كتاب الأمور المنهي عنها 15

كتاب الأمور المنهي عنها 15

الدرس في كتاب الأمور المنهي عنها 15، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

غلظ تحريم شهادة الزور وخطر إطلاق اللسان

يبيّن المقطع أن شهادة الزور من أكبر الكبائر لارتباطها بإضاعة الحقوق وإشاعة الظلم، مستدلاً بآيات قرآنية قرنت قول الزور بعبادة الأوثان. كما يحذر من خطورة اللسان الذي قد يكون نقمة إذا أُطلق في الكذب والسب والاستهزاء بالدين، وأن كلمة طائشة قد تُخرج صاحبها من الملة.

مراقبة الله للعباد وعاقبة الشهادة الزور

يتناول المقطع مراقبة الله تعالى للعباد وعدله المطلق الذي يشمل حتى البهائم، محذراً من عواقب الشهادة الزور التي تضيع الحقوق وتزهق الأنفس. ويوضح أن من صفات عباد الرحمن اجتناب الزور بكل صوره، مع سرد قصة تسمية الصحابي أبي بكرة.

تنازل الحسن بن علي وأكبر الكبائر

يروي المقطع حديث أبي بكرة عن عدم فلاح قوم ولوا أمرهم امرأة، ويسرد أحداث معركة الجمل وصفين وخروج الخوارج. ثم يذكر تنازل الحسن بن علي عن الخلافة حقناً للدماء، وحديث أكبر الكبائر والفرق بين الكبائر والصغائر.

