مقومات النجاح في الوظائف والولايات

مقومات النجاح في الوظائف والولايات

الخطبة بعنوان مقومات النجاح في الوظائف والولايات، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 11 ذو القعدة 1446هـ الموافق 9 مايو 2025م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

مقومات النجاح الوظيفي في ضوء قصص الأنبياء

استعرض الخطيب ثلاثة مقومات أساسية للنجاح في الوظائف والأعمال مستخلصة من القرآن الكريم هي: العلم، والقوة، والأمانة، مستدلاً بقصص الأنبياء موسى ويوسف وسليمان وطالوت، ومؤكداً أن هذه الصفات ضرورية لا غنى عنها خاصة في المناصب الدينية والقضائية والتعليمية.

اشتراط الكفاءة والأمانة في الولايات الشرعية

بيّن المقطع ضرورة توفر العلم والبصيرة والقوة والأمانة فيمن يتولون الوظائف الشرعية كالدعوة والإفتاء والقضاء، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية وآثار الصحابة، محذراً من عواقب تولي غير الأكفاء لتلك المهام، ومشيراً إلى ندرة اجتماع القوة والأمانة في شخص واحد كما شكا عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

النهي عن تولية غير الأكفاء وعلامات الساعة

حذر الخطيب من تولية غير الأكفاء في المناصب العامة والخاصة مستدلاً بأحاديث نبوية صريحة، منها حديث أبي ذر بأن الولاية أمانة وندامة إلا لمن أدى حقها، وحديث أبي هريرة أن إضاعة الأمانة بتولية غير أهلها من أشراط الساعة، داعياً الله أن يولي على المسلمين خيارهم.

