الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 781، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يوضح المقطع أن طواف الوداع واجب على الحاج فقط ولا يُشرع في العمرة، مستنداً إلى ترخيص النبي صلى الله عليه وسلم للحائض بتركه. ويبين أن طواف الوداع يجب أن يكون آخر عمل قبل مغادرة مكة، ولا يصح إذا طاف ثم أقام أو نام في مكة.
يشير المقطع إلى وجوب أداء طواف الوداع مباشرة قبل السفر، وعدم جواز تقديمه مع بقاء وقت طويل. كما يستعرض خلاف العلماء فيمن اعتمر ثم سافر إلى المدينة قبل الحج، حيث يرى الجمهور بطلان تلك العمرة ووجوب عمرة جديدة، مع استحباب طواف الوداع عند الذهاب والعودة.
يبيّن المقطع الأفضلية في أداء طواف الوداع قبل التوجه إلى المدينة ثم العودة للأمتعة، مع توضيح أن الحائض معفاة من طواف الوداع إذا أجزأ طواف الإفاضة. ويرجح شيخ الإسلام ابن تيمية جواز طواف الحائض للإفاضة في حال الضرورة كخوف فوات الرفقة.
إذا حاضت المرأة بعد طواف الإفاضة وقبل الرحيل، فلا يجب عليها طواف الوداع. لكن إذا طهرت وهي لا تزال في مكة، وجب عليها طواف الوداع ليكون آخر عهدها بالبيت.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الترمذي رحمه الله: «حتى تنابوا». عمار، أبو عمار، هو إمام من أئمة الدين، ظاهره، اسمه محمد بن عمر. قال: حدثنا عيسى بن يونس، عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، قال: عن عبيد الله، وهو ابن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت، إلا الحيض، ورخص لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم». قال أبو عيسى: حديث ابن عمر حديث حسن صحيح. قال أبو عبد الرحمن: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. ففي هذا الحديث مسائل، فمن تلك المسائل: فيه دليل على طواف الوداع. طواف الوداع هو: إذا أراد الإنسان أن يذهب من مكة ويخرج من مكة، يطوف طواف الوداع، ليكن آخر عهده بالبيت. آخر عهده بالبيت: أي أنه يكون آخر ما يكون في مكة أنه يطوف بالبيت. وهل هذا طواف الوداع في الحج والعمرة، أم أنه في الحج فقط؟ أما في الحج فهو واجب من واجبات الحج، واجب من واجبات الحج؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، وكذلك يدل عليه ترخيصه للحائض. رخص النبي صلى الله عليه وسلم للحائض عدم طواف الوداع، والترخيص إنما يكون من العزيمة. الترخيص إنما يكون من العزيمة، معناه: هذا الأمر أمر إلزام، فيرخص فيه؛ لأنه لو كان ليس بإلزام، لا داعي من الترخيص؛ لأن الرخص موجودة. فلهذا، في الترخيص يدل على الإلزام. وهذه المسألة: مسألة الطواف، هل للحج والعمرة، أم هو للحج؟ هذا الحديث يدل على أنه للحج: «من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت». وجاء في الصحيح: «أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون آخر عهدنا بالبيت». وفي حديث ابن عباس، ولم يذكر الحج والعمرة، لكن في هذا الحديث فيه أنه في الحج، فيحمل عليه. وهذا هو الصحيح: أن طواف الوداع إنما هو في الحج؛ لأن العمرة هي زيارة، فيكتفي بالطواف الذي هو طواف العمرة. وأما إذا حج، فيطوف طواف الوداع. يقول بعض المعاصرين: أنه يستحب لمن كان معتمرًا، من باب الاستحباب، من باب الدخول في اللفظ العام: «فليكن آخر عهده بالبيت». فقالوا: إنه يستحب في العمرة. وبعضهم أوجبه أيضًا في العمرة. لكن الصحيح أنه في الحج، ونص عليه هذا الحديث: «من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت». وهذا الطواف الوداع عند أكثر أهل العلم أنه يكون من آخر شيء، فما بقي إلا أن يرتحل. وأما إذا طاف طواف الوداع ثم نام في مكة، فهذا لا يحتسب أنه طواف وداع. أنا لا... بعض الناس مثلاً يقول: طواف الوداع يكون في المغرب، يطوف المغرب ثم يذهب وينام، والصباح يذهب. فهذا خطأ، إلا إذا كان الإنسان لا يدري متى يذهب، وعدوا مثلاً أنهم سيذهبون اليوم يوم الثلاثاء، فطاف بعضهم طواف الوداع، ولم يأتِ الباص إلا في الفجر اليوم الثاني يوم الأربعاء. فهذا إن شاء الله تعالى لا شيء عليه؛ لأنه قد تجهز للرحيل، ولم يؤخره إلا أتيان الباص، عن الباص الذي أخره. وإلا فهو قد تجهز للرحيل. وأما إذا كان يعرف أن الباص سيأتي مثلاً الظهر من اليوم الثاني، فيقوم ويطوف طواف الوداع في المغرب، ثم يذهب وينام ويجلس الصباح، فهذا خطأ. فإذا كان سيذهب، يكون آخر عهدي بالبيت: يعني يجهز أموره، ثم يطوف، ثم يأتي ويأخذ ثيابه ومتاعه ويذهب. فإذا كان يعلم مثلاً أن الباص سيذهب الساعة الحادية عشرة مثلاً في النهار، فيطوف مثلاً الصباح، طواف الصباح، حتى بقية الوقت يجهز نفسه للسفر. فليكن آخر عهده بالبيت. وإذا كان مثلاً يريد أن يذهب إلى المدينة ويرجع، هل يطوف طواف الوداع؟ في خلاف بين المعاصرين، منهم من يقول يطوف، ومنهم من يقول لا يطوف؛ لأنه سيرجع إلى مكة، والسفر واحد، السفر واحد. لكن لو طاف مثلاً مرتين، أفضل. لو طاف مثلاً عند ذهابه إلى المدينة واكتفى به؛ لأنه عندما يأتي إلى مكة مرة أخرى إنما يأتي زائرًا فقط، وليس حاجًا. فلهذا، الأفضل إذا كان سيرجع إلى مكة. وغالبًا إذا كان بعد الحج وذهب إلى المدينة لا يرجع، لكن بعضهم يذهب بعد الاعتمار، بعضهم يذهب بعد اعتمار الحج. وهذا أيضًا في خلاف بين أهل العلم. مع أن جمهور أهل العلم: فالشافعي يبطل هذه العمرة، وعليها أن يأتي بعمرة للحج أخرى. معناه: إذا جاء واعتمر وذهب إلى المدينة، فهذا عند الشافعي أنها تبطل هذه العمرة. وأيضًا كذلك عند أحمد: أنه يفسخها، يفسخ هذه العمرة ويأتي بعمرة أخرى؛ لأنه خرج خروجًا يعتبر سفرًا، والعمرة هذه تكون تابعة للحج. فلهذا قال العلماء: أنه لا يخرج خروجًا يعتبر سفرًا. إنما لا بأس أن يخرج إلى مكان قريب. فإن أراد أن يخرج إلى مكان في سفر معنى، أو يعد سفرًا، فالأفضل أن يأتي بعمرة أخرى، يأتي بعمرة أخرى، يجعل هذه عمرة... يجعل هذه عمرة تطوع. معناه: العمرة التي اعتمرها للحج يجعلها تطوعًا. فإذا جاء من ذلك المكان، مثلاً من المدينة أو من الرياض أو من غيرها من هذه الأماكن، يزور أهله، يزور أصحابه، فيجعل العمرة بعد مجيئه من تلك الأماكن. وأما كما قلنا: طواف الوداع، إذا كذلك إذا أراد أن يرجع إلى مكة، فالأولى له أن يطوف، ثم إن رجع فهو يرجع ليس حاجًا، وإنما زائرًا. ولا يجعل الطواف بعد الذهاب إلى المدينة. أنا بعضهم تجد أنه يذهب إلى المدينة ثم يرجع إلى مكة، يجعل مثلاً متاعه في مكة، ما يجد مكانًا يضع فيه المتاع، أو أن الباص الذي سيتحرك معه يكون في مكة، فيذهب بعد الحج إلى المدينة، ثم يرجع من المدينة إلى مكة. فهل هنا يطوف قبل الذهاب أم بعد الذهاب؟ الأفضل أنه يطوف، والأولى أنه يطوف قبل الذهاب، قبل أن يذهب إلى المدينة يطوف، ثم يذهب إلى المدينة؛ لأنه كما قلنا: مجيئه من المدينة، إن كان مثلاً يريد عمرة، فهي عمرة تطوع. وإن كان لا يريد يعتمر، وإنما يريد فقط أن يأخذ أمتعته ويذهب، أو يوافي هناك الباص الذي سيذهب إليه، فهذا يكون قد طاف طواف الوداع. وقال في الحديث: «ورخص لهن رسول الله... إلا الحيض». ورخص لهن رسول الله صلى الله عليه وسلم. النبي عليه الصلاة والسلام رخص للحائض أن تترك طواف الوداع. ولهذا لما حاضت بعض نساء النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أحابستنا هي؟» أنا تريد أن تحبسنا. فقالوا: لها إنها قد طافت طواف الحج. فقال: «فلتنفر إذن». معناه: إذا كان قد طافت طواف الحج، خلاص، لا تطوف طواف الوداع. معناه: أنها قد انتهى حجها. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «أحابستنا هي؟» معناه: إذا كانت لم تطف طواف الحج، فلابد أن تجلس حتى تطهر، ثم بعد ذلك تطوف طواف الحج. إذا طهرت، فلهذا فهي تحبس رفقتها، فهي تحبس رفقتها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «أحابستنا هي؟». وقد تكلمنا في مسألة الحائض إذا لم تطف طواف الوداع... طواف الإفاضة، طواف الحج. فجمهور أهل العلم أنه لابد أن تطوف، معناه الإجماع؛ لأنه لابد أن تطوف طواف الحج. لكن بعض أهل العلم قال، أو الجمهور يقولون: إذا لم تتمكن ورفقتها ستذهب، تذهب معهم، ثم تأتي عن قريب، أن تأتي العام القابل، معناه: الحج سنة ثانية، تأتي وتكمل حجها. وأما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، قال: إذا كانت لا تستطيع أن تأتي بهذا، ورفقتها ستذهب، عليها معناه: إذا كان ما تستطيع تطوف طواف الحج، ورفقتها ستذهب، وقد لا تتمكن أن تأتي، كما هو الوضع الآن. فلهذا قال: فيجوز لها أن تطوف، يجوز لها أن تطوف وهي حائض؛ لأنها تعتبر من الضرورة، لأنها تعتبر من الضرورة. والنبي عليه الصلاة والسلام منع الحائض أن تطوف بالبيت، غير أن لا تطوف بالبيت. لما حاضت عائشة رضي الله عنها، قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: «افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت». لكن هذه المرة الآن ستذهب رفقتها، وقد لا تتمكن من الرجوع. فقال شيخ الإسلام: مثل هذا الأولى أنها تطوف، وطوافها بإذن الله صحيح؛ لأنه ضرورة، لأنه ضرورة. فلهذا تطوف ثم تذهب. هذا في طواف الإفاضة. وعما طواف الوداع، فقد رخص لها النبي صلى الله عليه وسلم عن... إذا حاضت قبل الرحيل، وبعد أن طافت طواف الإفاضة، فليس عليها بعد ذلك طواف الوداع، إلا إذا طهرت. إذا طهرت وهي لا زالت في مكة لم تذهب، فإنها تطوف طواف الوداع ليكون آخر عهدها بالبيت. هذا خلاصة ما يذكر في هذا الحديث، والله تعالى أعلم.