المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 23

المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 23

الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 23، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

طلب بنو إسرائيل ملكًا ليقاتلوا معه جالوت

طلب بنو إسرائيل من نبيهم ملكًا ليحاربوا معه جالوت وجنوده، فكان الاختيار على طالوت. واختبر طالوت بني إسرائيل بنهر، فشرب الكثير منهم ولم يصمد إلا القليل.

انتصار بني إسرائيل على جالوت ودور داود عليه السلام

انضم داود عليه السلام لجيش طالوت وقتله لجالوت، مما أدى إلى انتصار بني إسرائيل. ثم بدأ عهد الملوك لبني إسرائيل الذي استمر بعد داود عليه السلام.

صفات داود عليه السلام وملكه

كان داود عليه السلام يحكم بالعدل، وآتاه الله قوة في العبادة والقتال، واستمر حكمه أربعين سنة. وكان قائما صائما، ويوصف بأنه النبي المحارب.

تسخير الحديد لداود عليه السلام وتقوية ملكه

ألان الله الحديد لداود عليه السلام ليصنع الدروع واللباس الحربي، مما جعل جيشه من أقوى الجيوش. وعلم الله داود صنعة اللبوس ليحصن جنوده من البأس.

التفريغ النصي الكامل

من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، إخواني في الله، قبل الشروع في الدرس، أحب أن أنبه على تنبيهين اثنين. التنبيه الأول: ما جاء ذكره في درس الظهر، ولا بأس بإعادته، نظرا لمن يأتي من أهل البلاد، أننا نبين لكم أن هذا الدرس يستمر حتى إلى يوم غد، إلى الجمعة، إلى نهاية الدورة، نظرا لقلة الأيام وطول المبحث، فإننا سنستغل هذه الليالي في استكمال ما نحن فيه، فإن شاء الله غدا، كذلكم الجمعة، سنستكمل درسنا. التنبيه الثاني، إخواني في الله، والإشارة إلى ظاهرة أصبحت تفشو، وهي ما تنبغي، وخاصة أن تصدر من طلبة العلم، وهو ما نراه من عجلة بعض الإخوة من طلاب هذا الدرس، أنهم يتعجلوا القيام، فيأتوا ها هنا، على حساب أنهم لا يأتون بالأذكار. قد نعم بعضهم يقول: أنا آتي بها في مجلس، هذا طبقيا، ركعتي السنة، ركعتي السنة. وهذه يلاحظ فيمن جلس ومكث بعد قيامه مباشرة من محله إلى هذا المحل. ونحن أهل سنة، والسنة ليست ادعاء، بل السنة حياة تظهر في أقوالنا، وفي أفعالنا، وفي مدى حرصنا على تطبيق السنة. وسنة المغرب من السنة التي حرص عليها نبينا، صلى الله عليه وسلم، وهي من النوافل، ومن الرواتب. جاء في عموم فضلها ما جاء في قوله، عليه الصلاة والسلام: «من صلى لله في اليوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير فريضة، بنى الله له بيتا في الجنة». فهذا فضل عظيم، وبإمكانك، يا عبد الله، أنك تجمع بين الأمرين، بعدما أن تصلي، تأتي بالأذكار، وتصلي الراتبة، ثم تأتي، والحمد لله، عندك متسع من الوقت. وأزيد على ذلكم أن هذا يقع أمام نظر، أمام العامة، فالعامي قد ينتقد هذا علينا، قل: أنظر لهؤلاء، أين هم من باب التعبد؟ أين هم من الصلاة والنوافل والتنفل؟ وهذا انتقاد في محله، نعم، انتقاد في محله، مع أننا لا نكترث بانتقاد النقاط، إلا إذا كان على حق وعلى صواب. وهذا من، فإن شاء الله، إخواني في الله، نحاول أن نكون من السباقين في مضمار الخير، على النوافل، على حلقات العلم، على ذكر الله، جل وعلا. فإن استطعت أن تجمع هذه الأمور جميعا، فاعلم أنك موفق. ومواصلة، إخواني في الله، عما كنا فيه في درس أمس، وما كان من خبر موت موسى، عليه السلام. وقد ذكر العلماء أن هارون قد مات قبل موسى بسنتين، هذا الذي رجحه ابن كثير، رحمه الله، على أن هارون مات قبل موسى بسنتين، وكلاهما قد مات في التيه، في التيه، أي في هذه الصحراء، في صحراء سيناء. ثم إن موسى طلب، طلبا أن يدفن، وتأتيه منيته بالقرب ببيت المقدس، فكان الأمر كما أراد. وأشرنا بعد ذلكم أن الأمور آلت إلى يوشع بن نون، عليه السلام، فأخذ بهذه الأمة الإسرائيلية، بعد مرور أربعين سنة، وانتهاء المدة، أن ذهب بهم إلى بيت المقدس، فتمت المعارك، ودارت رحاها، حتى جاءت تلكم المعركة الحاسمة. قيل: وأكثر الروايات على أن ذلك يوم الجمعة، كادت الشمس أن تغرب، فدع يوشع ربه أن يحبسها، فحبست، فاستطاع بعد ذلك أن يظفر بالأعداء، فانتصر، فدخل إلى بيت المقدس. وكان هذا هو الدخول الثاني. كان هذا الدخول الأول، أعني. وبعد ذلك قام يوشع، عليه السلام، بتفريق القضاء ممن عنده علم بالتوراة، فرقهم هاهنا وهاهنا. وأشرنا إلى تلك الحكاية، أو تلك الواقعة، التي ذكرها الله في كتابه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾. وذلك عندما أراد يوشع أن جيشه، وبني إسرائيل يدخلون، أراد منهم أن يظهروا الذل والخضوع والخشوع لله، جل في علاه، فانصاعوا إلا طائفة أبوا وبدلوا وغيروا في الأقوال والأفعال، فأنزل الله عليهم رجزا، فأنزلنا على الذين ظلموا منهم رجسا من السماء. ثم بعد ذلك، كما قلنا، وزع يوشع بن نون القضاء، وكان هذا في تاريخ العلماء والمؤرخين، يسمى بزمن القضاء، بزمن القضاء. ثم بعد ذلك، بعد وفاة يوشع بن نون، عليه السلام، سارت الأمور على خير حال، لكن بعد مئة سنة من موته، أصبحت الخلافات تدب بين بني إسرائيل، وبين عشائرهم، لا اختلاف ديني، وإنما اختلاف دنيوي. فبينما كذلكم، أرسل الله عليهم عدوة، وهم الكنعانيون، تحت قيادة جالوت، فاستطاع أن يأخذ بيت المقدس منهم، وأن يجليهم، بعدما أن أسر الأبناء، وأخذ التابوت، واستولى على الأراضي، فتشرد بنو إسرائيل، خاص في جهة الأردن، وجلسوا فترة يعانون الذل والهوان، إلى أن طمعوا في إرجاع نفوذهم وقوتهم، واسترجاع بيت المقدس، بيت المقدس، وهو الأصل، وهو الذي كتب الله لهم أن تكون لهم. فذهبوا إلى نبيهم، وقلنا في كتب الإسرائيلية: اسمه شمويل. وقد ذهب إلى هذا جماعا من أهل العمل، طلبوا منه أن يأتي لهم بنبي، أو يأتي إليهم بملك، بملك عنده من القوة والحنكة، ما يقود بزمام الأمور، فنتحرك معه في استرجاع بيت المقدس. فكان الاختيار على طالوت، على طالوت. فأبوا في بداية أمرهم، بحجة أنه لا مال ولا سلالة. ثم أخبرهم بأن الله قد فضله عليكم بصفتين: العلم، عالم بالتوراة وبالشريعة، وبالجسم، وعنده كذلك بسطة في الجسم. ثم بعد ذلك أرسل الله لهم آية التابوت، الذي أخذ منهم، فسيأتيكم كيف يأتينا؟ يأتيكم عن طريق الملائكة، تحمله الملائكة بين السماء والأرض. والقصد من هذا التابوت: التأكيد على حقية طالوت بالملك. حينها انصاع الجميع، فحرك طالوت، عليه السلام، هذه الجيوش، فتحرك. ولما فصل بهم، وهم في الطريق، مع أفراد الجيش، شعروا بالضمأ، شعروا بالضمأ. وهنا ناسب أن يختبرهم طالوت، قال: «إن الله مبتليكم بنهر، نهر سيأتيكم، فمن شرب منه، فليس مني، هذا يخرج، لا يبقى معي، شربت، تخرج، ومن لم يطعمه، فإنه مني، هذا يبقى في جيشي، إلا من اغترف غرفة بيده، هذا مسامح، من لم يستطع إلا أن يأخذ غرفة بيده، لا بأس، مراعاة للمشقة التي عانوها». لكن الأكمل والأفضل: الذي ما طعم من هذا الماء شربة قطرة. وهذا النهر، قال العلماء: وهو نهر بين فلسطين والأردن. فلما وصلوا، سقطوا في هذا الابتلاء، إذ أن الكثير منهم شربوا، الكثير منهم شربوا، فشربوا منه، إلا قليلا منهم، القليل، القليل فقط، الذين صبروا وصمدوا أمام هذا البلاء. وأما الغالب، الأكثر من الجيش، ما صمد، فأرجعهم طالوت: «لا حاجة لي بكم، ارجعوا». فأرجعهم. فلما جاوزه، جاوزوا النهر، وجاوزوا هذا الابتلاء. والذين معه، قالوا: «لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده». رأى بعضهم إلى بعض، فإذا بهم قلة أمام جيش عرمرم، أشداء أقوياء. كم عدة جيش طالوت الذي بقي معه؟ يذكر المؤرخون أن أول ما تم النداء بالقتال والجهاد، كان بنو إسرائيل ثمانين ألفا: «سنقاتل، وأخرجن من ديارنا وأبنائنا». قال نبيهم: «هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا؟ أنتم في عافية». قالوا: «سنقاتل». فجمعوا من جمعوا، إلى أن جاء الأمر بالقتال. لما جاء الأمر بالقتال، تولوا، تناقص العدد، فتحرك طالوت بالبقية. فلما جاء إلى النهر، سقط منه من سقط، فتناقصوا، فبقي البقية الباقية. كم الباقي؟ ثلاثمائة شخص، من الآلاف المؤلفة، لم يبق مع طالوت إلا ثلاثمائة فارس. وهذا قد جاء في البخاري، من حديث البراء بن عازب، رضي الله تعالى عنه، قال: «قال: كنا نتحدث، كنا نتحدث أن عدة أهل بدر، هم عدة طالوت ومن معه». والحديث في البخاري. وكم كانت عدة الصحابة في بدر؟ ثلاثمائة وثلاثة عشر شخصا، في بدر، نبينا مع الصحابة، ثلاثمائة وثلاثة عشر شخصا، هذا عددهم. فقال البراء: «كنا نتحدث أن عدة أهل بدر، هم بنفس عدة طالوت ومن معه، ثلاثمائة». فتخيل من تلكم الآلاف المؤلفة، تناقصوا لهذا. قالوا هذه العبارة: «لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده». ما عندنا قدرة، ما عندنا ما نستطيع. فكان من قول أهل الإيمان والثبات: «قالوا كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين». أليس العبرة بالعدد، ولا بالعدة، ولا بالعتاد؟ وإن الأمر من عند الله، لأن النصر بيده، يعطيه من يشاء، جل في علاه. فصبروا وصمدوا، وحينها بدأ القتال، بدأ القتال. وعندما التقى الصفان: صف طالوت، أهل الإيمان، مع صف جالوت، أهل الكفر والشقاق والعناد. طالب جالوت بالمبارزة: من يبارز؟ وكان جالوت جالوت قوية الشكيمة، ذا بأس. من يقاتل؟ من يبارز؟ حينها انبرى شخص، وهذا الشخص، وهذا الشخص، كما يذكر عنه في ترجمته: كان راعي غنم، من بني إسرائيل، انضم هو مع إخوته، مع إخوانه في جيش طالوت، عندما فتح الانضمام إلى هذا الجيش، فانضم هذا الرجل مع إخوانه. وكان راعي غنم، لا يعرف، وكان صغير السن، شابا، شابا. فلما التقى الصفان، ونادى جالوت بالمبارزة، هذا الشاب انبرى، استأذن من طالوت: «ائذن لي أن أقتل هذا». إلا أن طالوت ما سمح لصغر سنه، هذا الشاب، وأنه كان لا تقدر عليه، فرده. إلى أن هذا الرجل الشاب امتنع: «ائذن لي، سوى قاتله». فلا يزال يلح على طالوت أن يأذن له، فأذن له طالوت: «تريد هذا؟ فلك، اخرج وقاتل معي». وروايات في كتب التفاسير تذكر: على أن طالوت، من باب التجيع لهذا الغلام، وعده: «إنك إذا انتصرت على جالوت، وقدرت عليه، ساجعلك على الجيش، وأزوجك بنتي». لأن هذا الرجل وصوله إلى هذه المرحلة، دلال على قوة إيمانه، جاهد وتجاوز النهر، وهو يفدي بنفسه، قوة إيمانه، هو كفيل: «أزوجك بنتي، وعلى هذه الشجاعة، سأليك على الجيش». من هذا الغلام؟ هو داود، هو داود، عليه السلام. وهذا كان قبل نبوته، قبل نبوته. خرج داود إلى المبارزة، طبعا جالوت خرج، وكان يتضاحك على داود لصغره. ويذكر العلماء: على أن قوة داود، عليه السلام، كان في مقلاعه، عنده مقلاع يرمي به، وكان راميا حاذقا قويا، يصيب الهدف. يذكرون في التفاصيل: كانوا معه حجارة خمسة حجارة. فبدأ عليه السلام بوضع الحجر في مقلاعه، وإذ به يرمي به رمية قوية خاطفة شديدة في مقتل، فقتل بها جالوت، وقتل. وقتل داود جالوت، قتله. هنا قام جيش جالوت وتضعضع، فاحتدم القتال، وكان على إثر مقتل جالوت ضعف الجيش، فانهزم الجيش، وانتصر طالوت في هذه الغزوة، وفتحت قصور بيت المقدس، ودخل بنو إسرائيل المرة الثانية إلى بيت المقدس، لكن هذه المرة دخلوها، وهم ماذا؟ وهم ملوك، ملوك. وهذا الذي يؤرخ له في تاريخ بني إسرائيل، بتاريخ الملوك. مر معنا تاريخ القضاء، واستمر مئة عام بعد يوشع بن نون، عليه السلام. وهذا العهد، عهد طالوت، لما دخل بيت المقدس، دخل على هيئة ملوك، فطالوت كان أول ملك لبني إسرائيل. وهذه الفترة، فترة الملوك، أو عهد الملوك عند بني إسرائيل، استمرت بعد ذلك أربعمائة سنة، أربعمائة سنة. ستأتي معنا الأحداث. وكانت هذه الفترة من أزهى، ومن أفضل تاريخ بني إسرائيل، أفضل تاريخ لهم على الأرض. هذه الفترة، ظهرت القوة والفتوحات والانتصارات، لأنهم كان هم أهل التوحيد، انتبه: هم كان هم أهل التوحيد، وهم أهل الأنبياء والنبوة، تتنزل فيهم. وأما بقية الأرض، كانوا على الكفر والشرك والأصنام والأنداد والأوثان. فالشاهد أن عهد الملوك كان على يد طالوت، دخل وأدخل بني إسرائيل إلى بيت المقدس، واستقر الأمر فترة من الزمن. هنا استمر هذا الحال إلى أن ظهر لنا اسم داود، عليه السلام، ظهر لنا اسم داود، عليه السلام، بعد أن مات طالوت، وهو أول ملك، وبه ظهرت قوة بني إسرائيل. مات، خلفه بعده داود، عليه السلام. الآن، إخواني في الله، سننتقل إلى سيرة هذا النبي. وكما قلنا: هي عبارة سلسلة أنبياء، لكن مرتبة تاريخ بعد تاريخ، نحاول أن نربط الأحداث بعدها مع بعض. داود، عليه السلام، من أنبياء بني إسرائيل، نبي جليل، جاء ذكره في القرآن، عدة الآيات التي جاء فيها ذكر داود، عليه السلام، ستة عشر آية، أي تكرر اسمه ستة عشر مرة في كتاب الله. داود، طبعا، جاءت في أوصافه: أنه من نسل بنيامين، وأنه كان أزرق العينين. ومر معنى أنه كان راعي غنم في بداية أمره، إلى أن أوحى الله إليه، فأصبح نبيا. داود، عليه السلام، يعتبر من خيرة أنبياء بني إسرائيل، كلهم خيار، كلهم خيار، لكنه تميز. وداود: آتيناه فضلا، فضل، فضله ربه. ما هي فضائل داود، عليه السلام؟ داود، عليه السلام، فضله ربنا عز وجل بأشياء كثيرة، منها: أن الله عز وجل جمع له بين الملك والنبوة. ولهذا يعتبر داود، عليه السلام، أول نبي، أول نبي جمع الله له بين هاتين الصفتين: النبوة والملك. لأن من مضى، إما ملك لا نبوة، وإما نبي لا ملك، إلا داود، أول ما ظهر، ظهر أن جمع الله له بين. ولهذا، لهذا، قاله ربنا عز وجل: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾. حكمة النبوة، الملك آل إليه بعد موت طالوت، والحكمة، أي النبوة، آلت إليه بعد موت شمويل، وهو نبيهم. فحاز من هذا، وحاز من هذا، فكان ملكا، وكان نبيا، عليه السلام. وأيضا مما يذكر من مميزاته، داود، عليه السلام: أن الله علمه فصل الخطاب، وآتيناه فصل الخطاب. هذا من مميزاته. واختلف العلماء في فصل الخطاب، قيل: أوتي فهما ثاقبا. وقيل: أنه كان بليغا، لدرجة أنه يأتي بالكلام القليل الذي يفيد المعنى الكثير. وجعل مجاهد، رحمه الله تعالى، فصل الخطاب: هو فصل الكلام والحكم، فصل الكلام والحكم. فصل الكلام: أي أن كلامه هو الكلام الذي لا كلام بعده، لفصاحته وبيانه. وفصل الحكم: كان يحكم ويقضي بالعدل وبالقصط: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾. فكان يحكم بالعدل، فهذا هو فصل الخطاب. وإن كان اشتهر عند بعض المفسرين: أن فصل الخطاب: أنه الذي أول من أتى بعبارة «أما بعد». يذكر هذا بعضهم: أن أول من أتى بعبارة «أما بعد». وداود، عليه السلام، فإن صح هذا، فيدخل ذلك في فصل الخطاب، لأنه كما قلنا: كان يأتي بالألفاظ القليلة التي تحمل المعاني الكثيرة. وأيضا مما آتاه الله عز وجل لداود، عليه السلام: أن الله سبحانه وتعالى سخر له الجبال: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ﴾. فكانت الجبال معه. سيأتي معنى أنها كانت تردد ما يذكره، ما ذكر شيئا، تردده الجبال معه. وأيضا كان مما أوتي: أن الله أنزل عليه الكتاب المقدس، وهو الزبور، أنزل الله عليه كتابا مقدسا، الزبور. وأيضا مما تميز به داود، كما سيأتي معنى: أن الله ألان له الحديد. ومما تميز به كذلك داود، عليه السلام: أن الله حشر له الطير، جمع له الطيور من كل حدب وصوب، والطير محشورة كل له أواب، لمن داود، عليه السلام. فهذه، إخواني في الله، كذلكم مما أعطي لداود. ما كان من قوة العبادة والتعبد، هذه المميزات بعضها سيأتي معنا الآن. إذا يسأل الله في الوقت، قبل الشروع في تفاصيل هذه المميزات، أو في بعضها، مسألة: متى آل الحكم لداود، عليه السلام؟ قلنا: الملك كان لطالوت، هو أول ملك لبني إسرائيل، ثم آل الملك من طالوت إلى داود. بقي: ما هي المدة؟ ما عندنا كمصدر إسلامي ما عندنا التحديد. لكن في السنة، جاءت لنا مسألة في بيان لعمر داود: كم عاش؟ وهذا سيفيدنا فيما سيأتي معنا. كم عاش داود؟ عاش داود في قصة وقعت لآدم، عليه السلام. ولعلها قد ذكرناها في الدورة الأولى، عندما تكلمنا حول آدم، عليه السلام: أن الله عز وجل لما أخرج ذرية ذرية آدم من ظهره، فنثرت الذرية أمامه، كل ذرية نثرت أمام آدم، عليه السلام. فقال آدم: «يا رب، ما هذا؟» قال: «هذه ذريتك يا آدم». فبينما كان آدم ينظر إلى ذريته، إذ به شد انتباهه شخص له وبيض ونور بين عينيه. فقال آدم: «يا رب، من هذا؟» فقال الله: «هذا داود من ذريتك، يكون في آخر الزمان». فقال آدم: «يا رب، كم عمره؟ كم؟» قال: «ستون سنة، عمره ستون سنة». فقال آدم: «يا رب، فاعطه أربعين سنة من عمري». يعطيه أربعين سنة من عمري. إذن كم سيكون عمر داود؟ عمره ستون سنة، فقام آدم وأعطاه أربعين سنة، كم سيكون عمره؟ مئة سنة. طيب، مئة سنة، هذا ستكون لداود، عليه السلام. طبعا هذا الحديث صحيح، الشيخ الألباني، رحمه الله والتعالى. والشاهد من هذا، إذن: عمر داود مئة سنة. نرجع الآن الروايات الإسرائيلية، الروايات الإسرائيلية تؤكد: أن حكم حكم داود في بني إسرائيل، وملكه استمر أربعين سنة، ملك، انتبه: ليست حياة، ملك داود، عليه السلام، في بني إسرائيل استمر أربعين سنة. الآن اربطوا، يا من تربط: إذا قلنا أن عمر داود مئة سنة، هذا حسب الشريعة الإسلامية، بما صح به الأثر، مئة سنة. وروايات الإسرائيلية شبه مجمعة على أن داود، إن حكمه استمر أربعين سنة. إذن متى وصل للحكم؟ عمره كم؟ ستين سنة، عمره ستين سنة، وصل إلى الحكم. هذه الفترة، وبهذا نعلم: أنت لا تظن عندما تقرأ قصة غلبة داود على جالوت: أن داود مباشرة مسك الحكم، لا، لأن في هذه الفترة قد قلنا لكم: على أن داود لما خرج مع طالوت في هذه المعركة، كان شابا، الروايات تقدر داود، عليه السلام، في ذاك السن: ما بين سبعة عشر إلى عشرين سنة فقط، هذا سنه. طيب، إذا قلنا أنه عشرين، حتى نبعد الكسور، عشرين سنة، كان هذا عمر داود لما خرج مع طالوت، وقتل جالوت، عشرون سنة. والآن أثبتنا على أنه مسك الحكم في عمر ستين، إذن كم جلس بلا حكم؟ أربعين سنة، ما فعل شيئا، وإنما كان قائد جيش، قائد جيش من القوات، لأن طالت وعده. إذن بقي داود، عليه السلام، فترة من الزمن، إلى أن آلت إليه الملك، وأصبح ملكا على بني إسرائيل. فهذا، إخواني في الله، من بدايات ما نبدأ به، بماذا؟ بحياة داود، عليه السلام. داود، جاء في وصفه في كتاب الله، جل وعلا: أنه ذا الأيد: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾. ذا الأيد: بمعنى ذا القوة، ذا القوة. وقوة داود، عليه السلام، من عدة نواحي، كان قويا في ماذا؟ من قوة داود، عليه السلام: أنه كان قويا في باب العبادة والتعبد، كان عابدا متعبدا. وتأمل ما جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الصيام إلى الله صيام من داود، أحب الصيام إلى الله صيام داود». وكيف كان يصوم؟ كان يصوم يوما ويفطر يوما، تعبد لله، يوم يصوم، يوم يفطر. وعلى هكذا حياته تعبد لله. «وأحب الصلاة إلى الله صلاة من صلاة داود، كان يقوم من الليل». وقد كما ذكر نبينا، عليه الصلاة والسلام: «أنه كان ينام نصف الليل، ثم يقوم ثلثه، وينام سدسه». فهذا من نبينا، عليه الصلاة والسلام، خرج مخرج ماذا؟ مخرج المدح: «أحب الصلاة صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود». فكان قائما صائما، عليه السلام، فكان ذا عبادة، وكان متعبدا. لهذا أمر الله عز وجل بالاقتداء به، والاعتساء به: ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الْأَيْدِ﴾. يقتدي بهذا الرجل العابد الزاهد الصائم القائم. إذن هذا من صور قوة داود: القوة الإيمانية في عبادته وتعبده. وأيضا كان داود قويا في باب القتال والجهاد، وجاء ذلك في عدة اعتبارات، منها ما جاء في السنة النبوية: أن النبي، صلى الله عليه وسلم، عدد من مناقب داود: أنه كان يثبت عند اللقاء، هذه شيمة ما يعرف القهقرة، ما يعرف الرجوع، ما يعرف الاستسلام، ما يعرف إلا القدوم والإقدام. حتى قيل: أنه كان يخرج لوحده، لربما سابق الجيش، مع أن الأصل أن القائد، للحفاظ عليه، وبقائه، بقاء للجيش، يكون