الدعاء الختامي بإصلاح الولاة ونصر الدين

اختتمت الخطبة بدعاء جامع تضمن طلب إصلاح الولاة ومنحهم البطانة الصالحة، ونصر الإسلام وإذلال الكفر والشرك، مع سؤال الله الهدى والتقى والعفاف والغنى، وخُتم بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، عباد الله، إن من أقوى أسباب النجاح في الوظائف والأعمال والولايات، سواء كانت دينية أو دنيوية، اختيار الموظفين والعمال الذين تجتمع فيهم ثلاث مقومات، والذين يتحلون بثلاث صفات، وهي: العلم، والقوة، والقدرة. وقد دل الكتاب والسنة على هذه المقومات الثلاث، فقال سبحانه وتعالى وهو يخبرنا عن إحدى المرأتين التي جاءتا إلى نبي الله موسى عليه السلام: ﴿فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾، أي: إن خير من استعملت من قوي في العمل، ومن أدى الأمانة. جاء في التفسير أن أباها قال لها: وما علمك بقوته وأمانته؟ قالت: أما قوته فإنه رفع حجرًا لا يُنْزَعُ على رأس البئر لا يرفعه إلا العشرة، وأما أمانته فلما جئته مشيت أمامه فقال لي: امشي خلفي فإني أخشى أن تصف الريح بدنك. وهكذا يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وهو يخبرنا عن نبيه يوسف عليه السلام لما طلبه الملك: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾، أي: حفيظ لما استعملتني، عليم بما وليتني. ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم وهو يذكر لنا من حال ذلكم العفريت الذي يريد أن يأتي بعرش ملكة سبأ لسليمان من اليمن إلى الشام: ﴿قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾، أي: قوي على حمله، أمين لما فيه من الأمانات والجواهر ونحوها. وهكذا يخبرنا ربنا سبحانه وتعالى عن مقومات القائد الناجح المجاهد في سبيل الله، فقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿قَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾، فبين أن من مقومات القائد الناجح المجاهد في سبيل الله قوة الجسد، وهكذا العلم. وهكذا، أيها المسلمون، عباد الله، في باب القضاء وفي باب الفصل بين الناس، فقد قال ربنا سبحانه وتعالى لنبيه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ فَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾، أي: إن أنزلنا إليك هذا القرآن لتحكم وتفصل وتقضي بين الناس بما أنزل الله عز وجل عليك من العلم والبصيرة. أيها المسلمون، عباد الله، إن العلم من أعظم مقومات العامل والموظف الناجح، خصوصًا في الوظائف والأعمال الدينية، كالقضاء، والإفتاء، والصلاة، والأذان، والتدريس والتعليم. فقد قال نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم كما في حديث أبي هريرة: «الإمام ضامن، والمؤذن مؤتمن»، أي: مع علمه بمواقيت الصلاة يجب عليه أن يتقي الله عز وجل وأن لا يؤذن إلا في الوقت الشرعي. نعم، وهكذا في غيرها من الوظائف الشرعية كما تقدم في الآية المتقدمة. أيها المسلمون، عباد الله، إن العلم المراد به في نجاح الوظائف هو خصوصًا الوظائف الشرعية، كالإفتاء والدعوة إلى الله عز وجل والتدريس، العلم بمعنى البصيرة. فقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾. يقول العلامة ابن العثيمين عليه رحمة الله: «وليست البصيرة العلم بالشرع فحسب، بل تشمل ثلاثة أمور: العلم بالشرع، والعلم بحال المدعو، والعلم بالسبيل الموصل إلى المقصود، وهي الحكمة». فهي الحكمة. فلا بد من العلم يا عباد الله في مثل تلك الوظائف، فإذا وسدت لغير أهلها، وإذا وسدت للجهال من الناس، فإن ذلك من أعظم أسباب الضلال والإضلال. فقد جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «إن الله لا ينزع العلم انتزاعًا من صدور الرجال، ولكن ينزع العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا». وهكذا يا عباد الله، القوة والقدرة على القيام بالأعمال والوظائف، وليس المقصود بالقدرة والقوة هي قوة البدن فحسب، بل إن من الأعمال والوظائف ما يحتاج فيها إلى قوة نطق ولسان، ومن الأعمال والوظائف ما يحتاج فيها إلى قوة تفكير وتدبير، ومن الوظائف والأعمال ما يحتاج فيها إلى قوة بيان وكتابة، ومن الأعمال ما يحتاج فيها إلى قوة شخصية وكذلك مهابة، فكل عمل بحسبه. فإننا يا عباد الله إذا لم نجعل هذه الأمور من أولويات اختيارنا للعمال والموظفين، صار الفساد والإفساد في المجتمع. أيها المسلمون، عباد الله، إن الناظر في سيرة نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليرى أنه يضع الرجل المناسب في المكان المناسب في جميع الوظائف والأعمال. ففي أمور الدعوة والتعليم، فقد أرسل نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم في أول الأمر في الدعوة المكية، أرسل مصعب بن عمير إلى المدينة ليعلم الناس القرآن، وكان مصعب رضي الله تعالى عنه من أهل القرآن ومن أهل العلم. وهكذا في باب الجهاد وقيادة الجيوش، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يختار من القادة من عنده قدرة، ومن عنده خبرة بأمور الحرب والجهاد في سبيل الله. وهكذا الصحابة الكرام، لما أراد أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن يجمع القرآن من الرقاع والعظام إلى الصحف، خشية أن يموت هؤلاء الكتاب فيندثر القرآن، اختار رجلًا مناسبًا لهذه المهمة، إنه زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقال له أبو بكر الصديق: «إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، لا نتهمك»، فاختاره لهذه المهمة العظيمة. أيها المسلمون، عباد الله، إن القوة والأمانة قد يقل اجتماعهما في العمال والموظفين، فقد تجد من العمال والموظفين من هو قوي ولكنه خائن، وتجد من الموظفين والعمال من هو أمين ولكنه ضعيف. وهذا الذي شكا منه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، كما صح عنه أنه قال: «أشكو إلى الله من عجزي، أو أشكو إلى الله عجز الثقة وجلد الفاجر»، عجز الثقة: أي ضعف الأمين، وجلد الفاجر: أي قوة الخائن. فإذا كان عمر الفاروق يشكو من ذلك في عصره، فماذا عسانا أن نقول في عصرنا هذا؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم. الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. أيها المسلمون، عباد الله، لقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم يبعد من لم يكن مناسبًا لولاية من الولايات، لا بسبب عدم أمانته، وإنما بسبب ضعفه عن القيام بوظائف هذه الولاية. ففي صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تستعملني؟» يعني: ألا تجعلني في وظيفة وولاية؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بعدما ضرب على منكبه: «يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى ما عليه فيها». قال العلماء: المراد بالضعف في هذا الحديث هو الضعف عن القيام، هو العجز عن القيام بوظائف هذه الولاية. فهكذا ينبغي أن يكون المسلمون، أن يختاروا لوظائفهم من اجتمعت فيه هذه الخصال. أيها المسلمون، عباد الله، إن توسيد من ليس أهلًا في ولاية أو في وظيفة أو في أي عمل من الأعمال العامة أو الخاصة، له أضرار جسيمة على الأفراد وعلى المجتمعات. فتوسيد من ليس أهلًا يكون سببًا لتعطيل مصالح المسلمين، وليتخل في المجتمع عن التقدم والرقي. أيها المسلمون، عباد الله، لقد حذرنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من أن نوسد الأمر إلى غير أهله، وجعل ذلك من علامات الساعة. ففي صحيح مسلم، أو في صحيح البخاري، من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يحدث أصحابه، فجاء أعرابي فقال: يا رسول الله، متى الساعة؟ فمضى النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه، فلما قضى حديثه قال عليه الصلاة والسلام: «أين السائل؟» فقال الأعرابي: أنا يا رسول الله. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة». فقال: يا رسول الله، وكيف إضاعتها؟ قال: «إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة». فانتظر الساعة إذا أولي على المسلمين من ليس أهلًا، لا في دين وأمانة، ولا في قوة واستطاعة على القيام بهذه الوظيفة. وهكذا حذرنا نبينا عليه الصلاة والسلام من أن نولي في زماننا من ليس أهلًا لها، كما جاء عند ابن ماجه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة». قالوا: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة». رجل ليس أهلًا لأن يحدد مصير الأمة، ولا إلى أن ينظر ويسوس هذه الأمة، فيتكلم في أمر العامة بقوله: ينبغي أن يكون كذا، والصواب أن نفعل كذا، وهو رجل تافه ليس أهلًا لأن يتكلم في أمر العامة. أيها المسلمون، عباد الله، ينبغي علينا أن نراعي هذه المقومات الثلاث: العلم، والقوة، والأمانة، في جميع وظائفنا. ولو كان معك دكان، فإنك إن أتيت بالقوي الخائن ضيع عملك وأخذ أموالك، وإن أتيت بالأمين العاجز الكسلان كذلك أهمل عملك ولم يستطع إدارة هذا العمل. هذا إذا كانت في الأعمال الصغيرة، فكيف بالأعمال العظيمة والولايات العامة؟ فنسأل الله بمنه وكرمه وجوده وإحسانه أن يولي علينا خيارنا، وأن يبعد عنا شرارنا. اللهم أصلح ولاتنا، اللهم أرزقهم البطانة الصالحة يا أكرم الأكرمين. اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الكفر والكافرين، أعداءك أعداء الدين. اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى. وصلى اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. والحمد لله رب العالمين.