الدرس في أسئلة في الصلاة 15، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبيّن المحور أن القيام ركن في الفرائض ومستحب في النوافل، مع تفصيل هيئة القدمين للمنفرد والجماعة. ويؤكد أهمية تسوية الصفوف وسد الفرجات لارتباطها بسلامة القلوب مستدلاً بالسنة النبوية وأفعال الصحابة.
يشرح المحور وجوب نصب القدمين على أطراف الأصابع متجهة إلى القبلة في السجود، ويبين كيفيات الجلوس الثلاث (الافتراش، التورك، الإقعاء) مع ترجيح كونها من اختلاف التنوع. كما يتناول تسوية الصفوف بموازاة المناكب والأعقاب وتجنب التفاوُت.
يستحب للمصلي النظر إلى موضع سجوده لكونه أعون على الخشوع، ويُكره النظر إلى ما يشغل القلب أو رفع البصر إلى السماء أو إغماض العينين بغير حاجة. ويستثنى من ذلك النظر إلى السبابة في التشهد، والنظر في صلاة الخوف، والنظر إلى الكعبة خارج الصلاة.
أعلن المحاضر انتهاء الحصة الحالية وقرر تأجيل استكمال الموضوع للدرس القادم. وختم الجلسة بالبسملة والتفويض إلى الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: فذكرنا في الدرس الذي مضى ما ذكره العلامة السعدي رحمه الله في كتابه «أرشاد أولي البصائر والألباب لمعرفة الفقه بأقرب الطرق وأيسر الأسباب». فذكر رحمه الله العبودية الخاصة للجوارح في الصلاة، وذكرنا عبودية القلب واللسان واليدين، العبودية التي تكون في الصلاة باليدين. ثم قال: «وأما ما يتعلق بالقدمين، عما يكون يتعلق بالقدمين من عبودية في الصلاة». قال: «فالقيام في الفرض ركن لا تتم إلا به على القادر». معنى من الأمور المهمة التي يتعبد بها بالقدمين: القيام. القيام في الفرض ركن، وهذا بإجماع العلماء أن القيام في الفرض ركن، لا اختلاف في ذلك، لا اختلاف في هذا الركن. وأما في النوافل فهو مستحب، أما في النوافل فهو مستحب، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي السبحة كما قالت عائشة وهو جالس، يصلي السبحة أي يصلي النافلة وهو جالس. والقيام: استدل العلماء بقول الله عز وجل: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾، وقوله أيضا في الحديث في البخاري: حديث عمران بن حسين، قال النبي عليه الصلاة والسلام لما اشتكى بالبواسير: «صل قائما، فإن لم تستطع فجالسا، فإن لم تستطع فعلى جنب». قال: «وينبغي أن يفرقها ولا يضم بعضها إلى بعض حيث أمكن بلا مشقة». يعني يفرق رجليه عند القيام، ولم يأت ما يدل على شيء من هذا. أما إذا كان في المنفرد، وأما في الجماعة معناه المأموم فهو مطالب بأن يرص رجليه بأخيه. أنا إذا كان في جماعة فهنا في جماعة لا بد أن يفرق بينهما، لا يضمهما إذا كان في جماعة. بل جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يقول: «حاذوا بالمناكب والأعقاب». حاذوا بالمناكب والأعقاب، أي حاذ أي يجعلوها وتساويها المناكب والأعقاب، العقب أيضا يتساوى مع العقب. وقال عليه الصلاة والسلام: «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة». قال أنس: فكان أحدنا يلزق قدمه بقدم صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعب صاحبه. وجاء أيضا حديث في السنن، حديث أنس، لكنه مختلف في صحته، لما قال نبي صلى الله عليه وسلم: «الكعب بالكعب». فهذا الذي كان عليه الصحابة رضي الله عنهم في رص الصفوف، معناه يحاولون أن يهتموا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «سووا صفوفكم، فإن تسوية الصف من تمام الصلاة». بل