الدرس في كتاب الإيمان 52، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن أفضل الأعمال هي الصلاة لوقتها وبر الوالدين والجهاد في سبيل الله. هذه الأعمال تقرب العبد إلى الله وتدخله الجنة.
الصلاة على مواقيتها وبر الوالدين من أفضل الأعمال التي تقرب إلى الله وتدخل الجنة. أمر الله بالإحسان للوالدين وطاعتهما.
الجهاد في سبيل الله فرض كفاية ويأتي بعد الصلاة وبر الوالدين في الأهمية. له أجر عظيم ويعتبر من أفضل الأعمال.
المقطع ينتهي بدعاء الله تعالى للعون على طاعته والصلاة على النبي وآله وصحبه. يُظهر التوجيه الديني للتقرب إلى الله.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم، الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، واسمه عبد الله بن محمد بن إبراهيم، صاحب المصنف المشهور «مصنف ابن أبي شيبة». وأخوه عثمان، وهو أكثر من روى عنه البخاري ومسلم، قال: حدثنا علي بن مصهر، عن الشيباني، عن الوليد بن العيزار، عن سعد بن إياس أبي عمر الشيباني، عن عبد الله بن مسعود، قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة لوقتها». قال: قلت: ثم أي؟ قال: «بر الوالدين». قال: قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». فما تركت أستزيده إلا إرعاء عليه. قال: وحدثنا محمد بن أبي عمر المكي، قال: حدثنا مروان الفزاري، قال: حدثنا أبو يعفور، عن الوليد بن العيزار، عن أبي عمر الشيباني، عن عبد الله بن مسعود، قال: قلت: يا نبي الله، أي الأعمال أقرب إلى الجنة؟ قال: «الصلاة على مواقيتها». قلت: وماذا يا نبي الله؟ قال: «بر الوالدين». قال: قلت: وماذا يا نبي الله؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». قال: وحدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، عن الوليد بن العيزار، أنه سمع أبا عمر الشيباني، قال: حدثني صاحب هذه الدار - وأشار إلى دار عبد الله - قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال: «الصلاة على وقتها». قلت: ثم أي؟ قال: «ثم بر الوالدين». قلت: ثم أي؟ قال: «ثم الجهاد في سبيل الله». قال: حدثني بهن، ولو استزدته لزادني. قال: وحدثنا محمد بن بشار، الملقب بندار، قال: حدثنا محمد بن جعفر، الملقب بغندر، قال: حدثنا شعبة بهذا الإسناد مثله، وزاد: وأشار إلى دار عبد الله، وما سماه لنا. قال: وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن جرير، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي عمر الشيباني، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «أفضل الأعمال، أو العمل، الصلاة لوقتها، وبر الوالدين». هذا حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، الذي رواه عنه أبو عمر الشيباني، كما نرى في جميع هذه الطرق. قال: عن عبد الله بن مسعود، وفي تلك الرواية الأخرى: قال: حدثني صاحب هذه الدار - وأشار إلى دار عبد الله - وهذا من باب تأكيد الخبر، وكذلك أيضا تأكيد أنه سمع منه وأنه حدث. قال: قلت: يا نبي الله، أي الأعمال أقرب إلى الجنة؟ وفي الرواية الأولى: أي الأعمال أفضل؟ وهذا من حرص عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على الخير، بل والصحابة رضوان الله عليهم جميعا كانوا على حرص عظيم على سؤال الرسول عليه الصلاة والسلام عما يقربهم إلى الله وعما يقربهم إلى الجنة وما يباعدهم عن النار. قال: قلت: يا نبي الله، أي الأعمال أقرب إلى الجنة؟ قال: «الصلاة لوقتها». ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في أول هذه الأعمال الصلاة على مواقيتها، يعني أن يصلي الإنسان الصلاة في الوقت الذي حدده الشرع. وخص الصلاة، أو ذكر في أوائل هذه الأعمال الصلاة؛ لأنها أفضل الأعمال، وأفضل وأعظم أركان الإسلام، أفضل وأعظم أركان الإسلام العملية هي الصلاة، تأتي في الركن الثاني بعد الشهادتين. فهي أوكد الفرائض وأوجب الواجبات، وهي الصلة بين العبد وبين ربه. ولا يكون للإنسان حظ في الإسلام إلا بالصلاة، فإن تركها فلا حظ له في الإسلام. فالمحافظة عليها على مواقيتها؛ لأن الإنسان قد يصلي، لكنه لا يصلي الصلاة في وقتها. لا يصلي الصلاة في وقتها قد يصلي بعد خروج الوقت، كمن ينام مثلا عن صلاة الفجر، فلا يصليها إلا بعد طلوع الشمس. ربما بعض الناس تكون هذه عادته، أنه ما يصلي الفجر إلا بعد طلوع الشمس. هل هذا أتى بهذه العبادة كما أراد الله سبحانه وتعالى، وكما أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ الجواب: لا. إذن، ضيع على نفسه فضل عظيم، ضيع على نفسه فضل عظيم؛ لأنه لم يؤد الصلاة في وقتها. الصلاة لها حد حده الشرع، إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل. الصلاة لها وقت محدود، لابد أن تؤدى في وقتها الذي حده الشرع. فالمحافظة على الصلاة على وقتها هذا من أفضل الأعمال، ومن أحب الأعمال إلى الله، ومن الأعمال التي تقرب العبد وتكون سببا في دخوله الجنة، تقربه إلى الله وتكون سببا في دخوله الجنة. الصلاة على مواقيتها، ويتأكد ذلك أيضا في أدائها مع الجماعة؛ لأنها فرضت هذه الصلاة في بيوت الله. وجب، أو أوجب الله على المسلم أن يصليها في بيوت الله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. الراكعون يركعون في المسجد، في بيوت الله. وهذا مما يعين الإنسان على المحافظة على الصلاة في وقتها، أن يحافظ على صلاة الجماعة، أن يحافظ على صلاة الجماعة. فإن ضيعها فهو على خطر عظيم. الله عز وجل يقول: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾. أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات، يعني: سبب تضييع الصلاة اتباع الشهوات. الشهوات الدنيا من شهوة المال أو شهوة النساء أو اللعب واللهو أو غير ذلك. أضاع الصلاة بسبب الشهوة نفسه، فتوعدهم الله سبحانه وتعالى بهذا الوعيد. قال: قلت: يا نبي الله، أي الأعمال أقرب إلى الجنة؟ قال: «الصلاة على مواقيتها». قلت: وماذا يا نبي الله؟ قال: «بر الوالدين». جعل النبي عليه الصلاة والسلام من أفضل الأعمال، ومن الأعمال التي تقرب إلى الجنة بعد الصلاة، بر الوالدين. وهذا يدل على فضل بر الوالدين، وما فيه من الأجر والثواب العظيم. بر الوالدين، البر يعني الإحسان وبذل المعروف، بالكلمة الطيبة، بالمعاملة، بالمال، بكل معاني البر والمعروف والإحسان للوالدين. كما نعلم مما أمر الله سبحانه وتعالى به في آيات كثيرة. بل قرن طاعة الوالدين بطاعته: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾، ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾. آيات كثيرة فيها الأمر بالإحسان للوالدين وببرهما، القيام بطاعتهما، وخاصة عند الكبر: ﴿وَإِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. بر الوالدين اللذين هما سبب في وجودك في هذه الدنيا، هما سبب في وجودك في هذه الدنيا، مع ما حصل منهما من تعب ومعاناة ومشقة في تربيتك وفي رعايتك. اللوم تحملك تسعة أشهر في بطنها، ثم ترى الموت عند الولادة، ثم ترعاك في حال طفولتك بالرضاع والتربية والتنظيف وإزالة الأوساخ، وهكذا تكبر شيئا فشيئا. والأب يشقى في تحصيل الرزق، وفي النفقة عليك. فلهما فضل عظيم، لهما فضل عظيم، لا يستطيع الإنسان أن يوفيه مهما عمل. لا يستطيع أن يوفيه. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا يجزي ولد والد إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه». لا يجزي ولد والد، يعني: مهما عمل مهما عمل من بر وإحسان وفضل، إلا إذا وجد أباه مملوكا رقيقا، اشتراه بماله واعتقه وجعله حرا. كما أنه كان سببا في وجوده في هذه الدنيا؛ لأن المملوك يكون في ضيق وفي عدم حرية، ليس يتصرف إلا بما أمر به سيده، وما ملك من مال فلسيده. فلما يعتق كأنه وجد في هذه الدنيا وعاش من جديد. وهكذا ما يجزي الولد والده إلا إذا وجده مملوكا فاشتراه فاعتقه لوجه الله وحرره واجعله حرا. وهذا لا شك أنه شيء مستحيل. وهذا يدل على أن بر الوالدين أمره عظيم. إذا بر الوالدين من الأعمال التي تقرب إلى الجنة، وهي في الدرجة الثانية بعد الصلاة. قال: بر الوالدين. قلت: وماذا يا نبي الله؟ في الرواية: ثم أي؟ في الرواية الأخرى: ثم أي؟ أي: ماذا بعد بر الوالدين؟ قال: «الجهاد في سبيل الله». الجهاد في سبيل الله، يعني لإعلاء كلمة الله. والمراد به هنا ما كان فرض كفاية. الجهاد في الأصل أنه فرض كفاية، إذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين. فبر الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله، مقدم على الجهاد في سبيل الله. إذا أراد إنسان أن يجاهد ويقاتل الأعداء لإعلاء كلمة الله، أن يفدي بروحه ويبيعها لله، فلا يفعل ذلك إلا بعد إذن الوالدين؛ لأن برهما وطاعتهما مقدمة على الجهاد. والرجل الذي جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام - كما في الصحيح - من أهل اليمن، جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله، أبايعك على الهجرة والجهاد في سبيل الله. قال: هل لك من أب؟ قلت: نعم. وفي رواية: قال: تركتهما يبكيان - يعني: ما كان يريدان أن يذهب، وهما يحتاجان له - فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «تذهب فبرهما». وفي رواية: «فأضحكهما كما أبكيتهما». أمر الله عليه الصلاة والسلام أن يرجع من حيث جاء، أن يرجع ويقوم ببر والديه، وسيجد الجنة. وهذا باب من أبواب دخول الجنة، بر الوالدين مقدم على الجهاد. لو أذنا لك، هذا معنى أنهما تنازلا عن حقهما. إذا أذنا لك فقد تنازلا عن حقهما. وأما إن لم يأذنا لك فلا يجوز أن تذهب وتجاهد من غير إذنهما. فما يفعله بعض من ينتسب للجهاد، يأخذون أبناء المسلمين من غير إذن آبائهم وأمهاتهم، بل ربما يكذبون عليهم ويقولون: أنا ذاهب إلى المكان الفلاني أو سافر إلى المكان الفلاني، ثم يذهب إلى الجهاد كما يزعم، فيما يزعم أنه جهاد. ويبدأ بمعصية الوالدين وبعدم إذنهما. فبر الوالدين - كما سمعنا - مقدم على الجهاد في سبيل الله. فإن لم يكن لك أبوان، لا بأس تذهب تجاهد، ما تحتاج أن تستأذن أحدا. إن لم يكن لك أبوان. أما وعندك أب أو أم، فلابد من إذنهما، لا بد أن تستأذنهما؛ لأن حقهما مقدم، حق الوالدين مقدم على الجهاد في سبيل الله، إلا إذا كان الجهاد الذي وجب فرض عين، هجم العدو على بلاد الإسلام، فلابد أن تدافع، كل مسلم قادر على القتال، وجب عليه أن يقاتل. في هذه الحالة لا يستأذن الوالدان. لكن الكلام هنا في فرض كفاية، فلابد من إذن الوالدين. إذن، هذه الثلاثة الأعمال، والجهاد في سبيل الله، يعني: أجره عظيم. إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة. يقاتلون في سبيل الله، فيقتلون ويقتلون. الجهاد في سبيل الله من أعظم الأعمال التي يدخل بها المسلم الجنة. إذا قتل وكان صادقا في جهاده، فإنه يغفر له من أول قطرة من دمه. والله عز وجل يوفى بوعده بالجنة. وما له أيضا من أجر عظيم. وهكذا يشفع في سبعين من أهله. والآيات والأحاديث في فضل الجهاد في سبيل الله كثيرة. فهذه الأعمال الثلاثة من أفضل الأعمال التي يحبها الله سبحانه وتعالى، ومما تقرب العبد من الجنة، لكن على هذا الترتيب. أولها: الصلاة على وقتها. وهذا طبعا فيه جهاد للنفس، فيه جهاد للنفس. إنسان يجاهد نفسه على طاعة الله، في المحافظة على الصلاة، وأدائها في أوقاتها، يحتاج إلى صبر وإلى جهاد. فجهاد النفس في هذه الحالة مقدم على الجهاد في سبيل الله. يعني: وارد الإنسان أن يجاهد أولا، يستقيم على طاعة الله، وعلى فرائض الله، ويقوم بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه. ولهذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على وقتها مقدمة، ثم بعد ذلك بر الوالدين والإحسان إليهما، ثم بعد ذلك الجهاد في سبيل الله. وقوله: «فما تركت أستزيده إلا إرعاء عليه»، يعني: ما تركت أن أسأله وأزيد في السؤال إلا أن خشيت أن أشق عليه. ولهذا قال في الرواية الأخرى: «ولو استزدته لزادني»، يعني: لو سألته لزادني، غير ما ذكر، وذكر أمورا أخرى مما يحبها الله سبحانه وتعالى من الأعمال، وما يقرب كذلك الإنسان إلى الجنة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على طاعته. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.