين، هذا أحدهما، ورووا عنه أبناؤه يزيد ومطرف وهانئ. قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته تنخع فدلكها بنعله. قال: وحدثني يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا يزيد بن زريع، عن الجرير، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخير، عن أبيه، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فتنخع فدلكها بنعله اليسرى. قال: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: أخبرنا بشر بن مفضل، عن أبي مسلمة سعيد بن يزيد، قال: قلت لأنس بن مالك: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في النعلين؟ قال: نعم. قال: وحدثنا أبو الربيع الزهراني، قال: حدثنا عباد بن العوام، قال: حدثنا سعيد بن يزيد أبو مسلمة، قال: سألت أنسا بمثله. هذان الحديثان فيهما مشروعية الصلاة في النعال، وأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو منتعل. في حديث عبد الله بن الشخير: أنه تنخع فدلكها بنعله، معنا هذا أنه كان يصلي بنعاله. وحديث أنس: سئل أنس رضي الله عنه، سأله سعيد بن يزيد: أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في النعلين؟ قال: نعم. أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي في النعلين، فدل هذا على مشروعية الصلاة في النعال. وقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام عدة أحاديث في صلاته بالنعال، وقد جمع منها جملة كثيرة شيخنا الوادعي رحمه الله في رسالة له أسماها مشروعية الصلاة في النعال. فالصلاة في النعال مشروعة، على أنه لا بد أن تكون النعال طاهرة، لا بد أن تكون طاهرة. وبحديث أبي سعيد في السنن: لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بنعليه، ثم خلعهما في أثناء الصلاة، فخلع صحابته نعالهم. لما انتهى من الصلاة سألهم: ما الذي حملهم على ذلك؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك فخلعنا نعالنا. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «من جبريل أخبرني أن فيهما أذى أو قال: قذرا»، ثم قال: «إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر في نعليه، فإن وجد فيهما أذى فليمسحهما وليصلي فيهما». فدل هذا على أن الصلاة في النعال تشرع إذا كانت طاهرة، فإن كان فيها شيء من الأذى أو القذر أو النجاسة، فإنها تطهر بمسحها في الأرض. وفي حديث أبي هريرة في السنن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفه فطهورهما التراب»، إذا وطئ أحدكم الأذى بخفه فطهورهما التراب، بأن يمسحهما في التراب حتى يزول هذا الأذى، وحينئذ تكون طاهرة، فله أن يصلي فيها. على أنه ينبغي مراعاة المصالح والمفاسد في الصلاة في النعلين في المساجد، فإذا كان المسجد مفروشا بالبسط الثمينة، فإن أهل العلم أفتوا بأنه لا يجوز الصلاة في النعال في مثل هذه الحال، إما لما في ذلك من تلويث هذه الفرش، وكذلك إتلافها، وهي قد أنفقت فيها الأموال الباهظة. وكذلك أيضا مراعاة حال الناس، فالغالب في الناس الجهل بهذه السنة وعدم معرفتها، وكذلك أيضا عدم تقبلها، فربما لو صلى الإنسان بنعليه مع جهل الناس لأنكروا عليه وثارت فتنة وحصلت مفسدة هي أرجح من تحقيق هذه المصلحة، فلهذا لا يصلي في نعليه في المساجد إلا إذا كان هناك مسجد قد أعد لذلك، وهي بأن فرش بفرش قديمة، وبين للناس فيه السنة وتقبلوها، فلا بأس أن يصلي بنعاله. أما في عامة المساجد التي لا يعرف الناس فيها هذه السنة، فلا ينبغي أن يصلي المرء بنعليه فيثير بذلك فتنة ويحصل بذلك شر. لكن لا بأس أن يصلي الإنسان بنعليه إذا كان منفردا في بيته، أو إذا كان في أرض صحراء، أو كذلك أيضا مثلاً في حال الصلاة على الجنائز إذا كانت في مصلى وموضع خاص بصلاة الجنائز أو نحو ذلك، إذا تهيأت الفرصة وأمنت الفتنة فلا بأس. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بنعليه لأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يتقبلون ما يأتي به النبي عليه الصلاة والسلام وما يفعله ويقوله، فيجد النبي عليه الصلاة والسلام منهم الإيمان والتصديق والقبول وعدم المعارضة، بخلاف حال الناس اليوم مع البعد عن تعلم أحكام الإسلام والجهل بسنة النبي عليه الصلاة والسلام، فإنهم يجهلون كثيرا من أحكام الدين ومن سنن النبي عليه الصلاة والسلام، ومنها كذلك سنية الصلاة في النعال. قال رحمه الله: وحدثني عمر الناقد وزهير بن حرب، قالا: وحدثني أبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ لزهير، قالوا: حدثنا سفيان، عن عروة، عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام، وقال: «شغلتني أعلام هذه، فاذهبوا بها إلى أبي جهم وأتوني بأنبجانية». قالوا: حدثنا حرملة بن يحيى، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في خميصة ذات أعلام، فنظر إلى علمها، فلما قضى صلاته، قال: «اذهبوا بهذه الخميصة إلى أبي جهم بن حذيفة وأتوني بأنبجانية، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له خميصة لها علم، فكان يتشاغل بها في الصلاة، فأعطاها أبا جهم وأخذ كساء له أنبجانياً. هذا حديث عائشة رضي الله عنها في صلاة النبي عليه الصلاة والسلام في هذه الخميصة، والخميصة هو كساء له أعلام، يعني يكون مخططا بخطوط ونحو ذلك، فصلى النبي عليه الصلاة والسلام فشغلته هذه الأعلام التي في هذه الخميصة، فأمر أن تأخذ وأن تعطى إلى أبي جهم وأن يأخذ منه أنبجانية، والأنبجانية كساء صافي ليس فيه شيء من الأعلام والخطوط. وظاهر الحديث أن أبا جهم أهدى للنبي عليه الصلاة والسلام هذه الخميصة، فلما شغلته عليه الصلاة والسلام رأى أنه لا يستطيع أن يصلي عليها لما فيها من أعلام وخطوط، وكذلك كره أن يقع في قلب أبي جهم شيء إذا ردها عليه، فأمر أن ترد له هذه الخميصة وأن يأخذ منه الأنبجانية تطييبا لخاطره، وليعلم أن السبب في ذلك هو وجود هذه الأعلام لا كراهية قبول هذه الهدية منه. فهذا الحديث فيه أنه ينبغي للمسلم أن يبعد أي شيء يشغله في الصلاة، أن يبعد أي شيء يشغله في الصلاة، كان يصلي على سجادة فيها تماثيل مثلا، أو فيها شيء من الخطوط أو الأشكال التي تشغله في صلاته. فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو خير خلق الله وأتقى الناس لله وأشد الناس خشية لله جل وعلا شغلته هذه الخميصة في صلاته، فكيف بمن هو دون النبي عليه الصلاة والسلام؟ فعلم من هذا أنه ينبغي للمسلم أن يبعد أي شيء يشغله. وكذلك أيضا فيه أن من أعطي هدية أو أهدي له من إنسان وكان في قبولها منه عدم انتفاع بها وراء المصلحة، أن يردها له، فلا بأس أن يردها له مع بيان السبب، أو يطلب شيئا آخر يعلم به سبب رده وأنه ليس كراهية لما أعطاه ولما أهدى له، وإنما لكونه لن ينتفع بها ولم يحصل المقصود من إعطائه إياها. فالنبي عليه الصلاة والسلام رد الخميصة وطلب الأنبجانية حتى يحصل مقصود أبي جهم من هذه الهدية، وهو أن يصلي فيها النبي عليه الصلاة والسلام وأن ينتفع منها. وكذلك أيضا فيه استدل أهل العلم على كراهية نقش المساجد، إذا كانت هذه الخميصة التي فيها أعلام تشغل المصلي، فكيف بوجود الزخارف والنقش في المسجد؟ يصلي الإنسان ويرى الزخارف في قبلة المسجد فتشغله لا شك في صلاته. ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن زخرفة المساجد، لما في ذلك من مشابهة اليهود والنصارى فيما يفعلون في بيعهم وكنائسهم، وكذلك أيضا لما فيها من إشغال المصلي. وكذلك أيضا أنه ينبغي للمصلي أن يحرص على حضور قلبه في الصلاة، أن يكون حاضر القلب متدبرا لما يقرأ ولما يفعل، ومما يعينه على ذلك إبعاد ما يشغله، إبعاد ما يشغله من صور وخطوط وأمثال ذلك مما قد تشغل المصلي. وفيه كذلك أيضا أن وقوع الإنسان في الانشغال والفكر في الصلاة، أن ذلك لا يبطل صلاته، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام شغلته هذه الأعلام وهو في الصلاة، ومع ذلك استمر في صلاته ولم يعدها. وقوله في هذا الحديث: «إلى أبي جهم»، أبو جهم هذا هو عامر بن حذيفة، عامر بن حذيفة، وهو غير أبي الجهيم صاحب حديث: «لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه»، ذاك اسمه الحارث. فخلاصة هذا الحديث أنه ينبغي للمصلي إبعاد ما يشغله في الصلاة، سواء كان ذلك في الموضع الذي يصلي فيه كسجادة أو نحوها، أو كان أمامه إذا كان أمامه في الجدار شيء من النقوش والزخارف ونحو ذلك، أو كذلك كان أمامه من يلعب ويتحرك ويضحك أو نحو ذلك مما يشغله في الصلاة، فكل هذه الأشياء ينبغي أن تبعد حتى يصلي بحضور قلب وخشوع. فإن الخشوع في الصلاة هو لب الصلاة وروحها، والله عز وجل يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.