يقول في الصحيحين في حديث أبي هريرة: «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم». جاء في السنن: «بين قلوبكم»، ولا فرق في المعنى. «بين وجوهكم» معنى أن القلوب إذا افترقت افترقت الوجوه، عبست الوجوه، انصرفت بعضها عن بعض. ولهذا الإنسان إذا كان غاضبا على شخص تجد أنه لا ينظر إليه ويولي عنه وجهه. وهذا معنى الحديث: «لتسون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم». وأجدها فرصة أنبه الإخوة في هذا الباب، عندنا تقصير كثير في مسألة الصفوف. أنا أجد كثيرا من الإخوة يرجعون للخلف، ما أدري ليش يرجعون للخلف، هم لعلهم يريدون أن يكون الخلف متساوٍ، لكن ينزلون كثيرا، بمعنى تجد أرجلهم بعيدة عن أرجل من يكون في الصف، وهذا خطأ، لا شك هذا خطأ. فيحرصون على الصفوف، من كانت مثلا رجله قصيرة يحاول أنه يسند رجله ويساويها بكعب صاحبه، بمعنى يحاذي كعبه. ومن كان رجله طويلة أيضا كذلك، الكعب يكون هو الميزان في الصف. مثلا بعضهم يرى أن رجله صغيرة يخرجها بعيد حتى تكون، بمعنى لما ينظر الناظر إلى الصف من خلف يرى بعضهم خارجين عن الصف وبعضهم متقدمين في الصف، وهذا خطأ. لهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: قال حتى كان النبي صلى الله عليه وسلم يقيمنا، يقيم صفوفنا كما يقيم أحدنا القدح، أن يساويهم، يضع الكتف بالكتف. قال: حتى ظن أننا قد عقلنا، حتى ظن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد عقلوا هذا الأمر. وهذا يدل على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالصفوف. حتى كان يقول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: «لا تراصون في الصلاة كما تتراص الملائكة عند ربها». أن الصفوف ليست لها معنى، ليست هينة، لها أهمية. وكما قلنا أن الاختلاف في الصفوف يتبعه بعد ذلك اختلاف في القلوب. فلهذا يحتاج للمؤمن أن يهتم بهذه الصفوف. وليس معنى ذلك أن الإنسان يظل طول الصلاة وهو مشغول بالصف، لا، لكن من أول ما يبدأ وإن رأى نفسه متأخر أو متقدم يتأخر. ولهذا كما قلنا النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: «حتى ظن أننا قد عقلنا، عقلنا هذا الأمر»، قال: فرأى رجلا باديا صدره، رأى رجلا باديا صدره، باديا الصف، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا تسوون صفوفكم، أو ليخالفن الله بين قلوبكم». حتى الذي يصلي في الكرسي، إذا رأى مثلا فراغ ليس في أحد، معناه في الصف الثاني، لا لا يتقدم، يظل في مكان، مكان الصفوف، يظل في مكان الصفوف حتى يكون متساويا مع الناس، لا يكون مرتفعا إلا إذا كان مثلا الصف الذي بعده معناه سيضايقهم الكرسي، فهذا ممكن، هذا ممكن يجعل يتقدر لأجل أن لا يضايق من خلفه. وأما إذا كان مثل ما يكون في الصف الثاني، خلاص الصف الثاني يرجع الكرسي خلف ويقوم، ويقوم مع الناس في الصف حتى لا يختلف الصف. ولهذا بعض المساجد يحرصون على أن تكون الكراسي في أطراف المسجد، في أطراف المسجد حتى لا يخلخل بالصف، لأن أصحاب الكراسي غالبا تكون هناك خلخلة في الصف، وهذا خطأ. فلو مثلا صاروا في الأطراف أحسن، يكونون في الأطراف أحسن، أو في الأماكن مثلا كما قلنا التي لا يكون أحد بعدهم، فيسوون الصف. تسوية الصف مهمة جدا. فلهذا قال هنا: «وينبغي أن يفرقها ولا يضم بعضها إلى بعض حيث أمكن بلا مشقة». هذا في رجليه معا، لكن كما قلنا هذا يختلف في الجماعة. أما إذا كان الإنسان منفرد فهل يضم رجليه أو يفرقهما؟ هذا لم يأت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يأت فيه شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا اختلف السلف. فمن السلف من كان يفرق، مثل ما جاء عن عبد الله بن عمر، ومن السلف من كان يضم رجليه، مثل ما جاء عن عبد الله بن الزبير، وبعضهم يرفعه إلى أبي بكر. فبعضهم يضم وبعضهم يفرق، وهذا سهل إن شاء الله. هذا إذا كان الإنسان منفرد. أما إذا كان في جماعة وهو مأموم فإنه لا بد أن يرص في الصف. قال: «وأن يكون في السجود منصوبتين، وبطون أصابعهما على الأرض، موجهة أطرافها إلى القبلة». هذا فيه ما هو واجب وما هو مستحب. الواجب هو نصبها، الواجب هو نصب الرجلين في السجود. أنا ما يرفع الرجلين، بعض الناس يرفع رجلين وهو ساجد، لا، هذا خطأ. بل عند جمهور العلماء أن الصلاة باطلة، لماذا؟ لأن جمهور العلماء يرون أمرنا أن السجود لا بد أن يكون على سبعة أعظم، مثل ما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وأمرنا أن نسجد على سبعة أعظم». أمرنا أن نسجد على سبعة أعظم: الجبهة، وأشار إلى الأنف، معناه لأن الأنف تابع للجبهة كما قلنا، واليدين، وركبتين، وأطراف القدمين. فلا بد أن يكون أطراف القدمين منصوبتين، معناه في الأرض. والسنة أن يجعلهما إلى القبلة، والسنة أن يجعلهما إلى القبلة، معناه أنه يضغط رجله حتى تكون الرجلين متجهة أو الأصابع متجهة إلى القبلة. هذا السنة، لكن وضعها على الأطراف هذا واجب، هذا واجب. بل كما قلنا الجمهور يجعلونه ركنا، فمن فرط فيه فقد أضاع سجوده، ومن أضاع سجوده بطلت صلاته. قال: «وأما في الجلوس أيضا استخدام القدمين وعبودية القدمين في الصلاة أيضا في الجلوس، فينصب اليمنى ويوجه أصابعها إلى القبلة، ويفرش اليسرى ويجلس عليها، إلا في التشهد الأخير فيتورّك بأن يخرجها من تحته ويجلس على الأرض». الآن عندنا في الجلوس كما هو معلوم ثلاثة جلوسات في الصلاة، السنة جاءت في ثلاث جلسات: الافتراش والتورك والإقعاء. الإقعاء على نوعين: إقعاء منهي عنه، وإقعاء سنة. وهذا الإقعاء يكون فقط في الجلوس بين السجدتين. الإقعاء سنة في الجلوس بين السجدتين، كما جاء في صحيح مسلم في الجلوس بين السجدتين، معناه ينصب رجليه هكذا ويجلس عليها، يجلس على عقبيه. هذه السنة في الجلوس بين السجدتين. وأما الافتراش والتورك فهذه سنة الصلاة، وقد ذكرنا أكثر مرة أقوال أهل العلم فيها. فقلنا أن الحنفية يرون الافتراش فقط سنة ولا يرون التورق، والمالكية يرون التورق ولا يرون الافتراش، مع أنه قد جاء في الصحيح مسلم عن ابن عمر أن سنة الصلاة الافتراش. وأما الشافعي وأحمد فيرون الافتراش والتورق، فيرون الافتراش والتورق، وهما متفقان على أن الافتراش يكون في التشهد الأول والتورك يكون في التشهد الثاني. واختلف في مسألة إذا كان الصلاة في تشهد واحد مثل صلاة الفجر أو سنة ركعتين، هل يتورك أم يفترش؟ الشافعي عنده يتورك، بمعنى الشافعي يرى أن كل تشهد في صلاة يتورك فيه، وأحمد يقول: لا، إنما يفترش لأن سنة الصلاة هي الافتراش. وهذا كله جاء كما قلنا رواية في حديث أبي حميد الساعدي من رواية محمد بن عمر بن حلحلة عن محمد بن عمر بن حطان عن أبي حميد الساعدي، لما وصف صلاة النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «فأما إذا كان في التشهد الأول فيفترش، وأما في التشهد الذي قبل السلام فيتورك». وهذه الزيادة كما قلنا لم يقلها أحد إلا محمد بن عمر بن حلحلة، وهو ثقة، لكنه