الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 19، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المحور باب تحريم سب المسلم بغير حق مستدلاً بآية الأذى، ويبين أن من أعظم صور الأذية السب والافتراء مع وعيد شديد للمرتكبين. ويسلط الضوء على افتراءات الروافض على الصحابة الكرام مخالفين منهج المؤمنين في الاستغفار لهم، ويختتم بفضائل عبد الله بن مسعود وبشارة النبي صلى الله عليه وسلم له.
يتناول المحور حديث ابن مسعود عن سبق أبي بكر، وحديث «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» مع بيان معنى الفسوق والكفر الأصغر. ثم يذكر فضائل أبي ذر وأبي هريرة رضي الله عنهما، ويختم بتحريم سب الصحابة وعظم حقهم كما في حديث «لا تسبوا أصحابي».
يبين المحور حكم المتسابين وأن الإثم على البادئ ما لم يعتد المظلوم، وحد شرب الخمر مع النهي عن تعيير التائب. كما يتناول تحريم قذف المملوك بالزنا وأن حده يوم القيامة إلا إذا كان صادقاً، مع الإشارة لآداب التعامل مع التائبين.
يختتم المتحدث كلامه بالدعاء للجميع بالتوفيق لما يحبه الله ويرضاه، ويصلي ويسلم على النبي محمد وآله، ويحمد الله رب العالمين، مفوضاً العلم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى في كتاب الأمور المنهية عنها من رياض الصالحين: قال رحمه الله تعالى: «باب تحريم سب المسلم بغير حق». باب تحريم سب المسلم بغير حق. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾. ومن أعظم صور الأذية التي قد يؤذي بها المسلم أخاه المسلم هو السب، وهكذا أيضًا الشتم، وهكذا أيضًا الافتراء على أخيه المسلم ويرميه بما ليس فيه، بما ليس فيه. قال: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، أي: كان ذلك فيه الإثم الكبير والبهتان الخطير أيضًا. وهذا كله من الوعيد الشديد الذي يجب على المسلم أن يبتعد عنه. وفي مقدمة من يدخل في هذا الوعيد - يا إخوان - الروافض الذين يرمون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بما هم براء منه. كم يا إخوان يكذبون على أبي بكر الصديق ويفترون عليه القصص والأخبار الكاذبة، مع أن أبا بكر الصديق مبشر بالجنة، وشهد له النبي صلى الله عليه وسلم بالإيمان والجنة. فهل أنتم تاركوا لي صاحبي كما قال عليه الصلاة والسلام؟ وهكذا عمر، يشددون عليه ويغلظون عليه في الافتراء، ولعل سبب ذلك هو أن عمر كان في عهده سقوط تلك الإمبراطورية الفارسية المجوسية، ولهذا يحملون على عمر أيما حمل في البهتان والافتراء. وهكذا قيل في عثمان وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يستثنون من التكفير ومن الافتراء واللعن والسب إلا العدد اليسير من أهل البيت، وهكذا أيضًا من بعض الصحابة كأبي ذر والمقداد ونحوهم. قال رحمه الله تعالى: ولهذا رد العلماء على الرافضة بقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. والروافض يطعنون في من سبقهم بالإيمان، وقلوبهم مليئة بالغيظ والحنق والحقد والكراهية لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. قال: وعن ابن مسعود رضي الله عنه... ما اسمه؟ ما اسمه ابن مسعود؟ نعم، عندك يا عكاشة: ابن مسعود، ما اسمه؟ فعنده صاحبك. نعم، ابن مسعود، ما اسمه يا أبا زكريا؟ ما اسمه؟ أين أبا زكريا؟ أنت صحب... لا، نعم تفضل: ما اسمه؟ عبد الله بن مسعود. أبو... أبو من؟ نعم، أبو من؟ أبو عبد الرحمن. الهدلي، أحد علماء أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وأثنى عليه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: «من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد»، أي: ابن مسعود رضي الله عنه. ومر النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة ومعه أبو بكر وعمر، فمروا ببيت ابن مسعود، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم ابن مسعود يدعو فيقول: «اللهم إني أسألك إيمانا لا يرتد، ويقينا لا ينفذ، ومرافقة نبيك صلى الله عليه وسلم في أعلى الجنة». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سل تعطه، سل تعطه». فلما أصبحوا أتى عمر مسرعا إلى بيت ابن مسعود يحمل معه هذه البشارة، فلما وصل إلى بيت ابن مسعود وفتح له ابن مسعود، ساله ابن مسعود: ما الذي جاء بك؟ قال: أريد أن أبشرك بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم البارحة. فقال ابن مسعود: لقد سبقك أبو بكر، لقد سبقك أبو بكر. قال عمر: إن يفعل فإنه سباق، ما استبقنا في شيء إلا سبقنا إليه أبو بكر، إلا سبقنا إليه أبو بكر. قال: وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر». قال: متفق عليه. وقوله: «سباب المسلم فسوق»، والفسوق هو الخروج من الطاعة إلى المعصية، إلى المعصية، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ﴾، أي: خرج عن أمر ربه. قال: «وقتاله كفر»، وهذا فيه تعظيم السباب فضلا عن القتال، فكل ذلك يعتبر من عدم القيام بحق المسلم، وهكذا أيضًا يعتبر بابا من أبواب... ماذا؟ الكفر. وليس الكفر الأكبر، وإنما كفر أصغر، إلا إذا استحل قتل أخيه المسلم، فهنا ينتقل إلى الأكبر. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول... نعم، ما اسم أبي ذر؟ ما اسم أبي ذر يا أبا مسلم؟ ما اسم أبي ذر؟ ما اسم أبي ذر؟ نعم، ما اسم أبي ذر يا أبا الحسن؟ نعم، من عويمر بن مالك... ويمر بن مالك؟ يا أبا طاهر، مر معنا قريبا أنه اسم أبي... أبي الدرداء؟ أحسن. نعم، نعم يا أبا عبد الله: جندب بن جنادة، جندب بن جنادة الغفاري. وأبو ذر من السابقين الأولين إلى الإسلام. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أظلت الخضراء - يعني السماء - ولا أقلت الغبراء - يعني الأرض - أصدق من ذي لهجة من أبي ذر، من أبي ذر». قال: أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يرمي رجل رجلا بالفسق أو بالكفر إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك». قال: رواه البخاري. ومعنى «ارتدت عليه»: أي رجعت عليه، رجعت عليه. قيل: إذا رماه بالفسق عاد الفسق عليه، وإذا رماه بالكفر عاد الكفر عليه. وقيل: الذي يرجع إليه هو إثم التفسيق وإثم التكفير، وليس الفسق والكفر بعينه. لكن يا إخوان، هذا يدل على خطورة هذا الأمر، على خطورة هذا الأمر. قال: وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال... نعم، أبو هريرة تكرر معنا كثيرا. يا أبا تميم، معنا... معنا نسمو... أبي هريرة، أبو هريرة، أين أبو هريرة؟ نعم، عندك... أما هذه أنت أولى بالإجابة. نعم، أحسنت. من الذي لقب أبا هريرة بهذا اللقب؟ الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال له: «قم أبا هر، قم أبا هر». طيب، ما اسم أبي هريرة؟ نعم، يا أبا حذيفة: عبد الرحمن بن صخر. وماذا؟ هذا على المشهور في اسمه واسم أبيه. حافظ الصحابة. هؤلاء الصحابة يا إخوان لهم حق عظيم علينا، هم حملة هذا الدين ونقلته، ونقلته إلينا، وكم بدلوا من الغالي والنفيس من أجل نشر هذا الدين. انظروا إلى قبورهم: الذي يقبر في قبوره في الشام، والذي يقبر في الشام، والذي قبر في إفريقيا، كل ذلك وغيره كثير من أجل نشر هذا الدين. فكم هو الفضل الذي لهؤلاء الصحابة! ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفا». فما هو أحد؟ عبارة عن ماذا؟ جبل. أحسنت. يقع بي... يقع أين؟ في... نعم، وإلا عند صاحبك؟ عندك؟ جبل أحد، أين يقع؟ نعم، يا خالد، معنا خالد. السلام عليكم. سمعت السؤال: جبل أحد أين يقع؟ جبل أحد الذي وقعت عنده المعركة العظيمة المشهورة، أين يقع؟ تريد اختيارات؟ ممكن اختيارات ثلاث: دمشق، بغداد، المدينة. خلاص، طيب، أحسنت. جبل أحد يقع على مقربة من مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «المتسابان... المتسابان»، يعني: اللذان يشتم كل منهما الآخر. «المتسابان ما قال، فعلى البادي منهما، حتى يعتدي المظلوم». قال: رواه مسلم. وقوله: «المتسابان ما قال»، أي: إثم ما قال من السب على من؟ على البادئ الأول. قال: «ما لم... أو حتى يعتدي المظلوم»، أي: حتى يجاوز حد الانتصار، فعندها يكون الاشتراك في الإثم. قال: وعنه، أي: عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب، قال: «اضربوه». برجل قد شرب، قال: «اضربوه». نعم، عند من يا سعيد؟ برجل قد شرب، كيف؟ كل من شرب يضرب؟ قال: «اضربوه». ماذا شرب؟ خمرا. حسنت. شرب خمرا. وإذا أطلق الشرب يا إخوان فالمقصود به ماذا؟ وترتب عليه الوعيد أو الحد، فالمقصود به الخمر. وهكذا إذا ذكر الكأس فغالبا يراد به الكأس الذي تشرب به الخمور. قال: قد شرب، قال: «اضربوه». قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه. قال: فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، أخزاك الله. قال: أي: النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقول هذا، لا تعين عليه الشيطان». قال: رواه البخاري. يعني: لا تعين عليه الشيطان، أي: لا تجعل الشيطان يبلغ مقصده في هذا الرجل. الرجل جاء تائبًا وسلم نفسه لإقامة الحد، لإقامة الحد، فلا تجعل الشيطان يزين له المعصية، وماذا؟ ويجعله يعود إليها مرة أخرى، مرة أخرى. قال: رواه البخاري. قال: وعنه... ولهذا يا إخوان، إذا تاب رجل من ذنب أو من معاصي كثيرة، لا ينبغي أن يعير، يقال: أمس كنت شارب خمر والآن عامل نفسك ناصح، ونحوها من العبارات، أو... أو ما تذكر: كنت فعلت وفعلت وفعلت. كذلك كنتم من قبل، فمن الله عليكم فتبينوا. فلا يعير المسلم بذنب تاب إلى الله عز وجل منه. قال: وعنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من قذف مملوكه بالزنا يقام عليه الحد يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال، إلا أن يكون كما قال». قال: متفق عليه. وقوله: «من رمى، أو من قذف مملوكه بالزنا»، أي: رمى مملوكه، أي: عبده المملوك، المملوك، بجريمة... بجريمة وفاحشة الزنا. قال: «يقام عليه الحد»، لكن أين؟ حد القذف يقام عليه، قال: «يوم القيامة، إلا أن يكون كما قال، إلا أن يكون كما قال». اختلف العلماء فيمن رمى مملوكه بالزنا: هل يقام عليه الحد في الدنيا؟ فنقل بعضهم الإجماع على عدم إقامة الحد عليه، والذي يظهر أن فيه خلافا. ذهب بعض أهل العلم إلى ماذا؟ إلى أنه يقام عليه الحد، كما جاء عن ابن عمر رضي الله عنه حين أن سئل عن من قذف أم ولد، أم ولد لآخر، فقال: «يضرب الحد صاغرا، يضرب الحد صاغرا». و... ماذا؟ الواجب البعد عن القذف، ولو كان في حق المماليك والموالي، والموالي. وهذا وغيره كثير مما يدل على خطورة الوقيعة في أعراض المسلمين بالسباب أو الشتام أو اللعن أو غيرها، أو غيرها. طيب، بهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب، ويأتي معنا في الدرس القادم باب آخر يتعلق بتحريم سب الأموات بغير حق ومصلحة شرعية، إلى غير ذلك من الأبواب، يأتي معنا الكلام عنها إن شاء الله عز وجل. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.