الدرس في كتاب المعاملات 35، ألقاها
المسابقة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع، حيث دلت الآيات القرآنية والأحاديث النبوية على مشروعيتها. أجمع المسلمون على جوازها في الجملة.
يشرح المقطع أحكام المسابقة في الإسلام، مبينا أنواع المسابقات التي تجوز فيها أخذ العوض، مثل سباق الخيل والإبل والرمي، وأخرى لا تجوز فيها أخذ العوض. كما يوضح أن كل ما يترتب عليه مصلحة شرعية أو تعليمية يجوز أخذ العوض عليه.
يذكر الفقهاء شروطا لصحة المسابقة، لكن الرأي الصحيح الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام ابن القيم رحمهم الله هو جواز أن يكون العوض من المتسابقين أو من أحدهما لحديث النبي عليه الصلاة والسلام.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المؤلف: قول الله. الباب السابع عشر: المسابقة، وفيه مسائل. قال: المسألة الأولى: معناها وحكمها. قال: أولا: معناها: السبق ما يتراهن عليه المتسابقون في الخيل والإبل، وفي النضال. فمن سبق، سبق أخذه. والمسابقة هي المجارات بين الحيوان وغيره، والمناضلة والنضال: المسابقة بالرمي بالسهام ونحوها. عندنا: السبق، وعندنا: السبق بإسكان الباء: الرهن الذي يوضع في المسابقة. والسبق بفتح الباء: المسابقة. إذن، السبق ما يتراهن عليه المتسابقون، يعني الرهن الذي يوضع، من سبق أخذه. هذا الرهن يسمى سبقا. وأما المسابقة التي هي فعل السباق، فهي المجارات بين الحيوان وغيره، يعني أن يجري حيوان ما حيوانا، أو من يتسابق مع غيره على حيوان أو غيرها من المركوبات، هذه تسمى مسابقة. والمناضلة والنضال: الرمي، المسابقة بالرمي بالسهام ونحوها، بالسهام، بالرماح، بالآلات الحديثة اليوم، بالبندق والآل ونحوها. يقول: حكمها وأدلتها. قال: والمسابقة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب، قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةِ﴾، فالله جل على أمر بإعداد العدة لقتال الأعداء والكفار. وفسر النبي عليه الصلاة والسلام هذه القوة بالرمي، كما جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية، ثم قال: «ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي». إذن، هذه الآية فيها حث وترغيب على الاستعداد لإعداد العدة للجهاد في سبيل الله، ومن ذلك الرمي. معنى هذا أن الإنسان يستعد، يعود نفسه على الرمي، إصابة الهدف، أو يسابق على ذلك كذلك، هذا كله مما يعين على إتقان استعمال هذه الآلات الحربية. قال: ومن السنة ما رواه عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة من الحفياء إلى ثنية الوداع، وبين التي لم تضمر من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق، والحديث في الصحيحين. والخيل المضمرة هي التي تعطى العلف حتى تسمن، ثم تترك فلا تعلف حتى تصير خفيفة، يعني تعطى قوتا خفيفا فتخف وتتعضل، فتكون سريعة في الجري. يفعل ذلك في الخيل إذا أريد بها أن تكون سريعة للغزو أو السباق. فالنبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل المضمرة التي عدت لذلك من مسافة بعيدة، من الحفياء إلى ثنية الوداع، والخيل غير المضمرة جعل لها مسافة أقصر منها، من ثنية الوداع إلى مسجد بني زريق. فهذا الحديث في