الدرس في كتاب الإيمان 50، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
شرح حديث النبي حول سجود التلاوة واستدلال الحنفية به على وجوب سجود التلاوة بينما يرى الجمهور أنه مستحب. الحديث يبين اعتزال الشيطان عند سجود المسلم.
اختلف العلماء في حكم تارك الصلاة بين كفر وعدم كفر، واستدلوا بأحاديث نبوية، والأظهر أن تارك الصلاة يكفر كفرًا أكبر إذا كان جاحدًا أو تكاسلًا.
ترك الصلاة يكفر صاحبه ويترتب عليه أحكام الكافرين، مع توضيح الفرق بين الكفر الأكبر والأصغر واستثناءات المغفرة الإلهية.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله». وفي رواية أبي كريب: «يا ويلي، أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار». قال: وحدثني زهير بن حرب، قال: حدثنا الأعمش بهذا الإسناد مثله، غير أنه قال: «فعصيت، فلي النار». هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن المسلم إذا قرأ السجدة، أي الآية التي فيها سجدة، فسجد على إثرها، اعتزل الشيطان يبكي، يقول: «يا ويله». وفي رواية أبي كريب: «يا ويلي». يا ويله، الضمير يرجع إلى نفسه، لكن هذا من باب عدم نسبة الضمير إلى المتكلم إذا كان في شيء من الوعيد أو شيء مستقبح، فيؤتى بضمير الغائب أو المخاطب. ومثله في قصة أبي طالب حين دعاه النبي عليه الصلاة والسلام إلى الإسلام وهو في الاحتضار: «يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله». وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، وما يقولان: «لا أترغب عن ملة عبد المطلب»، فكان آخر كلامه أنه على ملة عبد المطلب. فقول: «أنه»، مع أن نسبة الكلام إليه، فكان آخر كلامه «أنه»، ولم يقل «أني»، لأن هذا القول فيه شناعة، فلذلك أتى بالخطاب على الضمير الغائب. وهكذا ينظر في هذه الرواية: «يا ويله»، والضمير يعود إلى الشيطان نفسه. وتوضح الرواية الأخرى: «يا ويلي، أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار». فقوله: «إذا قرأ ابن آدم السجدة»، المراد آية التلاوة التي فيها سجدة. ومر معنا في دروس قد مضت في الفقه الميسر أن آيات السجدة كم؟ نعم، أربعة عشر سجدة أو خمسة عشر، على الخلاف في سجدتي سورة الحج. فإذا قرأها المسلم فسجد، سجد اعتزل الشيطان. والشيطان كما نعلم أنه يحضر عند الإنسان حتى يوسوس له ويصده عن الخير، يذكره ما نسي، فلهذا فهو يهرب ويبتعد عند الأذان وعند إقامة الصلاة، ثم يرجع. فإذا سجد عند تلاوته لآية السجدة، أدبر الشيطان واعتزل يبكي، يقول: «يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد، فله الجنة»، يعني أنه أطاع ربه فيما أمره به من السجود، ولم يستكبر ويأبى أن يطيع الله جل وعلا في هذا الأمر، فله الجنة؛ لأن القيام بطاعة الله وتحقيق العبودية لله جل وعلا من أسباب دخول الجنة. قال: «وأمرت بالسجود فأبيت، فلي النار»، أمرت بالسجود يعني بالسجود لآدم حين أمره الله سبحانه وتعالى بذلك تشريفًا وإكرامًا لآدم عليه السلام، أمر الملائكة بالسجود له، والآمر هو الله، فأبى واستكبر عن أمر الله، فكان من الكافرين، كما قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، فلأجل ذلك إذا سجد المسلم عند آية التلاوة، يعتزل الشيطان يبكي، وهذا اعتراف منه بالذنب الذي وقع فيه، واستكباره على أمر الله، وأنه من أهل النار. قال: «فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار»، وهذا الكفر الذي وقع فيه إبليس، كفر الاستكبار، هو نوع من أنواع الكفر الذي قد يقع فيه العبد، كفر الإباء والاستكبار عن الانقياد لأمر الله وقبول ما جاء به الله جل وعلا، ويستكبر عن ذلك، فيقع في الكفر، يسمى بكفر الاستكبار. الشاهد أن في هذا الحديث أن الإنسان إذا استكبر عن أمر الله وأبى لقبول حكم الله جل وعلا استكبارًا وإباءً، فإنه يقع في الكفر. ومن ذلك ما سيأتي ما يتعلق بحكم الصلاة وترك الصلاة. هذا الحديث استدل به الحنفية على وجوب سجود التلاوة، على وجوب سجود التلاوة، في قوله: «أمر ابن آدم بالسجود». قاله: يدل على أن سجود التلاوة واجب. والصحيح أنه مستحب، في قول جمهور أهل العلم، أن سجود التلاوة مستحب وليس بواجب. وقوله: «أمر»، يعني أمر استحباب، أمر استحباب. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قرأ آية التلاوة، وقرأ بعضها، وقرأ عليه بعضها، وسجد في بعضها، وترك السجود في مواضع أخرى، في نفس الآية التي سجد فيها، ترك السجود فيها في مواضع أخرى، مما يدل على أن سجود التلاوة مستحب وليس بواجب. قال: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي وعثمان بن أبي شيبة، كلاهما عن جرير، قال يحيى: أخبرنا جرير عن الأعمش عن أبي سفيان، قال: سمعت جابرًا يقول: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». قال: وقال حدثنا أبو غسان المسمعي، قال: حدثنا الضحاك بن مخلد عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة». هذا الحديث حديث جابر رضي الله عنه، فيه إطلاق لفظ الكفر على من ترك الصلاة. وهل المراد به الكفر الأكبر أو الأصغر؟ في هذا تفصيل. إن ترك الصلاة على جهة الجحود والإنكار، فهو كافر كفرًا أكبر باتفاق العلماء. إذا تركها جاحدًا لوجوبها، فهو كافر كفرًا أكبر باتفاق العلماء. وإن تركها تهاونًا وتكاسلًا مع اعتقاد وجوبها، ففيه خلاف بين أهل العلم. فمذهب المالكية والشافعية وجمهر العلماء على أنه لا يكفر، على أنه لا يكفر، وإنما يكون فاسقًا وتاركًا لواجب، فيفسق بذلك، ويستتاب، فإن تاب وإلا قتل، فإن تاب وإلا قتل حدًا؛ لأجل عدم التساهل في هذه العبادة التي هي أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين. هذا قول جمهور أهل العلم. وذهب جماعة آخرون من أهل العلم، وهو رواية عن إمام أحمد، وأحد الأوجه عند الشافعية، وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إلى أنه يكفر إذا ترك الصلاة تكاسلًا، فإنه يكفر بذلك كما في هذا الحديث. وبه قال أحمد بن حنبل، وشيخ الإسلام ابن تيمية، مع القول أيضًا بأنه يقتل. هنا قول آخر، كما ذكر النووي رحمه الله، وهو قول أبي حنيفة وجماعة من أهل الكوفة: أنه لا يكفر ولا يقتل، أنه لا يكفر ولا يقتل، بل يعزر ويحبس حتى يصلي. وأظهر هذه الأقوال والله أعلم أنه يكفر؛ وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: «بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة»، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام الفاصل والفارق بين وقوع الإنسان في الكفر أو الشرك، ترك الصلاة. إذا ترك الصلاة فقد وقع في الكفر. وهكذا أيضًا قول الله جل وعلا: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾، فجعل الله عز وجل لإثبات الأخوة في الدين شرطًا وقيدًا، وهو إقام الصلاة وإيتاء الزكاة. ومفهوم المخالفة لهذا المنطوق: أنه إن لم يقم الصلاة ويؤت الزكاة فليس بإخواننا في الدين. والذي ليس بإخواننا في الدين هو الكافر. وفي الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، يعني اتركوهم فلا يقاتلون. ومفهوم الآية كذلك: أنه إن لم يقم الصلاة ويؤت الزكاة فلا يخلى سبيله. وأيضًا ما نقله عبد الله بن مسعود عن الصحابة: أنهم كانوا لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة، لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر إلا الصلاة. وأما ما استدل به الجمهور من الأحاديث الواردة في أن من قال: «لا إله إلا الله» دخل الجنة، ومن كان آخر كلامه «لا إله إلا الله» دخل الجنة، ونحو هذه الأحاديث، على أنه لا يكفر بترك الصلاة، فيقال: هذا في حق من كان مسلمًا، في حق من كان مسلمًا. فمن قال: «لا إله إلا الله» وعنده ناقض من نواقض الإسلام، عنده ناقض من نواقض الإسلام، كالشرك بالله أو مناصرة الكافرين ومحبة ظهورهم على أهل الإسلام، أو عنده سحر وشعوذة وإقرار به، أو من يستهزئ بالدين أو يسب الله ورسوله، أو غير ذلك من نواقض الإسلام، هل تنفعه؟ هل يكون بهذا مسلمًا مع قوله: «لا إله إلا الله»؟ الجواب: لا. فيقال: كذلك من قال: «لا إله إلا الله» وهو تارك للصلاة، لا تنفعه، لا ينفعه قول «لا إله إلا الله» وقد أتى بما ينقضها. فالأظهر أن من تركها تكاسلًا فإنه يكون كافرًا. على أن المسألة كما سمعنا فيها خلاف بين العلماء قديمًا وحديثًا، حتى العلماء المعاصرين، يعني بينهم خلاف في هذه المسألة في حكم تارك الصلاة إذا تركها تكاسلًا. لكن هذا ظاهر الأدلة على أنه يكفر بذلك. وإذا حكم عليه بالكفر ترتب عليه أحكام الكافرين، فلا يزوج بالمسلمة، وإذا كانت في عصمته امرأة مسلمة، أمر بفراقها، أو تفسخ النكاح منه؛ لأنه لا يجوز لمسلمة أن تبقى مع كافر. وإذا مات فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين. وهكذا لا يورث، فلا توارث بين مسلم وكافر، وغير ذلك من الأحكام التي تترتب على الحكم بكفره. الشاهد أن هذا الحديث في إطلاق لفظ الكفر على من ترك الصلاة، وفيه أن بعض الأعمال التي ربما يعملها المسلم أو يتركها يكفر بذلك. ومن أركان الإسلام العملية التي يكفر المسلم بتركها تكاسلًا هي الصلاة. أما بقية الأركان كالزكاة ونحوها، فإن تركها تكاسلًا فإنه لا يكفر، بل يكون فاسقًا ومرتكبًا لكبيرة من كبائر الذنوب؛ لوجود الدليل الذي يدل على عدم الكفر، كما في حديث أبي هريرة في قصة ذكر عذاب مانع الزكاة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فكوى بها جبينه وجنبه وظهره، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار». فقوله: «ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار»، معنى ذلك أنه ليس بكافر؛ لأنه لو كان كافرًا لأمر به إلى النار مباشرة. لكن قوله: «ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار»، لأنه ليس بكافر. فالذي يدل على أن صاحبه يكفر بتركه من الأعمال والكبائر الإسلام هي الصلاة. ومع قتال مانع الزكاة، منهم من تركها ردة، يعني جحد وجوب الزكاة، ومنهم من تركها بخلًا. ومن ترك أمرًا معلومًا بالضرورة وامتنع من فعله، فإنه يقاتل، ولو لم يكن على جهة الجحود أو الكفر. أولًا، دلالة هذه الأدلة التي سمعناها في الآيات، وأيضًا نقل اتفاق الصحابة على أنهم لا يرون من الأعمال شيئًا تركه كفر إلا الصلاة. ثم الأصل إذا أطلق الكفر أنه يحمل على الكفر الأكبر، إلا إذا دل دليل يصرف هذا الكفر من الأكبر إلى الكفر الأصغر. نعم، إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. نعلم أن الشرك والكفر بينهم عموم وخصوص، فقد يطلق الشرك ويراد به الكفر، وقد يطلق الكفر ويدخل فيه الشرك. وإذا اجتمعا فرق بينهما بأن الشرك ما يتعلق بصرف العبادة لغير الله، والكفر ما كان من قول أو فعل ليس فيه صرف عبادة لغير الله، لكن صاحبه يقع في الكفر الأكبر ويخرج من دين الإسلام. فالآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، نقول: هذا فيما لم يدل الدليل يعني أو يبقى عمومه فيما لم يخص. أما ما خص ودل الدليل على أن صاحبه يكفر به، فحينئذ لا تعارض. مثلا إذا فعل الإنسان فعلًا من أفعال الكفر، نحن نعلم أن الكفر أنواع، منه ما هو شرك، ومنه ما هو ليس بشرك. الذي يستهزئ بالدين أو بشيء من أمور الدين، ما حكمه؟ حكمه أنه كافر، هل وقع في الشرك؟ لا. طيب هل يدخل في الاستثناء في الآية: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾؟ لا؛ لأنه دل الدليل الآخر على أنه يكفر. وكذلك يقال في تارك الصلاة، وكذلك يقال في تارك الصلاة. هذا ما في خلاف إذا تركه جحودًا، ما في خلاف بين العلماء، اتفاق على أنه كافر على الجحود. ما في يقول شخص: أنا أعتقد أن الصلاة واجبة، بس ما أصلي، ما أريد أن أصلي. أعتقد أن الصلاة واجبة بس أنا كسلان ما أريد أن أصلي. هؤلاء لا يعذرون بجهلهم، لا يعرفون أن الصلاة واجبة، هذا معذور بجهله. إنسان أسلم قريب، هذا أسلم، لا يجب أن يجهل الإسلام، لا يعذر هذا. يقال: أنه يكفر الذين ما يصلون، كفار، هم الذين وقعوا في الكفر. من قالوا: ما يصلون، ما الذي منعهم من الصلاة وهم قد أمروا بها، وجراءت الأدلة بأن تاركها كافر. لماذا ما يصلون؟ يجب أن يكونوا مسلمين يصلون. نعم.