الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 21، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
المقطع يتناول أحاديث نبوية حول تقديم العشاء على صلاة المغرب إذا تأخر وقت العشاء. يروي الإمام مسلم أحاديث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة.
يتناول المقطع كراهة الصلاة عند حضور الطعام وضرورة البدء بالأكل إذا كانت النفس تشتهيه. يوضح استثناءات وتفاصيل حول هذا الحكم.
الصلاة بحضرة الطعام أو مدافعة الأخبثين صحيحة لكنها ناقصة. الأولى أن يقضي المصلي حاجته أولا ثم يصلي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشرف من الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: قال: حدثنا عمر الناقد، وزهير بن حرب، وأبو خيثمة، وأبو بكر بن أبي شيبة، قالوا: حدثنا سفيان بن عيينة، وأبو محمد الهلال بن أبي العلاء عن الزهري، هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة، فابدأوا بالعشاء». قال: وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي، قال: حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث عن ابن شهاب، قال: حدثني أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة، فابدأوا به قبل أن تصلوا صلاة المغرب، ولا تعجلوا عن عشائكم». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا ابن نمير، وحفص بن غياث، ووكيع عن هشام بن عروة، وعن عروة عن أبيه، وعروة عن الزبير عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل حديث ابن عيينة عن الزهري عن أنس. قال: وحدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبي، قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة واللفظ له، قال: حدثنا أبو أسامة، قال: حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وضع عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة، فابدأوا بالعشاء، ولا يعجلن حتى يفرغ منه». قال: وحدثنا محمد بن إسحاق المسيبي، قال: حدثني أنس يعني ابن عياض عن موسى بن عقبة، قال: وحدثنا هارون بن عبد الله، قال: حدثنا حماد بن مسعدة عن ابن جريج، قال: وحدثنا الصلت بن مسعود، قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن أيوب، كلهم عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه. قال: وحدثنا محمد بن عباد، قال: حدثنا حاتم، هو ابن إسماعيل عن عقيل بن مجاهد عن ابن أبي عتيق، قال: تحدثت أنا والقاسم عند عائشة رضي الله عنها، قال: والقاسم ابن محمد بن أبي بكر، ابن أختي، ابن أخي عائشة رضي الله عنها، قال: وكان القاسم رجلا لحانا، معنى لحانا أي كثير اللحن إذا تكلم يلحن في الكلام ويخطئ في النحو والإعراب، مع أنه كان من فقهاء أهل المدينة وعلمائهم، هو أحد الفقهاء السبعة الذين يضرب بهم المثل. قال: فقالت له عائشة: ما لك لا تحدث كما يتحدث ابن أخي؟ تقول لابن أبي عتيق: ما لك لا تحدث كما يتحدث ابن أخي هذا؟ أما إني قد علمت من أين أتيت هذا، أدبته أمه، وأنت أدبتك أمك، وأنت يعني تخاطب القاسم أو ابن أبي عتيق، يعني قولها هذا: أدبته أمه يعني للقاسم، وأنت أدبتك أمك يعني أمه ابن أبي عتيق. قال: فغضب القاسم وأضب عليها، يعني حقد عليها، وهي عائشة رضي الله عنها تعتبر عمته، قال: فلما رأى مائدة عائشة، يعني مائدة الطعام قد أوتي بها قام، قالت: أين؟ قال: أصلي، قالت: اجلس، قال: إني أصلي، يعني دعيني أذهب ليصلي، قالت: اجلس، غدر، وهذه غدر كلمة تطلق يعني يراد بها التأنيب والتقريع. قالت: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان» يعني البول والغائط. فهذه الأحاديث فيها كراهة الصلاة عند حضور الطعام، كراهة الصلاة عند حضور الطعام، فإذا حضر الطعام وكانت نفس الإنسان متعلقا به يرغب في هذا الطعام ويشتهيه، هنا يبدأ بالطعام قبل الصلاة. إذا حضر العشاء وقيمت الصلاة، فابدأوا بالعشاء، جاء وقت العشاء، قدم العشاء على قيام الصلاة، والإنسان جائع يرغب في هذا الطعام، يأكل أولا ثم يقوم إلى الصلاة. وهذا خاص بالعشاء فقط، يعني لو جاء بالغداء مثلا وكان في وقت الظهر، فهل يكون قبل صلاة الظهر؟ الجواب نعم له نفس الحكم، إذا جاء وقت الطعام وأقيمت الصلاة، فللإنسان أن يبدأ بالطعام. وهل يأكل من الطعام قدر ما يدفع به الجوع فقط، يعني لقمات ثم يقوم فيصلي، أو له أن يأكل حتى يشبع؟ الجواب له أن يأكل حتى يشبع، لهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ولا يعجلن حتى يفرغ منه» يعني يفرغ من حاجته من هذا الطعام، فيأكل حتى يشبع منه ثم يقوم يصلي. إذا كان الطعام ما زال على النار يطبخ، وقيمت الصلاة، ونفس الإنسان تشتهيه، هل يقوم من الصلاة وينتظر حتى ينضج الطعام ويأكل منه ثم بعد ذلك يقوم يصلي؟ الجواب يقوم يصلي ما دام أن الطعام ما زال يطبخ ولم ينضج بعد، فإنه لا يترك الصلاة لأن هذا الحديث إنما هو إذا حضر الطعام، إذا جاء وقدم، هنا تتعلق به النفس، لكن إذا كان ما زال يطبخ، فهنا العلة غير موجودة. إذا قدم الطعام وكان الإنسان لا يشتهيه، ما عنده رغبة في هذا الطعام، هل يترك الصلاة؟ الجواب لا يقوم يصلي لأنه رخص له في ترك الصلاة مع الجماعة في حال حضور الطعام إذا كانت نفسه تشتهيه، أما إذا كانت نفسه لا تشتهيه ولا ترغب فيه، فإنه حينئذ يقوم يصلي. وهكذا إذا قدم الطعام وهو صائم، كذلك يقوم يصلي، ما يقول: إذا حضر العشاء فابدأوا بالعشاء وهو صائم، ما سيأكل، لا نقول هنا: قم صلي أنت لا حاجة لك في هذا الطعام لأنك صائم، إذن يقوم يصلي. هذا الحديث إذا حضر الطعام فابدأوا بالطعام، هذا إذا كان الطعام حاضرا جاهزا وكانت النفس تشتهيه ومتعلقا به، لماذا رخص له في ترك الصلاة عند حضور الطعام؟ حفاظا على الخشوع وحضور القلب الذي هو لب الصلاة وروحها، إذا قام يصلي ونفسه تشتهي الطعام، سيبقى جسده في الصف والروح حول الصحون، الروح تحوم حول الصحون، ما سيعقل شيء من الصلاة. إذا قدم الطعام ولم يبق من وقت الصلاة إلا قدرا يسيرا لا يكفي للأكل والقيام للصلاة، إما أن يقدم الصلاة وإما أن يقدم الطعام، إن قدم الطعام خرج وقت الصلاة، وإن قدم الصلاة صلى مع حصول نقص في الخشوع وحضور القلب، لكن سيحافظ على وقت الصلاة، فأيهما يقدم؟ الصحيح أنه يقدم وقت الصلاة في هذه الحال، يقوم يصلي وإن حصل شيء من الخلل في حضور القلب والخشوع. قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا صلاة بحضرة الطعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان»، هذا النفي نفي للكمال، أي لا صلاة كاملة، فلو أنه قام يصلي والطعام قد حضر، هل صلاته باطلة؟ الصحيح أنها ليست باطلة، صلاة صحيحة لكنها ناقصة ناقصة في الخشوع وحضور القلب، لكنها صحيحة. وقوله: «لا صلاة» هنا أي لا صلاة كاملة، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل من كتف شاه فوق قيام الصلاة، فتركه عليه الصلاة والسلام وقام إلى الصلاة كما في حديث عائشة الأمية في البخاري، فدل هذا على أن النفي هنا للكمال، أي لا صلاة كاملة. وهكذا أيضا: «ولا وهو يدافعه الأخبثان»، لو دخل إلى الصلاة وهو يدافع الأخبثين البول أو الغائط، فالصلاة صحيحة لكنها ناقصة لأنه سيكون منشغلا بمدافعة البول والغائط، ولهذا الأولى الذي ينبغي أن يفعله أن يبدأ أولا بقضاء حاجته، أن يبدأ بقضاء حاجته، يذهب يبول يتغوط ثم يدخل إلى الصلاة على أكمل هيئة وأحسن حال. والنبي عليه الصلاة والسلام في مسجد الإمام محمد يقول: «إذا أتى أحدكم إلى الصلاة وأراد الخلاء، فليبدأ بالخلاء»، نعم، تبدأ أولا بقضاء حاجتك ثم تدخل إلى الصلاة، لكن لو صلى وهو يدافع الأخبثين حتى خرج منه شيء، هنا ينتقض، وهو تبطل صلاته، هنا تبطل الصلاة، ويكون النفي حينئذ للصحة، أي لصحة الصلاة. أما إذا لم يخرج شيء، فالصلاة صحيحة. وهل هذا الحكم خاص بحضور الطعام ومدافعة الأخبثين فقط، أم أنه يلحق بهما ما كان في معناهما مما يشغل المصلي إذا قام إلى الصلاة؟ الجواب الثاني، كل ما كان في مثل هذا المعنى مما يشغل المصلي إذا قام يصلي، فإنه يبدأ به أولا ثم يقوم إلى الصلاة. فمثلاً إنسان يعمل عملا من الأعمال كالخباز مثلا، وضع الخبز في النار، قيمت الصلاة، لو ذهب يصلي سيحترك الخبز وسيبقى قلبه معلقا به، يقول: أكمل هذا الخبز ثم أذهب إلى الصلاة. وهكذا أيضا لو أن عمالا يعملون وجاء وقت الصلاة، ولو ذهبوا يصلون ولم يكملوا ما معهم من العمل، لحصل شيء من تلف المال، كالسمنت مثلا إذا ترك وقت أداء الصلاة سيتجمد مثلا ويقوى ولا يصلح بعد ذلك استعماله، فيبدأون يكملون هذا العمل ثم يذهبون إلى الصلاة. على أن الذي ينبغي أن صاحب العمل يتهيأ بوقت الصلاة ويتحرى انتهاء العمل قبل مجيء وقت الصلاة حتى يصلي الصلاة في وقتها مع الجماعة، لكن لو حصل أن يستمر في العمل ولم يأتي أو ينتهي العمل إلا وقد قيمت الصلاة، وإذا توقف عن العمل صار في ذلك شيء من الضرر أو تلف المال، فإنه يكمل عمله. قال رحمه الله: حدثنا يحيى بن أيوب، وقتيبة بن سعيد، ومن حجر، قالوا: حدثنا إسماعيل وهو ابن جعفر، قال: أخبرني أبو حزرة القاص عن عبد الله بن أبي عتيق عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، ولم يذكر في الحديث قصة القاسم. صلى الله عليه وسلم نبينا محمد، آل وصحبه أجمعين.