أن النبي صلى الله عليه وسلم سابق بين الخيل، فيدل على مشروعية المسابقة. قال: وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر»، والحديث رواه أبو داود والنسائي، وصححه الإمام الألباني رحمه الله. وقوله عليه الصلاة والسلام: «لا سبق» بفتح الباء، يعني لا رهن إلا في هذه الثلاثة. لا يجوز أخذ الرهن في شيء من المسابقات إلا في هذه الثلاث: في الخف، وهي للبعير، والنصل، أي السهام، والحافر، أي الفرس. إذا كانت المسابقة بالبعير أو بالخيل أو بالرمي بالسهام، فهذه يجوز فيها أخذ الرهن، ولا تكون من الميسر المحرم. ويلحق بها ما كان مثلها من الآلات الحديثة. فالخيل مثلا والفرس يلحق بها الطائرة، وكذلك أيضا السيارات مثلا السريعة والخيل، الدبابة ونحوها. والسهام: آلات الرمي الحديثة، كالآل ونحوها، هذه كلها تلحق بها. لأن الشرع لا يفرق بين متماثل، ولا يجمع بين مختلف. لما كانت آلات القتال والمركوبات في ذلك الزمان هي الخيول والإبل، وكان الرمي بالسهام، أجاز الشرع أخذ الرهن فيها لأجل إتقان استعمالها في الحروب وفي الجهاد في سبيل الله، فكذلك يقال فيما كان مثلها من الآلات الحديثة مما تستعمل في القتال والجهاد في سبيل الله، فإنها تأخذ حكمها. قال: وقد أجمع المسلمون على جواز المسابقة في الجملة، وإن كان هناك يعني بعض الاختلاف في تفاصيل مسائل المسابقة، إلا أن في أصل مشروعية المسابقة هذا مجمع عليه. قال: المسألة الثانية: الأحكام المتعلقة بها. قال: أولا: تجوز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب، وغيرها من الدواب كالبغال والحمير وهكذا البقر، على الصحيح، يجوز أن يسابق عليها. قال: والمراكب، يعني التي تركب، ومنها المراكب الحديثة اليوم كالسيارات والدبابات ونحوها. قال: وعلى الأقدام، يعني جريا على القدم. وكذا الترامي بالسهام، واستعمال الأسلحة التي تقوم مقام السهام، المسدس والآلي ونحوها. هذه كلها تجوز فيها المسابقة، سواء كانت بالخيل والإبل، حمير، بغال، بقر، وهكذا الترامي بالسهام ونحوها. قال: ثانيا: تجوز المسابقة على عوض في الإبل والخيل والسهام، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر». هنا أولا ذكر في القسم الأول جواز المسابقة على جهة العموم بأنواع الحيوانات، وكذلك أنواع المسابقات في المركوبات في الجري إلى آخره. ثم ذكر في الحكم الثاني من أحكام المسابقة أن من المسابقات ما يجوز فيها أخذ العوض، ومنها ما لا يجوز أخذ العوض فيها. فذكر أنه يجوز أخذ العوض في المسابقة في الإبل والخيل والسهام. لماذا؟ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر»، يعني لا رهن إلا في هذه الأمور الثلاثة. إذا كانت المسابقة بالخف، يعني بالبعير، أو كانت بالسهام، أو كانت بالخيل، فهذه يجوز أخذ الرهن فيها. ومفهوم المخالفة أن غير هذه الثلاثة لا يجوز أخذ الرهن فيها. إذن، يجوز أخذ العوض في هذه المسابقة في هذه الأمور الثلاثة. يتسابق اثنان مثلا على خيول، هذا يضع رهنا، وهذا يضع رهن، الذي يغلب يأخذ هذا الرهن. هذا يجوز في سباق الخيل، أو كذلك أيضا سباق الإبل، أو كذلك بالرمي. وهكذا أيضا يلحق به كما قلنا ما كان مثلها. لو تسابقا مثلا بالبندقية، على أن من أصاب أخذ الرهن، هذا وضع رهنا، وهذا وضع رهن، من أصاب أخذه. هل هذا يجوز؟ الجواب: نعم، يجوز. قال: ثالثا: كل ما يترتب عليه مصلحة شرعية، كالتدرب على الجهاد، والتدرب على مسائل العلم، فالمسابقة فيه مباحة، ويجوز أخذ العوض عليها. يعني قياسا على ما ذكر في الحديث، كل ما كان في فعله مصلحة شرعية مما يعين على الجهاد في سبيل الله، سواء كان الجهاد الحسي أو الجهاد المعنوي، فإنه يجوز أخذ العوض عليه. كالتدرب على الجهاد، إذا فعل شيء من المسابقات لفعل أشياء تعين على الجهاد في سبيل الله، فيجوز أخذ العوض عليها. أو كذلك التدرب على مسائل العلم، مسابقة علمية مثلا في حفظ القرآن أو في حفظ السنة أو نحو ذلك، هذه كذلك يجوز أخذ المعاوضة فيها. لأن الجهاد كما يكون بالسيف والسنان، كذلك فإنه يكون بالحجة والبرهان. قال: رابعا: كل ما يقصد منه اللعب والمرح الذي لا مضرة فيه مما أباحه الشرع، تجوز فيه المسابقة، بشرط ألا يشغل عن أمور الدين الواجبة كالصلاة ونحوها. وهذا النوع لا يجوز أخذ العوض عليه. كل ما يقصد منه اللعب والمرح الذي لا مضرة منه مما أباحه الشرع، تجوز المسابقة به، يعني من الألعاب التي فيها منفعة ولا مضرة فيها، فيها منفعة مثل الجري، هذا فيه منفعة تقوية للجسم، وكذلك أيضا يعين على الكر والفر في القتال. حمل الأثقال مثلا، من يحمل الشيء الثقيل، كذلك مثلا المصارعة، من يصرع الآخر فيسقطه في الأرض. طيب، هذه أشياء مباحة فيها نفع وليس فيها مضرة، فتجوز على أن لا تشغل عما هو واجب كالصلاة ونحوها. وهذه تجوز بلا عوض، يعني لا يجوز أخذ العوض فيها. قال: خامسا: لكل واحد من المتسابقين فسخ المسابقة ما لم يظهر الفضل لصاحبه، فإن ظهر فللفاضل الفسخ دون المفضول. لكل واحد من المتسابقين فسخ المسابقة الآن، أنت تتسابق مع صاحبك، طيب مثلا في سباق الجري، فقلت أو اتفقتم على أن من سبق مرتين فهو الفائز، أو مثلا من سبق ثلاث مرات فهو الفائز. فتسابقت معه المرة الأولى ففاز عليك، ثم تسابقت معه المرة الثانية ففاز. فقلت الآن: أنا أفسخ المسابقة، خلاص ما سأسابق. لماذا؟ هنا الآن ظهر الفضل لصاحب المرتين، هنا لا يجوز الآن لصاحب المفضول هذا أن يفسخ المسابقة. لماذا؟ لأن الفضل هنا قد ظهر للذي فاز مرتين، فلا يحق له أن يفسخ المسابقة. لكن العكس، الذي فاز مرتين، هل له أن يفسخ المسابقة؟ الجواب: نعم، له أن يفسخ المسابقة، لأنه حيث لا ضرر على الآخر. قال: سادسا: تبطل المسابقة بموت أحد المتسابقين أو أحد المركوبين، يعني مثلا اثنان يتسابقان على خيل، أحدهما تعثر خيله فمات، انتهت المسابقة، أو مات أحد المتسابقين، سقط من على الخيل فمات، انتهت المسابقة. قال: سابعا: يكره للأمين أو الحضور مدح أحد المتسابقين أو عيبه. يكره للأمين أو الحضور، الأمين كان يراد من عنده الرهن الذي أمنه بوضع الرهن عنده، أو من يعني يحدد الفائز من المتسابقين. والحضور: الجمهور الذين يرون المسابقة. قال: يكره مدح أحد المتسابقين، يمدح مثلا فلانا هذا سيفوز، وهذا سيكون هو الأول، وكذا. وأما فلان فهذا سيكون مغلوبا ونحو ذلك، لأن هذا مما يعني يحطم المعنويات، وكذلك أيضا يسبب الشحناء ربما بين المتسابقين. قال: المسألة الثالثة: شروط أخذ العوض في المسابقة. قال: أولا: تعيين الرمي في المناضلة أو المركوبين