الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 17، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يستهل المحاضر الدرس ببيان خطورة اللسان وكونه سبباً للنجاة أو الهلاك، مستدلاً بأقوال السلف والأحاديث النبوية التي تأمر بحفظ اللسان وكفه عن اللعن والكلام الباطل. ويؤكد أن اللسان آلة خلقها الله للتوحيد والصدق، فمن أطلقه في الخير سعد ومن أطلقه في الشر هلك.
يسرد المحاضر أدلة نبوية تبين خطورة اللعن، منها أن اللعنة تصعد إلى السماء فتُرد، فإن لم تجد مستحقاً رجعت إلى قائلها، وقصة المرأة التي لعنت ناقتها. ويشير إلى النهي عن اللعن حتى للبهائم، وأن اللعانون لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة.
يفصل المحاضر في حديث أبي برزة عن جارية لعنت ناقة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعدم مصاحبة تلك الناقة، مع توضيح معنى كلمة «حل» لغةً وضبطاً. ويبين أن النهي مختص بمصاحبة النبي صلى الله عليه وسلم لتلك الناقة دون منع بيعها أو ذبحها أو ركوبها لغيره.
يعلن المحاضر انتهاء الباب المتعلق بتحريم لعن شخص معين أو دابة، ملخصاً الأحكام المستفادة. ويختتم الدرس بالصلاة على النبي محمد والحمد لله، مع شكر الحضور على المتابعة وحسن الاستماع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع كتاب "الأمور المنهية عنها" من "رياض الصالحين" للإمام أبي زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى. ومر معنا في الدرس الماضي الكلام حول "باب تحريم لعن إنسان بعينه أو دابة"، وذكر رحمه الله تعالى جملة من الآيات القرآنية، وهكذا الأحاديث النبوية التي فيها وجوب المحافظة على اللسان، وكذلك عدم استعماله فيما يغضب الله تبارك وتعالى. والملاحظ من خلال هذه الأبواب أن اللسان إذا لم يحسن العبد استخدامه فإنه يوبق صاحبه ويوقعه في المهلكات والموبقات، ولهذا يجب على المسلم أن يحافظ على لسانه ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. قال الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: «ما من مضغة أحب إلى الله من لسان صدوق، وما من مضغة أبغض إلى الله من لسان كذوب». إذن اللسان نعمة إذا أحسن العبد استعمالها، واللسان نقمة إذا أساء العبد استخدامها. ومما سبق يتبين لنا أهمية اللسان، وأنها تعتبر سبباً للأعمال الصالحة العظيمة التي ينال بسببها العبد الدرجات والمنازل العالية، كما أنها كذلك تعتبر سبباً للأعمال السيئة التي توقع صاحبها في الدركات النازلة. وذكر الإمام أبو حاتم بن حبان البستي رحمه الله تعالى في كتابه القيم "روضة العقلاء"، ذكر رحمه الله تعالى قال: «إن الله عز وجل فضل اللسان على سائر الجوارح». لاحظ: قال إن الله تعالى فضل اللسان على سائر الجوارح، ورفع درجته، وأبان فضيلته بأن أنطقه من بين سائر الجوارح بتوحيده. لم ينطق إلا اللسان سبحانه وتعالى قال: «بأن أنطقه من بين سائر الجوارح بتوحيده». قال: «فلا يجب للعاقل أن يعود آلة خلقها الله للنطق بتوحيده... بل يجب عليه المداومة على رعايته بلزوم الصدق وما يعود عليه نفعه في دارَيْه». قال: «لأن اللسان يغتذي بما عود، إن صدقاً فصدقاً، وإن كذباً فكذباً، فعل ما عوده صاحبه، فعل ما عوده صاحبه». ولهذا يا إخوان سبق معنا حديث أبي سعيد الخدري أنه إذا أصبح ابن آدم فإن الجوارح تكفر اللسان، يعني تخضع له وتنقاد، فتقول: «اتقوا الله فينا، فإنما نحن بكم، إن استقمتم استقمنا، وإن اعوججتم اعوججنا». وهكذا كما سبق معنا أنه ليس هناك شيء أحوج إلى أن يسجن كهذا اللسان. ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت». قال رحمه الله تعالى: قال عن أبي الدرداء رضي الله عنه... مر معنا أنه... ما اسمه؟ نعم يا أبا هريرة، ما اسمه؟ ما اسمه؟ أبي الدرداء، لا، نعم، ما اسمه؟ أبي الدرداء، عويمر بن مالك. أحسنتم. قال رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء، فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض، فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً، فإذا لم تجد مساغاً...» ومعنى "مساغاً" أي طريقاً أو مدخلاً، طريقاً أو مدخلاً. «...فإذا لم تجد مساغاً رجعت إلى الذي... إلى الذي لعن... إلى الذي لعن. قال: فإن كان أهلاً لذلك، وإلا رجعت على قائلها». رواه أبو داود. رواه أبو داود. وهذا الحديث في سنده مقال، يعني شيء من الضعف، لكن له طرق يحسن بها، له طرق يحسن بها. وهذا فيه خطورة اللعن يا إخوان، وأن اللعنة تصعد إلى السماء فلا تفتح لها أبواب السماء، فترجع إلى الأرض فلا تفتح لها أبواب الأرض، أين تذهب؟ تذهب إلى من... أو تذهب إلى الذي لعن. فإن كان أهلاً لذلك فهو كما قال، وإن لم يكن أهلاً قال: «رجعت إلى قائلها، رجعت إلى قائلها». وهذا فيه أن اللعنة قد تلحق صاحبها في بعض الحالات، في بعض الحالات ترجع من حيث خرجت، ترجع من حيث خرجت. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن عمران بن الحسين رضي الله عنه، صحابي جليل، ابتلاه الله عز وجل بمرض البواسير، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأل عما... يسأل عن صلاته. فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: «صلِّ قائماً، فإن لم تستطع فقاعداً، فإن لم تستطع فعلى جنب». في بعضها: «أو مستلقياً، أو مستلقياً». قال: وعن عمران بن الحسين رضي الله عنهما قال: «بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة، قال: فضجرت، أي المرأة من الناقة، ضجرت من الناقة. قال: فضجرت فلعنتها. قال: فسمع ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "خذوا ما عليها ودعوها، فإنها ملعونة". أي الناقة. "خذوا ما عليها ودعوها"، أي اطرحوا ما عليها من الأمتعة، ارفعوا ما عليها من الأمتعة. قال: "فإنها ملعونة، فإنها ملعونة". قال عمران: "فكأني أراها الآن تمشي في الناس وما يعرض لها أحد"». رواه مسلم. وهذا يا إخوان فيه عدم جواز اللعن حتى ولو في حق الدواب، دابة كناقة أو بعير أو بقرة أو شاة، كبشاً، طيراً، دجاجاً، إلى غير ذلك. لا تلعن يا عبد الله، فإن اللعانون لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة كما أخبر عليه الصلاة والسلام. ومن باب الزجر يا إخوان للذين يلعنون ويكثرون اللعن، النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خذوا ما عليها ودعوها، فإنها ملعونة»، يعني لا تصحبنا، لا تصحبنا. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن أبي برزة... وهذا يا إخوان إذا كان في حق حيوان فما بالك إذا كان الملعون إنساناً مسلماً، قد يكون جاراً، قريباً، زميلاً، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. قال رحمه الله تعالى: قال: وعن أبي برزة نضلة بن عبيد الأسلمي رضي الله عنه... الأسلمي، نصب إلى ماذا؟ الأسلمي يا أبا محمد، نصب إلى ماذا؟ إلى الأسلمي، نصب إلى أسلم، إيش هذا؟ بلاد أو قبيلة أو مذهب أو ماذا؟ أحسن: قبيلة من قبائل العرب المشهورة. قال رضي الله عنه: قال: «بينما جارية على ناقة عليها بعض متاع القوم، عليها بعض متاع القوم، قال: إذ بصرت بالنبي صلى الله عليه وسلم، وتضايق بهم الجبل، وتضايق بهم الجبل، فقالت: "حل، حل". هذه كلمة زجر، هذه كلمة زجر، ماذا يتعامل بها مع الحيوان؟ والحيوان لربما ماذا يفهم بعض الكلمات؟ والمقصود منها إذا كان الإسراع في المشي أو الإبطاء أو التوقف عند المشي. قالت هذه الجارية، يعني امرأة شابة: "حل، اللهم العنها، اللهم العنها". فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة، لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة". فماذا... فماذا؟ قال: رواه مسلم، رواه مسلم». قال رحمه الله تعالى: «قوله "حل" بفتح الحاء المهملة وإسكان اللام، الحاء المهملة، ويقابل المهملة ماذا؟ مهملة يقابلها ماذا في ضبط العرب للكلمات العربية؟ من باب الفائدة يا إخوان: العرب قديماً ما كانوا يستخدمون النقط، فالحاء والخاء والجيم كلها تكتب سواءً بدون نقطة، وأيضاً ما كانوا يستخدمون الشكل: ضمة، وكسرة، فتحة، وغيرها. كانوا أهل لغة قوية، فإذا أرادوا أن يضبطوا الكلمة كما ها هنا "حل" قد يقرأها بعضهم "خل" و"جل"، لكن ضبطها هنا بقوله: "بفتح الحاء المهملة". مهملة يعني بدون نقطة، يقابلها ماذا؟ المعجمة. طيب، المعجمة التي فيها نقطة قد تكون أعلى فتكون ماذا؟ خاء، وقد تكون أسفل فتكون جيم. كيف يفرقون بين الخاء والجيم؟ يقولون: "بالمعجمة الفوقانية" يعني خاء، أو "بالمعجمة التحتانية" يعني جيم. يعني جيم،كذا كانوا يضبطون الكلمات العربية. قال: "وإسكان اللام: حل". قال: وهي كلمة لزجر الإبل». والحيوانات تختلف يا إخوان، الإبل لها بعض الكلمات، والبقر لها كلمات أخرى، والأغنام أيضاً لها كلمات خاصة، أو تشترك الحيوانات كلها؟ نعم، أحسن. لكل حيوان... لربما اصطلاح متعارف عليه. قال: «وهي كلمة لزجر الإبل». حتى الحمير يا إخوان، حمير لها ماذا؟ لها اصطلاح خاص عند إرادة الإسراع أو عند إرادة التهدئة أو عند إرادة التوقف، فماذا يستخدم مع هذه الحيوانات؟ ما يصلح لها. قال: «واعلم أن هذا الحديث قد يستشكل معناه، ولا إشكال فيه، بل المراد النهي أن تصاحبهم تلك الناقة، وليس فيه نهي عن بيعها وذبحها وركوبها في غير صحبة النبي صلى الله عليه وسلم. "لا تصحبنا" أي لا تصحب النبي صلى الله عليه وسلم، لكن يجوز أن يبيعها أو ينحرها، وهكذا أيضاً يجوز أن يركبها غيره. بل كل ذلك وما سواه من التصرفات جائز، لا منع منه إلا من مصاحبته صلى الله عليه وسلم بها، لأن هذه التصرفات كلها كانت جائزة، فَمُنِعَ بعض منها، فبقي الباقي على ما كان، والله أعلم». وبهذا نكون قد انتهينا من هذا الباب الذي يتعلق بتحريم لعن إنسان بعينه، أو كذلك أيضاً... أو دابة، أو دابة. طيب، نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. شكراً للمشاهدة، شكراً.