لم يزد هذه الزيادة في هذا الحديث إلا هو، وهي في البخاري. لهذا شكك بعضهم فيها، يعني كل من روى هذا الحديث عن محمد بن عمر بن حطان لم يذكر هذه الزيادة. وأيضا كذلك قد جاء روا أكثر من واحد صلاة أبي حميد ولم يذكر هذا الشيء، فلهذا شكك كما قلنا بعض العلماء فيها. ولهذا ذهب ابن المنذر وابن عبد البر وابن جرير الطبري، وكأن الحافظ ابن رجب يرجح ذلك أيضا، أن هذه الافتراش والتورك يعتبر من خلاف التنوع، خلاف التنوع، إن شاء فعلها في التشهد الأول وإن شاء فعلها في التشهد الأخير. بمعنى يتورك في التشهد الأول لا بأس، تورك في التشهد الأخير لا بأس، يفترش في التشهد الأول لا بأس، يفترش في التشهد الأخير لا بأس. أي سنة كله سنة، معنى يعتبر من خلاف التنوع. وهذا قول وجيه، عما إذا شككنا في الزيادة التي زادها محمد بن عمر بن حلحلة، فنقول أن هذا القول هو الذي يقال به. لأنه كما جاء في حديث عبد الله بن الزبير التورق، ما جاء الافتراش، وفي حديث ابن عمر أن سنة الصلاة الافتراش، وفي حديث أبي حميد الافتراش والتورق، وفي حديث مالك بن الحويرث الافتراش، وهكذا. فتجد أن هذا موجود وهذا موجود، فلهذا قد يقال أن هذا من اختلاف التنوع، والأمر سهل إن شاء الله. لكن هنا يريد أن يبين المؤلف أنه في الافتراش ينصب رجله اليمنى ويجلس على رجله اليسرى، وفي التورق يضع رجله بين فخذه وساقه، بين فخذه وساقه. وأما الرواية التي في مسلم أنه يضعها بين فخذه وساقه، معنى الصحيحة تحت ساقه وفخذه، هذه الرواية الصحيحة تحت ساقه وفخذه. حتى تلك رواية صحيحة لكنه لم يقل بها أحد من الفقهاء أنه يضع رجله بين الساق والفخذ، هذه وإن كانت موجودة في صحيح مسلم لكن لم يذكرها أحد من الفقهاء، ويذكرون الرواية الثانية يكون تحت رجله، ساقه تحت فخذه وساقه. وأيضا رجله في التورق، في التورق جاء النصب وجاء الافتراش في الرجل اليمنى. جاء في التورق جاء النصب وجاء الافتراش، في حديث عبد الله بن الزبير أنه يفرش الرجل اليمنى، يفرشها، معناه يجعلها هكذا، وفي حديث أبي حميد ينصبها. وهذا أيضا كذلك من اختلاف التنوع، معناه يفعل هذا ويفعل هذا. طيب، قال: «وكذلك ينبغي موازنة الرجلين فلا يقدم أحدهما على الأخرى». وهذا أيضا استحبه كثير من العلماء حتى لا يكون الشخص منحرفا، لا يكون الشخص منحرفا فيضع رجل هنا ويضع رجل هنا، مثل ما يفعل بعض الأخوة الآن، تجده مثلا يصلي والذي بجنبه أو بأحد الجانبين نازل لا تحت والآخر طالع لفوق، يقوم يريد أن يرضي هذا وهذا فيجعل رجله طالعة ورجل نازلة، وهذا قد يجعله ينحرف. صحيح أن الانحراف ليس شديدا لكن قد يكون الانحراف شديدا إذا غاير بين الرجلين بعيدة فقد ينحرف في الصلاة، وهذا خطأ، وهذا خطأ. فلهذا إما أنه يشير إلى من يجانبه هذا الذي هو نازل أنه يجعله يصعد حتى يكون الصف متسق، وأما واحد نازل واحد طالع فغالبا الصف لا يستقيم. طيب، قال رحمه الله: «قال: وإذا كانوا جماعة سووا صفوفهم بمساواة المناكب، المناكب والأكعب، الأكعب، الأكعب، هما العظمان الناتئان في جانبي الرجلين، والكعب هو العرق الذي يكون آخر الرجل، هذا الكعب، والعقبان أو هذا العقب أقصر، والكعب هو العظمان الناتئان في جانبي الرجل، هذا يسمى كعب، وأما العقب فهو العظم الأخير، سمي عقبا لأنه آخر الرجل، وأما المناكب فهي الأكتاف». هذا بين المناكب والأعقاب. وبعض العلم يقول أن لفظة الأعقاب غير صحيح، وإنما الصحيح هذا بين المناكب والأعناق. طيب، قالوا: «أما ما