الخاتمة والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله، ويختم بالحمد لله رب العالمين والإقرار بأن الله تعالى أعلم. وتكون هذه الخاتمة ختاماً للمجلس العلمي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في كتاب الأمور المنهية عنها من كتابه القيم "رياض الصالحين": "باب بيان غلظ تحريم شهادة الزور". قال: باب بيان غلظ تحريم شهادة الزور. والزور المقصود به الكذب والبهتان، الكذب والبهتان. وشهادة الزور أي الشهادة الكاذبة، الشهادة بالباطل. وشهادة الزور هي تعتبر من أكبر الكبائر وأشد المحرمات، فبسببها تضيع الحقوق، وبسببها كذلك أيضًا تقع المظالم، وتكون الثقة بين أفراد المجتمع ضعيفة، إلى غير ذلك مما يكون سببه شهادة الزور. قال رحمه الله تعالى: قال الله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾. ولاحظوا إلى خطورة قول الزور حيث أن الله عز وجل قرنه بعبادة الأوثان والأصنام، فقال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ * حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾. وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. وهذا وما قبله سبق ذكرها في أكثر من باب، ومدارها يا إخوان على وجوب المحافظة على اللسان، وأن هذا اللسان قد يكون نعمة وقد يكون نقمة. فهو نعمة إذا أحسن صاحبه استخدامه، يتكلم بالكلمة يرفعه الله بها الدرجات العالية. تخيلوا كم هي العبادات التي ممكن للإنسان أن يقوم بها: يذكر الله سبحانه وتعالى، وهكذا أيضًا يقرأ القرآن، ويدعو إلى الله تبارك وتعالى، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ينصح، إلى غير ذلك، إلى غير ذلك. ولهذا ربنا عز وجل امتن على خلقه وعبيده بهذه النعمة، فقال سبحانه: ﴿أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾. كم من إنسان يا إخوان ابتلاه الله عز وجل بأن كان أبكم، لا يتكلم؟ ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. فيبتلي الله عز وجل بعض الناس بعدم البيان وعدم عمل اللسان بأن يعبر عما بداخله. واللسان أيضًا يا إخوان يكون نقمة على صاحبه، ويكون سلاحًا قاتلًا لصاحبه، وذلك إذا أطلق لسانه العنان، فجعل لسانه يخبط خبط عشواء، يتناول هذا ويقع على هذا. كم هي المحرمات التي تقع بسبب اللسان! قاموس يا إخوان، معجم ستضعه لآفات ومفاسد اللسان. بل أعظمها أنه قد يخرج من الإسلام بكلمة لا يلقي لها بالًا، يخرج من الإسلام بكلمة لا يلقي لها بالًا، كأن يسب الرب أو الدين أو النبي صلى الله عليه وسلم. كم تسمع بالأسواق حين أن يتشاجر اثنان أو يتضارب شخصان، أول ما يبدأ في حالة غضب وانفعال يسب الرب. طيب، وما دخله؟ أو ماذا وما الداعي إلى سب الرب وأنت تتشاجر وتتضارب مع إنسان مثلك؟ قال: لا سبيل من الله، وبالإجماع يا إخوان أن ساب الرب والدين والرسول صلى الله عليه وسلم بالإجماع مسلم أو كافر؟ يا مبارك، كافر. بل الذي يشك في كفره كذلك أيضًا يكون كافرًا. يكون كافرًا. الاستهزاء بشعائر هذا الدين قد يقع بكلمة فتبوق عليه دنياه وآخرته، يخرج من هذا الدين. ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾. جلوس في مقهى، جلوس في مجلس، جلوس في ناد، فإذا بأحدهم يقع في باب الاستهزاء، يستهزئ بلحيه أو يستهزئ بشعيره أو سواف أو غيرها. انظروا كيف أن ذلك العمل قد يرديه إلى دركات، وهكذا أيضًا إلى ما لا تحمد عقباه. إذن يا إخوان، اللسان هو سلاح ذو حدين، إما لنا وإما علينا. قال رحمه الله تعالى: وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾. ويا لله يا إخوان، ما أعظم هذه الآية! ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، فيمهل ولا يهمل، يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته. وقرأ عليه الصلاة والسلام: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. انظروا يا إخوان إلى أن الله عز وجل يراقب العباد، فلا يضيع عنده شيء، وهكذا لا يغيب عن علمه شيء. ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وهكذا ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. فإذا كان ربنا عز وجل يقتص للبهائم، ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾، يقتص لشاة جَمّاء أي بلا قرون من شاة قرناء. لربما بتنا في حوش واحد ومكان واحد، جفليل كامل، وهذه الأغنام تتناطح. ما أعظم عدل الله عز وجل! هذه النطحات لا تغيب عن علم الله عز وجل. يوم القيامة يقتص ربنا عز وجل للمنطوحة من الناطحة، للمنطوحة من الناطحة، ثم ليس لهن جنة أو نار، وإنما يقول الحق تبارك وتعالى: كوني ترابًا. ﴿يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا﴾. فإن ربك لبالمرصاد، وهو بالمرصاد لمن يتلاعبون في المحاكم بالشهادات الكاذبة، أو بمن تضيع بسببهم الحقوق ويتجاوزون بها الحدود. لربما يقتل إنسان ظلمًا بسبب شهادة كاذب، أو يؤخذ ماله نصبًا بسبب شهادة كاذب، أو لربما يرمى في عرضه بسبب شهادة كاذب. إذن إلى الديان يوم الدين نمضي، وعند الله تجتمع الخصوم. خصومات يا إخوان تكون في محكمة الله عز وجل التي هي لا يسودها إلا العدل من الله تبارك وتعالى. قال: وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾. وهذه صفة من صفات أولياء الرحمن، أولياء الرحمن أنهم لا يشهدون الزور، لا الكذب ولا النفاق ولا الفسوق ولا اللغو والباطل ولا الكفر ولا غير ذلك. ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾. قال بعض العلماء: يدخل في هذا اللغو الباطل كاستماع الأغاني والمحرمات، فهم لا يشهدون الزور. قالوا: هناك حفلة، هذه الحفلة مادتها الغناء والرقص أو التمثيل والكذب. تمثيل يا إخوان، يأتوا بفرقة من الفرق ويقول: يمثلون ويكذبون ويستهزئون، وأشياء كثيرة. عباد الرحمن لا يشهدون الزور. وقيل في الزور كذلك أيضًا أنها أعياد المشركين، أعياد الكفار بشتى صورها وأنواعها، ومنها أعياد أو الأعياد التي تقام على الأضرحة وحول المشاهد والقباب. عباد الرحمن لا يشهدونها. قال رحمه الله تعالى: قال، وعن أبي بكرة رضي الله عنه. ما اسمه؟ ما اسمه أبي بكرة؟ نعم، عندك أخونا الأندونيسي الذي على الجدار يقول ماذا؟ عبد الله بن إسماعيل بن بن عثمان. أحسنت. لكن ماذا؟ من يكمل يا إخوان؟ ذاك أبو بكر الصديق، عبد الله بن عثمان. فأبو بكر ما اسمه؟ حبيب؟ عبد الله أو أبو بكر ما اسمه يا عبد الرحمن بن صالح؟ نعم، يا أبي، عبد الله نفيع. أحسنت، نفيع بن الحارث الثقفي، أبو بكرة. أبو بكرة وأبو بكرة. قلنا كني بهذا لأنه قيل تدلى من حصن الطائف بسبب أو ماذا؟ بواسطة بكرة. ما هي البكرة؟ البكرة حديدة مدورة، يوضع يوضع عليها حبل، يوضع عليها حبل ويرفع بها الأثقال، وهكذا ينزل بها الأثقال. قيل تدلى ببكرة حتى وصل إلى أسفل، إلى خرج من حصن المشركين الطائف ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل خرج من الحصن راكبًا بكرة، يعني ماذا؟ الناقة الصغيرة، الناقة الصغيرة، ولحق بالنبي صلى الله عليه وسلم. أبو بكرة نفيع بن الحارث، أحد خيار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ونفع الله به، أي ما نفع. قال: أنقذني الله يوم الجمل بحديث، ما هو هذا الحديث؟ قال: لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة. يقصد الحرب التي قامت بين علي ومن معه، وعائشة وطلحة والزبير ومن معهم. في معركة صفين، الخلاف الذي قام بين علي بن أبي طالب ومعه أهل العراق، وبين معاوية بن أبي سفيان ومعه أهل الشام، بعد أن رضي الطرفان بالتحكيم، وخرج الخوارج وقرروا قتل علي ومعاوية وعمرو بن العاص. فقتل علي، وسلم معاوية، وأما عمرو بن العاص فذلك اليوم لم يخرج، جعل وزيره وصاحبه، وصاحبه هو الذي يخرج يصلي بالناس صلاة الفجر. والخوارج يا إخوان إلى يومنا هذا ما يظهرون إلا في الظلام وفي الخفاء، وعند غفلة الناس، عند غفلة الناس. لما خرج خارجي يريد أن يصلي بالناس، استقبله ذلكم الخارجي فضربه، ضربه فقتله. فلما ألقوا القبض عليه، قال: من قتلت؟ قالوا: قتلت خارجيًا. قال: أردنا عمرًا وأراد الله خارجيًا، وأصبح بعد ذلك مثلًا يضرب. بايع الناس بعد مقتل علي بن أبي طالب، بايع الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، وكادت الحرب أن تشتعل نيرانها، حتى دخل من أبو بكرة نفيع بن الحارث الثقفي، قال: يا حسن، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جدك يقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين». ماذا فعل الحسن؟ قام وتنازل بالخلافة لمعاوية رضي الله تعالى عنهما. لماذا يا إخوان؟ لكي تحقن دماء المسلمين وتجتمع كلمة المسلمين. فسمي ذلك العام عام... آه، ماذا؟ عام أربعين، سمي بعام الجماعة، سمي بعام الجماعة. أتى بعض المحرشين إلى الحسن، قالوا: كيف تتنازل؟ النار ولا العار؟ اش بيقولوا؟ زادوا عليهم، قالوا: النار ولا العار. قال: لا العار ولا النار، وأصبحت كلمات يضرب بها المثل. قال: وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟» قالوا: قلنا: بلى يا رسول الله. قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين». لاحظ: قال: وكان متكئًا فجلس. لماذا؟ لأهمية الأمر، ولكي ينتبه له كثيرًا. قال: «فألا وقول الزور». قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت. أشفق على النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك الحال وذلك الموقف الذي كان عليه. متفق عليه. وهذا فيه يا إخوان بيان إلى أن المعاصي منها كبائر ومنها صغائر. الكبائر لا بد فيها من توبة، لا بد فيها من توبة. وإذا مات العبد ولم يتب إلى الله عز وجل منها فأمره تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له وأدخله الجنة مع الأولين السابقين، وإن شاء عذبه في النار على حسب ظلمه وجرمه، ثم بعد ذلك مصيره إلى الجنة بسبب التوحيد والإيمان، إلا الشرك. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. وأما الصغائر فهذه تكفرها الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، تكفرها كذلك الوضوء وغير ذلك. اختلف العلماء في الحج: من حج فلم يرفث ولم يفسق، رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، هل يدخل في ذلك تكفير كبائر الذنوب؟ نعم، هذا الذي عليه الكثير من أهل العلم، وذهب آخرون إلى أن الحج لا يكفر الكبائر، وإنما الكبائر لا بد فيها من توبة، والأول أظهر والله تعالى أعلم. طيب، نكتفي بهذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.