الدرس في كتاب الصلاة 41، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المقطع كيفية قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر والعصر، حيث يقرأ الفاتحة وسورة في الركعتين الأوليين مع تطويل الأولى لإدراك المسبوقين، ويقرأ في الأخريين بالفاتحة فقط غالباً، مع ذكر خلاف العلماء في استحباب قراءة السورة في الركعتين الأخيرتين.
يتناول المقطع تقديرات الصحابة لطول قراءة النبي في الظهر والعصر، مبيناً أن القراءة في الأوليين أطول من الأخريين، ويناقش اختلاف الروايات بين حديث أبي سعيد الخدري وحديث أبي قتادة، مع ترجيح حديث أبي قتادة لثبوته في الصحيحين.
يرجح الشيخ الألباني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ الفاتحة مع سورة في الركعتين الأخيرتين تارة، ويقتصر على الفاتحة تارة أخرى، مما يجعل الزيادة سنة تفعل أحياناً وتترك أحياناً جمعاً بين الأحاديث الواردة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال الحافظ: عن أبي قتادة رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحياناً، ويطول الركعة الأولى، ويقرأ في الأخريين بفاتحة الكتاب. متفق عليه. طيب، قال: وعلى أبي قتادة رضي الله عنه قال: في الأوليين بالياءين تثنية، أي في كل ركعة منهما يقرأ بفاتحة الكتاب، وسورتين أي يقرأ في كل ركعة سورة. وهذا الظاهر، الظاهر أراد أنه يقرأ سورة بعد الفاتحة في صلاة الظهر والعصر، ويطول الركعة الأولى، يجعل السورة فيها أطول من التي في الثانية، ويقرأ في الأخريين تثنية أخرى بفاتحة الكتاب من غير زيادة عليها. متفق عليه. قال: فيه دليل على شرعية قراءة الفاتحة في الأربع الركعات في كل واحدة، وقراءة سورة معها في كل ركعة من الأوليين. وتقدم معنى أن الفاتحة تقرأ في الركعات كلها، وأن هذا المذهب الصحيح لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته: «ثم افعل ذلك في صلاتك كلها»، وتقرأ الفاتحة في كل ركعة من هذه الركعات، وهو مذهب الشافعي كما قلنا، وأحمد على وجوبها في كل ركعة، وهو الصحيح. قال: وأن هذا كان عادته عليه الصلاة والسلام، كما يدل له «كان يصلي» إذ هي عبارة في دلالة الاستمرار غالباً. وهذه مسألة خلافية: هل كانت تفيد الاستمرار غالباً أم الأصل عدم الاستمرار أو عدم إفادتها الاستمرار، أو أنها تفيد الاستمرار أحياناً؟ هذه مسألة خلاف بينها العلماء والنظار، كما قال النووي: تفيد الاستمرار، أو إفادتها تكون بحسب القرائن. وأكثر العلماء على ما قاله المؤلف: أن الأصل أنها تفيد الاستمرار. قالوا: إسماعهم الآية أحياناً دليل على أنه لا يجب الإسرار في السرية، وهذه مسألة صحيحة، وذكر الإجماع فيها على أن الإسرار والجهر ليس بواجب، وإنما هو سنة مستحبة. فإذا جهر ناسياً أو سهى فجهر فلا سجود سهو عليه، وكذلك العكس: إذا كان جهراً وأسر، كأن دخل صلاة المغرب ولم يقرأ بالجهر، قرأ سراً، فهذا أيضاً لا يجب عليه أن يسجد للسهو. قالوا: أن ذلك لا يقتضي سجود السهو. ومسألة قراءته في السرية جاءت أيضاً في حديث البراء، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر، فقالوا له: كيف تعرفون قراءته؟ قال: بحركة لحيته. وفي هذا الحديث يوضح أنه يسمعهم الآية أحياناً، أن أحياناً يرفع صوته في القراءة إما بالفاتحة وإما بالسورة، لأنه لم يميز هنا بين الفاتحة والسورة، لم يذكر رفعه بصوته في الفاتحة أو في السورة. وجاء في حديث أنس عند أحمد قال: إنا لنسمع في صلاة الظهر نغمة صوت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾، أنه يرفع صوته لكن ليس بذلك الرفع. قال: في قوله «أحياناً» ما يدل على أنه تكرر ذلك منه صلى الله عليه وآله وسلم، لكن الأغلب أنه يسر ولا يسمعهم. قال: وقد أخرج النسائي من حديث البراء قال: كنا نصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم الظهر، ونسمع منه الآية من سورة لقمان والداريات. وأخرج ابن خزيمة من حديث أنس نحوه، حديث أنس هذا الذي قال: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾، وحديث الغاشية، وأما حديث البراء فظهر فيه ضعف، ضعفه الألباني ضعيف، وأيضاً ما ذكروا الشيخ الألباني في «الصفة». قالوا: في الحديث دليل على تطويل الركعة الأولى، وهذه السنة أيضاً. كان النبي صلى الله عليه وسلم يطيلها جداً حتى