يفعله بالعينين». انتهى بما يتعلق بالقدمين. قالوا: «أما ما يتعلق بالعينين، أن ما يتعلق بالعينين في عبادتهما في الصلاة». قال: «فالمشروع أن يكون نظره إلى موضع سجوده لأنه أعون له على الخشوع وعدم تفرق القلب». مسألة النظر إلى موضع السجود جاء فيها حديث ابن سيرين، مرسل، أن النبي عليه الصلاة والسلام لما نزل قوله جل وعلا: ﴿ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ ﴾ طأطأ رأسه، طأطأ النبي صلى الله عليه وسلم رأسه ونظر إلى موضع سجوده. وابن سيرين تابعي، فهذا الحديث مرسل، لكن ابن سيرين من الناس الذين يتحرون الرواية، يتحرون الرواية عن النبي عليه الصلاة والسلام، بمعنى ما يروي إلا عن ثقات. ولهذا كان ينكر ابن سيرين على الحسن وعلى أبي العالية وعلى غيرهم ممن يروي ولا يدري عن من، فكان يقول: «سلوا الحسن عن من أخذ هذا الحديث، سلوا أبا العالية». فكان يقول: عندنا أناس يروون عن من هب ودب، وذكر منهم الحسن وأبا العالية. فكان متحريا في الرواية، فلهذا ذكر العلماء أن مراسيل ابن سيرين قوية، أنا من المراسيل القوية مراسيل ابن سيرين. فلهذا أخذ به جمهور العلماء، فقالوا: يستحب النظر إلى موضع السجود، يستحب النظر إلى موضع السجود. وذكر البخاري رحمه الله: «باب النظر إلى أمام المصلي». ذكر البخاري في الصحيح: «باب نظر المصلي أمامه»، وذكر عدة أحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، منها حديث الكسوف. حديث الكسوف، لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «رأيت الجنة، فما رأيت شيئا شيئا أعظم منها»، قال: «حتى فتناولت عنقودا، فأردت أن أتناول عنقودا من عناقيد الجنة». وجاء في رواية قال: «فرأيت نبقها»، وهو في الصحيحين، نبقها أي ثمر السدر، قال: «فرأيت نبقها كقلال هجر»، الواحد من الدوم، هذا ثمر السدر، الواحدة منها كقلال هجر، القلة، قلال هجر تكون كبيرة، القلال هي ما يسمى عندنا قديما الزير أو يسمونه جحلة، وهذه قلال بعضها صغير وبعضها كبير، الجحلة هذه الصغيرة والزير هو الكبير. فهذه قلال كانت تفعل من الفخار أو الطين. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «نبقها كقلال هجر»، معناه كبير جدا. الوجه الشاهد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر إلى الجنة، معناه ينظر أمامه. واستدل بحديث قرابة العشر، لحديث في هذا الباب، على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينظر أمامه. أنا استدل أيضا بحديث الشيطان، لما جاءه قال: «جاءني الشيطان البارحة وأراد أن يقطع علي صلاتي»، قال: «حتى خنقته»، قال: «حتى وجدت برد لسانه على يدي». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فخنقته». جاء بشعلة يريد أن يحرق النبي صلى الله عليه وسلم، في حديث عبد الرحمن بن خنبش. لكن هنا قال عليه الصلاة والسلام: «جاءني ليقطع علي صلاتي، قال فخنقته حتى وجدت برد لسانه في يدي، قال ولولا دعوة أخي سليمان لجعلته سبيان المدينة يلعبون به». دعوة أخي سليمان: «ربي اجعل لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعد»، فسخر له الجن يخدمونه. فلهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا دعوة أخي سليمان». فالمهم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينظر أمامه. فاستدل البخاري بهذه الأحاديث على جواز نظر المصلي أمامه. لكن إذا كان هناك شيء يشغله في الأمام، مثل بعض المساجد تجد كل شيء موضوعون