الدرس في كتاب الصلاة 42، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش حديث أبي هريرة في رفع الصوت بالتأمين بعد الفاتحة واختلاف العلماء في تصحيحه، ثم يستعرض آراء المذاهب الفقهية حيث ذهب الجمهور إلى مشروعية التأمين للإمام والمأموم والمنفرد جهراً أو سراً، بينما ذهبت الزيدية إلى عدم مشروعيته، ورأى الحنفية الإسرار به في الجهرية.
يبيّن أن التأمين مشروع للإمام والمأموم والمنفرد ومعناه اللهم استجب، ويستدل بحديث وائل بن حجر على رفع الصوت به في الصلاة الجهرية، ويناقش خلاف العلماء في الجهر والإسرار ويرجح رواية رفع بها صوته.
يبيّن صفة التأمين الصحيحة برفع الصوت وتخفيف الميم، ويناقش حديث الرجل الذي لا يحفظ القرآن فأمره النبي بأذكار محددة بديلاً عن القراءة، مع تفصيل أقوال العلماء فيمن يحفظ بعض القرآن أو لا يحفظ شيئاً.
يحث المتحدث على تعليم القرآن الكريم لكل من يستطيع، مؤكداً أن تعليم سورة الفاتحة كحد أدنى يكفي لتمكين المتعلم من قراءتها، ثم يختم بالاكتفاء بهذا القدر والاعتماد على علم الله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فأخذنا آخر شيء: حديث نعيم المجمر، حديث أبي هريرة. أخذنا هذا، قال المصنف رحمه الله تعالى: وعنه -يعني بأبي هريرة رضي الله تعالى عنه- قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من قراءة أم القرآن رفع صوته وقال: آمين. رواه الدارقطني وحسنه، والحاكم وصححه. قال: وعنه، يا أبا هريرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من قراءة الفاتحة أم القرآن رفع صوته وقال: آمين. رواه الدارقطني وحسنه، والحاكم صححه. قال الحاكم: إسناده صحيح على شرطهما. وقال البيهقي: حسن، وصحيح الحديث لا شك في صحته، جاء من طرق عاصم بن كليب. وهذا حديث أبي هريرة -حديث أبي هريرة ضعيف جدا، فيه رجل ضعيف، فلذا لا يصح حديث أبي هريرة، لكن سيأتي حديث وائل بن حجر هو الصحيح. قال: الحديث دليل على أنه يشرع للإمام التأمين بعد قراءة الفاتحة جهرا، وظاهره في الجهرية وفي السرية، وبشرعيته قالت الشافعية، وذهبت الزيدية لعدم شرعيته لما يأتي. وليس الشافعية فقط، فقال بشرعيته الجمهور: الشافعي، ومالك، وأحمد، وغيرهم من أئمة السنة، وكذلك الحنفية إلا أنهم يقولون: يسروا بها في الجهرية. ولمالك في المسألة قولان كما ذكر المؤلف. وذهبت الزيدية إلى عدم شرعيته، وقالت الحنفية: يسروا بها في الجهرية. ولمالك قولان: الأول كالحنفية، والثاني أنه لا يقولها. والحديث حجة بينة للشافعية في شرعية التأمين، أنه مشروع مطلقا. ثم سيأتي التفصيل في مسألة تأمين الإمام أو المأموم أو المنفرد. وهذا الحديث ليس فيه تأمين إلا الإمام، وبه قال مالك: على أنه يؤمن الإمام، كما سيأتي. قال: وليس في الحديث تعرض لتأمين المأموم والمنفرد. وقد أخرج البخاري في شرعية تأمين المأموم في حديث أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله له ما تقدم من ذنبه». وأخرج أيضا من حديث -وهذا أيضا في الصحيحين- حديث أبي هريرة هذا في الصحيحين. وأخرج أيضا من حديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين». وهذا في البخاري. وأخرج أيضا من حديثي مرفوعا: «إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافق أحدهم الآخر، غفر الله له ما تقدم من ذنبه». شرعية للمأموم، والأخير يعم المنفرد. وقد حمله الجمهور من القائلين به على الندب، وعن بعض أهل الظاهر أنه للوجوب، عملا بظاهر الأمر، فأوجبوه على كل مصر. مع أن الحديث: «إذا أمن الإمام فأمنوا» ليس فيه أمر لغير المأموم. أما الإمام فلم يأت فيه أمر بأنه يؤمن، وإنما استدلوا بحديث: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وهذا بعيد عن الاستدلال في هذا المقام. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أو في الحديث الأمر يكون للمأموم، ولهذا قال جماعة من أهل العلم: أن المأموم يجب عليه، وهو ترجيح الشيخ الألباني، وكذلك أيضا الشوكاني. قالوا: استدلت الزيدية على أنه بدعة مفسدة للصلاة بحديث: «إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس». الحديث ولا يتم به الاستدلال، لأن هذا قام الدليل على أنه من أذكار الصلاة كالتسبيح ونحوه. وكلام الناس المراد بهم: مخاطبتهم، كما عرفت. وهذا يدل على جهلهم بالسنة، فقالوا: بدعة مفسدة. ولهذا ينكرون على من يقول: آمين، وتتحصل مضاربات، وكذا في مناطقهم، مناطق الزيدية، على كلمة آمين. حتى في واحد قال: قال في رمضان هنا مضاربات كل يوم في صلاة المغرب، في واحد من أهل السنة إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ رفع صوته قال: آمين، وتشوشوا، مش تكون مضاربات أحيانا. لكن هذا الحديث لا يدل على ما قالوا، لأن التشريع بالسنة يدل على أنه أمر مشروع كالتسبيح. ولأن آمين هي: اللهم استجب، على الصحيح أنها: اللهم استجب، ولهذا فهي تعتبر من الذكر، تعتبر من الذكر. وأيضا كذلك كما قال المؤلف هنا: كلام الناس المراد به مكالمتهم ومخاطبتهم، وهنا لم يخاطب أحدا، إنما يدعو الله، لأن الصلاة فيها دعاء، فهي داخلة في هذا الكلام. وأيضا هذا الحديث يدل كما قلنا على شرعية التأمين للإمام والمأموم وللمنفرد، وهذا قول جمهور أهل العلم: أن التأمين يكون للإمام وللمأموم وللمنفرد. وأما مسألة الوجوب فبعض العلماء يقول: أنه لم يأت في حديث... لكن الحديث كما قلنا يدل على وجوب تأمين المأموم إذا أمن الإمام. وأيضا الحديث يدل على أمر آخر: وهو أن الإمام والمأموم يستوون في التأمين. إذا قال الإمام: آمين، فقولوا: آمين. «إذا أمن الإمام فأمنوا»، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. وإذا قال الإمام: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة، أو قال: إن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. فلذا فالتأمين يكون: آمين، تأمين الإمام وتأمين المأموم مستويان، أنا في وقت واحد. فإذا شرع الإمام في التأمين شرع بعده المأموم. ويدل عليه أيضا حديث أبي هريرة: «إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين». فالإمام يؤمن على الصحيح كما قلنا، وهو قول الجمهور، والمأموم يؤمن مع تأمين الإمام. وكذلك ذكر الله، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تؤمن. قال: ولي أبي داود والترمذي من حديث وائل بن حجر نحوه. قال: ولي أبي داود والترمذي من حديث وائل بن حجر نحوه. حديث وائل هذا الصحيح كما قلنا، رواه جماعة: شعبة، وسفيان، وغيرهم عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر، أنه قال: إذا قرأ الإمام... أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا قرأ الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين». أو كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ... كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، ورفع بها صوته. هكذا الظاهر لفظه. وفي لفظ: أنه صلى خلف... أي وائل بن حجر صلى خلف رسول الله فجهر بآمين. طيب، قال: بالمد والتخفيف في جميع الروايات، وعن جميع القراء، وحكي فيها لغات، ومعناها: اللهم استجب. وقيل غير ذلك. الصحيح أن هذا معناها: اللهم استجب. هنا مسألة: وهي مسألة الجهر بالتأمين والإسرار. اختلف العلماء أيضا في الجهر والإسرار، فذهب الجمهور إلى الجهر بها للإمام والمأموم، الإمام والمأموم، استدلوا بهذا الحديث على رفع الصوت: «ورفع بها صوته». وهذا مذهب الشافعية والحنابلة: أنه يجهر به في الجهرية، أما في السرية فيسر به. وهكذا جاءت السنة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الحديث أيضا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع صوته. وجاءت رواية: رواية شعبة: «وخفض بها صوته». فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قرأ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: آمين، وخفض بها صوته». هكذا رواها شعبة عن عاصم بن كليب. وخطأ عليه شعبة في ذلك، وقال: لرواية سفيان الثوري وغيره أصح، وهي: «ورفع بها صوته». وذكر البخاري أن حديث وائل أخطأ فيه شعبة في ثلاثة مواضع، أخطأ فيه شعبة في ثلاثة مواضع، وذكرها: الموضع الأول: في بعض الرواة، جاء من حديث خالد بن علقمة، كان شعبة يقول: خالد بن عرفطة. وأيضا أخطأ في قوله: كان النبي صلى الله عليه وسلم يمد يديه مدا، وشعبة قال: يطويها، يطوي أصابعه. وأيضا أخطأ هنا في قوله: صوته، وإنما الحديث: «خفض بها صوته» -أو أقصد العكس- معنا: شعبة قال: «خفض بها صوته»، والحديث: «رفع بها صوته». فالصحيح أن الإمام يرفع بها صوته، وكذلك المأمومون. والتأمين يكون بالتخفيف: آمين، بتخفيف الميم، والمد الطبيعي: آمين. أما تشديد الميم فهو خطأ، أنا لما يقول الإنسان: آمين بتشديد الميم هذا خطأ، حتى في المعنى، لأن آمين بمعنى قاصدين. وأجاز بعض العلماء المد فيها على أنه لغة، يمد فيها على أنه لغة، يعني ليس المشهور في التجويد وغيره أنه مد طبيعي، لأن الذي يأتي بعده ميم مخففة، ليست ميم مجددة، لكن قالوا: في بعض اللغات يمد مثل هذا. قال: وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ما يجزئني منه. فقال: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». الحديث رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، والدارقطني، والحاكم. وهذا الحديث أصله في الصحيح، في مسلم محذوف. قالوا: عن عبد الله بن أبي أوفى، هو أبو إبراهيم، أو محمد، أو معاوية، واسم أبي أوفى: علقمة بن قيس، من حارث، الأسلم، هم بني أسلم الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «أسلم سالمها الله». قال: شهد الحديبية وخيبر وما بعدهما، ولم يزل في المدينة حتى قبض النبي صلى الله عليه وسلم، فتحول إلى الكوفة ومات بها، وهو آخر من مات بالكوفة من الصحابة. قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ما يجزئني منه. قال: «قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم». قال: الحديث بالنصب أن يتم الحديث، وتمامه في سنن أبي داود: قال أي الرجل: يا رسول الله، هذا لله، فما لي؟ قال: «قل: اللهم ارحمني، وارزقني، وعافني، واهدني». قال: وهذا اللفظ أيضا جاء في مسلم. قال: فقال رسول الله: ما هذا؟ قال: فلما قام قال: هكذا بيدي. قال: انتهى. إلا أنه ليس في سنن أبي داود: «العلي العظيم». رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصحيح ابن حبان، والدارقطني، والحاكم. قال: والحديث دليل على أن هذه الأذكار قائمة مقام القراءة للفاتحة وغيرها لمن لا يحسن ذلك. قال: وظاهره أنه لا يجب عليه تعلم القرآن ليقرأ به في الصلاة، فإنما قال: لا أستطيع، لا أحفظ الآن منه شيئا، فلم يأمره بحفظه، وأمره بهذه الألفاظ، مع أنه يمكن حفظ الفاتحة كما يحفظ هذه. قد تقدم في حديث المسيء صلاته، وعليه أكثر أهل العلم: أنه إذا كان لا يحفظ الفاتحة ويحفظ شيئا من القرآن، أنه يقرأ شيئا من القرآن، يقرأ شيئا من القرآن. ولو كان يحفظ مثلا: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يقرأ، قال: ولو كان يحفظ آية يقرأ هذه الآية. فإذا كان يحفظ شيئا من القرآن فإنه يقرأ، يقرأ بما معه من القرآن. وهناك من العلماء من قال: إذا كان معه آية يقرأها سبع مرات، وإذا كان معه آيتين يقرأها ثلاث مرات بمرة، يعني يقرأ هذه ثلاث وهذه ثلاث ثم يزيد واحد على أساس أنها تكون سبع. وهذا والله أعلم اجتهاد فقط منهم. فإذا كان لا يستطيع أن يقرأ شيئا لعدم حفظه، ولا يستطيع أيضا أن يحفظ، على الصحيح فإنه يقرأ هذه الأذكار، لأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه، لأنه لم يكن يعرف في ذلك الوقت، لم يعرف في ذلك الوقت، فلذا يؤمر بالتعليم إن استطاع. إن استطاع التعليم يعلم هذا القرآن، ولو الفاتحة حتى يقرأها. طيب، إن شاء الله نكتفي بهذا، والله أعلم.