قال في حديث أبي هريرة: الظن أنهم يريدون أن يدرك الناس الركعة. في حديث سبق هذا نفسه: ظننا أنه يريد بذلك أن يدرك الناس الركعة الأولى، حتى قال: فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي إلى المسجد ويجد النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى. وهذا يدل على تطويلها جداً. معنى البقيع: المسافة، قدر خمس دقائق، ذهاب وإياب، هذا أقل ما يقال، وأيضاً قضاء الحاجة عشر دقائق أقل ما يقال، خمس عشرة دقيقة يصلي فيها النبي صلى الله عليه وسلم الركعة الأولى. الركعة الأولى من صلاة الظهر كان أحياناً يطيلها جداً حتى يدرك الناس الركعة الأولى. قال: وخرج أبو داود من حديث عبد الرزاق عن عطاء: «إني لا أحب أن يطول الإمام الركعة الأولى». وقد ادعى ابن حبان أن تطويله ما هو بترتيل القراءة فيها مع استواء المقروء وسواه، كان هذا أو هذا. المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطول في الركعة الأولى في صلاة الظهر ما لا يطول في الركعات الأخرى. قال: وقد روى مسلم من حديث حفصة: كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول منها. فهذا غالباً يكون في الجهرية، وقيل: إنما طالت الأولى بدعاء الافتتاح والاستعاذة، وهذا ممكن معنا لكنه بعيد من ناحية أن دعاء الافتتاح والاستعاذة لا يأخذ وقتاً طويلاً. قال: وأما القراءة فيهما فهما سواء، بل أنه يقرأ في الأولى أكثر من الثانية، وهذا سنة النبي عليه الصلاة والسلام أيضاً، حتى في الجهرية فغالباً يقرأ في الركعة الأولى سورة أطول من الثانية. قال: في الحديث ما يسعد العاتمى يرشد إلى ذلك. وقال البيهقي: يطول في الأولى إن كان ينتظر أحداً، وإلا فيسوي بين الأوليين. وفيه دليل على أنه لا يزاد في الأخريين على الفاتحة. طيب، معناه يقول البيهقي: يطول في الأولى إن كان ينتظر أحداً، معناه: إذا رأى أن الناس تباطؤوا فطول حتى يدركوا الركعة، وأما إذا كان الناس أو أكثر المصلين قد وجدوا وهم في الصف وكذا، فلا داعي من التطويل هذا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً جاء عنه أنه كان يقرأ ب ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ في الركعة الأولى والثانية، وكان يقرأ بأواسط المفصل. أواسط المفصل معناه: من النازعات إلى سورة الناس، أقصد إلى سورة الضحى. قالوا: فيه دليل على أنه لا يزاد في الأخريين على الفاتحة، وكذلك الثالثة في المغرب. وإن كان مالك قد أخرج في الموطأ من طريق السنابحي أنه سمع أبا بكر يقرأ فيها: ﴿ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ﴾. وللشافعي قولان في استحباب قراءة السورة في الأخريين. وفيه دليل على جواز أن يخبر الإنسان بالظن، وإلا فمعرفة القراءة بالسورة لا طريق فيه إلى اليقين. وإسماعهم أحياناً لا يدل على قراءة كل سورة. وحديث أبي سعيد يدل على الإخبار عن ذلك بالظن، ليس بيقين. وكذا حديث خباب حين سئل: بما كنتم تعرفون قراءة النبي عليه الصلاة والسلام في الظهر والعصر؟ قال: بحركة لحيته. ولو كان يعلمون قراءتهما بخبر عنه صلى الله عليه وسلم لذكروه. لكن من أثبت شيئاً فهو المقدم، فأبو قتادة أثبت أنهم يسمعون الآية أحياناً، لكن معنى غالباً يعرفون قراءته بحركة لحيته كما قال خباب. وأما مسألة القراءة في الأخريين أيضاً جاء في حديث أبي سعيد كما سيأتي، جاء في حديث أبي سعيد أنه كان يقرأ أيضاً. وأما قول المؤلف أنه بالظن إخبار بالظن، لكن ظاهره أنه يقرأ السورة، فلذا استحب بعض العلماء قراءة السورة في الأخريين، أي في الثالثة والرابعة والثالثة من المغرب، وكذلك العشاء الثالثة والرابعة، أنه يقرأ أحياناً سورة، وإلا الأصل أنه يقرأ الفاتحة. أيضاً يفيدنا هذا أن المأموم إذا تأخر في القراءة عن إمامه، فإنه يقرأ السورة، أقصد: إذا فرغ من قراءة الفاتحة والإمام لم يركع بعد، يقرأ أيضاً سورة، ولو في الأخريين. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا نحزر قيام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ﴿ الم * تَنزِيلُ السَّجْدَةِ ﴾، يعني في الأوليين معاً، يعني قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك. وفي الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، والأخريين على النصف من ذلك. رواه مسلم. معنى: يقول أبو سعيد: إنهم حزرنا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ﴿ الم * تَنزِيلُ السَّجْدَةِ ﴾، يعني يقرأ بسورة مثلاً لو قرأ سورة عمّ أو سورة الأعلى، وكذلك ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ﴾، فهي تقرب ﴿ الم * تَنزِيلُ السَّجْدَةِ ﴾، أو يقرأ أكثر منها. يعني الظهر يطول في الأولى، فجمعوا الأولى والثانية. وفي الأخريين قدر النصف، يعني هذا مع الفاتحة: الأولى مع الفاتحة يقرأ أيضاً السور، فقالوا: مقامه كله حزره على أنه ثلاثين آية، قدر ثلاثين آية أو قدر ﴿ الم * تَنزِيلُ السَّجْدَةِ ﴾. وأنا غالباً هذا يكون في سبع دقائق ونحوها أو أكثر قليلاً. وفي الأخريين قدر النصف، وهذا يدل على أنه يقرأ أحياناً في الأخريين، وإلا لو كان الفاتحة فقط لما كان قدر النصف. وفي الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، وهذا يدل على أنه يقرأ في الظهر آيات، ولهذا في الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، والأخريين على النصف من ذلك. وهذا تقدير لصلاة النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هذا الظهر ليس دائماً، ليس دائماً، أو ليس أقصد مضطرداً، وإنما هذا الأغلب. وإلا كما تقدم في حديث أبي قتادة أنه كان يطيل في الركعة الأولى إطالة زائدة، أنه في الركعة الأولى يطيل كما قلنا، قد يحزر بربع ساعة، وهذا أكثر من قراءة ﴿ الم * تَنزِيلُ السَّجْدَةِ ﴾. لكن كما قلنا: حمله العلماء على أنه أحياناً. قال: وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: كنا نحزر بفتح النون وسكون الحاء المهملة وضم الزاي، نخرص ونقدر. الحزر هو التخريص أو التقدير. قوله: كنا نحزر، ما يدل على أن المقدرين لذلك جماعة، كأنهم يحسبون الوقت الذي يقرأ فيه النبي صلى الله عليه وسلم، واجتمعوا على ذلك، وهذا من دقة وصف الصحابة لصلاة النبي عليه الصلاة والسلام. قال: وقد أخرج ابن خزيمة رواية أن الحازرين ثلاثون رجلاً من الصحابة. قال: قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر ﴿ الم * تَنزِيلُ السَّجْدَةِ ﴾، أي في كل ركعة بعد قراءة الفاتحة، وقد يحمل أيضاً مع قراءة الفاتحة. وفي الأخريين قدر النصف من ذلك، في دلالة على قراءة غير الفاتحة معها في الأخريين. ويؤيده دلالة على ذلك قوله: وفي الأوليين من العصر على قدر الأخريين من الظهر، ومعلوم أنه كان يقرأ في الأوليين من العصر سورة غير الفاتحة، والأخريين أي من العصر على النصف من ذلك، أي من الأوليين منه. رواه مسلم. قالوا: لحديث في هذا قد اختلفت، فقد ورد أنها كانت صلاة الظهر تقام، فيذهب الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته ثم يأتي إلى أهله فيتوضأ ويدرك النبي صلى الله عليه وسلم في الركعة الأولى، مما يطيلها. أخرجه مسلم والنسائي وأبي سعيد. وأخرج أحمد ومسلم حديث أبي سعيد أيضاً: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في صلاة الظهر في الركعتين الأوليين في كل ركعة قدر ثلاثين آية، وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية، أو قال: نصف ذلك. قال: وفي العصر بالركعتين الأوليين في كل ركعة قدر خمس عشرة آية، وفي الأخريين قدر نصف ذلك. هذا لفظ مسلم. وفيه دليل على أنه لا يقرأ في الأخريين من العصر إلا الفاتحة، وأنه يقرأ في الأخريين من الظهر غيرها معها. وهذا احتمال، واحتمال أنه يقرأ في الظهر والعصر. وتقدم حديث أبي قتادة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الأخريين من الظهر بأم الكتاب، ويسمعنا الآية أحياناً. الذي جاء هو في الأوليين، حديث أبي قتادة الذي مر في الأوليين، وظاهره أنه لا يزيد على أم الكتاب فيهما، ولعله أرجح من حديث أبي سعيد من حيث الرواية؛ لأنه اتفق عليه الشيخان، ومن حيث الدراية؛ لأنه إخبار مجزوم به، وخبر أبي سعيد انفرد به مسلم، لأنه خبر عن حزر وتقدير وظن. ويحتمل أن يجمع بينهما: بأنه صلى الله عليه وسلم كان يصنع هذا تارة، فيقرأ في الأخريين غير الفاتحة معها، ويقتصر فيهما أحياناً. وهذا الذي رجحه الشيخ الألباني رحمه الله في «الصفة»، وهو أولى من أن يقال بالأول. فتكون الزيادة عليهما فيهما سنة تفعل أحياناً وتترك أحياناً. فهذا الذي إن شاء الله صحيح. وإن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في درس قادم.