أمامه، الساعات كذا الأشياء، فالمصلي ينظر في الساعات، ينظر في كذا، فهذا يشغل المصلي، ولا ينبغي أن يكون أمام المصلي شيء يشغله. فالمهم أنه النظر في السجود يكون في موضع السجود، ولا بأس أن يكون أمامه. ثم قال: «كما شرع لأجل هذا المعنى أن يصلي الإنسان إلى سترة». شرع لأجل هذا المعنى أن يصلي الإنسان إلى سترة، شيء يشتره من الناس حتى لا ينظر في الذاهب والجاي، وكذا يصلي إلى سترة. وقد جاء عند ابن خزيمة، والحديث أصله في الصحيح المسلم، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تصل إلا إلى سترة، ولا تجعل أحدا يمر بين يديك». طيب، قال: «فإن في السترة فوائد عديدة، منها المقصد». قال: «واستثنى من هذا إذا كان في التشهد، في النظر في موضع السجود». واستثنى من هذا إذا كان في التشهد فإنه ينظر إلى سبابته عند الإشارة إلى التوحيد. معنى كلام المؤلف أنه في الركوع ينظر إلى موضع السجود، في القيام وفي الركوع ينظر إلى موضع السجود. لكن لم يثبت شيء في الركوع، لم يثبت شيء أنه ينظر في موضع السجود، لكن الظاهر جعله على العموم. وما جاء عن بعض السلف، وما جاء عن بعض السلف، ما أدري هو مفضل بن فضالة أو هو مطر الوراق، المهم جاء عن بعض السلف أنه كان يقول: إذا كان المصلي قائما ينظر في السجود، وإذا كان في ركوع ينظر إلى رجليه، وإذا كان في تشهد ينظر إلى أصبعه. وهذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، النظر إلى الرجلين. طيب، أما هذا فهو مختلف فيه أيضا، مسألة التشهد والنظر إلى الأصبع، جاء في حديث عبد الله بن الزبير من طريق محمد بن عجلان، وهو حسن، لكن زاد، معنى الحديث في صحيح مسلم وليس في هذه الزيادة، وحسنه الشيخ الألباني رحمة الله عليه، وذكره في الصفة. قال: «ويستثنى الأصحاب إذا كان مشاهدا للكعبة، فإنهم قالوا ينظر إليها». وهذا لم يثبت شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا صلى إلى الكعبة نظر إليها. قال: «والصحيح أنه لا يستحب في الصلاة نظر إلى الكعبة، وإن كان النظر إليها خارج الصلاة عبادة». معنى إذا كان في غير الصلاة ينظر إلى الكعبة ويكون عبادة له، لأنه في الصلاة يفوت الخشوع، خصوصا إذا كان المطاف مشغولا بالطائفين. طيب، يستثنى من ذلك أيضا صلاة الخوف، فإنه ينبغي أن يكون نظره إلى جهة عدوه الذي في قبلته، لكمال الاحتراز، وليجمع بين الصلاة والجهاد. فهذا حق. بل النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث الرجل إلى صفوف المشركين، فكان يصلي وينظر إلى الشعب حتى يطمئن على هذا الرجل. قال: «وكما أنه يستحب نظره إلى موضع سجوده، فيكره نظره في صلاة إلى كل ما يلهي قلبه ويشوشه». ولما نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخميصة التي فيها الأعلام، فلما انصرف قال: «خذوا هذه الخميصة إلى أبي جهم، وأتوني بإنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي». قالوا: لهذا كره العلماء أن يكون في قبلة المصل ما يلهي من زخرفة أو غيرها، يعني يكون في قبلة المصل. قال: «أو يكره أن يغمض عينيه أو يرفع نظره إلى السماء». فذكر ذلك أيضا الإمام ابن القيم، أن إغماض العينين لا يستحب بل يكره، إلا إذا كان الإنسان يريد أن يغض بصر حتى يخشع. وإلا الذي قال به أهل العلم وأثبتوه أنه ينظر إلى موضع السجود. قالوا: يكره العبد بشيء من الأعضاء. إذا طيب، هذا نتركه في الدرس اللاحق، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.