في المسابقة، وذلك بالرؤية. لا بد في المسابقة من تعيين الرمي، يعني يقال مثلا: أنت يا فلان ستناظر فلان ابن فلان. فيعين، وهكذا المركوب مثلا: سابقك بهذا الجمل أو بهذا الفرس ونحو ذلك، أو بهذه السيارة. قال: ثانيا: اتحاد المراكب في المسابقة أو القوسين في المناضلة، وذلك بالنوع. فلا تصح بين عربي وهجين، ولا بين قوس عربية وفارسية. لا بد من اتحاد المراكب، أنت الآن تسابقه ما تسابقه بخيل وهو بإبل، هذا ما يصح. طيب، أو كذلك أيضا أنت بخيل عربية وهو بخيل هجين، يعني عجمية. لا بد أن يتفق النوع، اتفاق الجنس واتفاق النوع. لماذا؟ حتى يعني تكون الآلات المسابقة متحدة، فيعلم من الفائز والذي يسبق غيره. بخلاف لو اختلفت المراكب، لأن بعض المراكب بطيئة وبعضها سريعة، يعني مثلا الخيل السريعة ليست كالإبل، الإبل بطيئة بالنسبة للخيل. ما يصح يتسابق على خيل والآخر على إبل، لكن إبل مع إبل، خيل مع خيل، بغل مع بغل، وهكذا. كذلك أيضا اتحاد القوسين في المناضلة، يعني أنت الآن مثلا في الرمي، أنت سترمي برشاش آلي والآخر معه مسدس، هذا ما يصلح. لا بد يكون الآلة واحدة، أنت رشاش هو رشاش. قال: ثالثا: تحديد المسافة أو الغاية، وذلك إما بالمشاهدة أو بالذرع. تحديد المسافة أو الغاية، يقال: المسابقة من هنا إلى المكان الفلاني، تحدد بكذا كذا متر مثلا، أو كذلك أيضا بالمشاهدة، أو مثلا يوضع شيء يراه كلا المتسابقين، أو تحد بالذرع، تذرع بكذا كذا ذراع. كانوا في السابق يحددون في المسابقة ثلاثمائة ذراع، يجعلونها ثلاثمائة ذراع، وهي نحو مائتي متر، كانت هذه المسافة في السابق مسافة بعيدة باستعمال السهام ونحو ذلك، وهي مع الآلات الحديثة اليوم تعتبر قصيرة. وعلى كل فلا شك كل زمان يختلف عن زمان آخر، والآلات تختلف، فلها على حسب ما يتفق عليه في تحديد المسافة التي تصلح لهذه الآلات، لكن لا بد تكون مسافة محددة، ما تكون مجهولة. قال: رابعا: أن يكون العوض معلوما ومباحا، لأنه مال في عقد، فوجب العلم به وإباحته كسائر العقود. لا بد أن يكون العوض معلوما، يعني ما يكون شيء مجهول، يقول: يأخذ عوضا على ما في هذا الصندوق، أو ما في بيتي مثلا، أو ما في سيارتي، هذا لا يصح. حينئذ أن يكون مجهولا، لا بد أن يكون شيء معلوم. وكذلك أن يكون مباحا، ما يكون العوض محرما، ما يكون العوض محرما كشرب مثلا خمر، أو خنزير، أو آلات لهو وطرب، أو نحو ذلك من أمور المحرمات، لا بد أن يكون مباحا. قال: خامسا: أن يكون العوض من غير المتسابقين، ليخرج بذلك من شبه القمار. أما إذا كان منهما أو من أحدهما فلا تصح المسابقة. هذا قول الحنابلة وغيرهم من الفقهاء، اشترطوا في صحة المسابقة بهذه الأمور الثلاثة وما كان بمعناها، أن يكون العوض من غير المتسابقين. قالوا: حتى تخرج عن صورة القمار. لكن الصحيح أنه يجوز أن يكون العوض منهما أو من أحدهما، يجوز أن يكون العوض منهما أو من أحدهما، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر». وهذا نص يدل على الجواز، ويكون هذا الحديث مخصصا لنهي عن المعاملات القمار والميسر، فيكون هذا جائز بنص هذا الحديث، ويكون هذا مما يستثنى. وهذا والصحيح، وهو الذي رجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والإمام ابن القيم.