في المؤخرة، عليه الحراسات، لكن إلا داود، كان يسارع الجيش، يمشي لوحده، مقداما، عليه السلام، كما قال نبيه. «وكان يثبت عند اللقاء». ومما يؤيد كذلك ما عليه من قوة: ما جاء في وصف ربنا لداود: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. وشددنا ملكه، أي ملكه كان شديدا. قيل: من شدة الملك: أنه دام أربعين سنة، على الروايات الكثيرة، والذي عليها العلماء، حتى من المسلمين، دام ملكه أربعين سنة، ليس سنوات قليلة، بل عمر. وكان يوصف، عليه السلام، بأنه النبي المحارب، ما كان يهدأ، ما كان يهدأ، بل دائما كان في غزو، دائما كان في غزو. ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. من صور الملك الذي آتاه الله عز وجل لداود، عليه السلام: أن الكفار من أعداء الدين، كانوا يرهبونه، ويرتعبونه عند ذكر اسمه، إذا قيل للكفار: بأن داود يعد العد لقتالكم، خافوا من قوة الملك، الصول والجولة التي أعطاها الله لداود. من شدة ملكه، ما كان من خاصة الناس الذين كان بجنبه. وانظر إلى ما قاله المفسرون في عند هذه الآية: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾. عن عدد حراسه، أقل أقل ما قيل، وأعداد كثيرة مهولة في حراسه، أقل ما قيل في عدد الحراس: أربعة آلاف حارس، كلهم انتدبوا على حمايته، بالروح والدم، حبا فيه، من شدة ملكه. وأيضا من شدة ملكه: تلكم الآية التي هي من أعظم مميزاته، وهي: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾. إذ أن وشددنا ملكه: أن الله عز وجل، من تشديد الملك، إخواني في الله: أن الله عز وجل أعطاه قوة عدد في الجيش، بل وقوة تسلح، قوة تسلح. فكان لداود جيشا مسلحا لا نظير له، حتى قيل: منذ أن خلق الله آدم، عليه السلام، إلى زمن داود، ما وجد جيش مسلح كجيش داود، جيش مسلح. منذ أن خلق الله آدم، ما وجد مثل هذا الجيش. من أين هذه القوة؟ من هذه الآية: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾. ألن له الحديد، آية من آيات لا لنبي الله داود. ألن الحديد، وهي المادة الصلبة الصماء الفلاذ، التي تحتاج إلى ماذا؟ تحتاج إلى صهر، إلى نار نار عظيمة، حتى يلين، وعسى أن يلين الحديد، ثم بالمطارق، بالمطارق، حتى يتكيف في تشكيله. أما داود، فكما قال العلماء: يؤت له بزبر الحديد، قطع الحديد، فإذا وضع يده على الحديد، أصبح عجين الحديد، يكون كالعجين في يده. أتدري ما العجين؟ من دخل إلى مطبخ، أو من رأى إلى أمه، أو أحد أهله، كيف العجين؟ هكذا يتمطط، ويشكلون دائري ومربع، هكذا كان الحديد في يد داود، عليه السلام. وهذا أفاده فوائد، منها: التشكيل، يشكل كيف شاء، على أي هيئة، على أي صورة، على أي طول، على أي حجم، ما يحتاج إلى مطارق، ولا إلى أحد، بيده كافية. وأيضا أعانه ذلك على ما بعل السرعة، سرعة في التنفيذ، الدرع الواحد، الذي يحتاج إلى فترة طويلة، حتى يعد في المصانع، وفي الحوانيت، عند داود، ما هي إلا دقائق معدودة، في يده. يأتي إلى الحديد، كما سيأتي معنا في قصة عيسى، عليه السلام: أن الله يجعل له ماذا؟ أعطاه آية في الطين، يشكلها كالطير، كيف شاء. وهكذا داود مع الحديد، يشكله. يأتي بالثاني حديد، يشكل معها. سبحان الله، آية. ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾. وقد علمه ربنا عز وجل كيف يصنع الدروع، وألبسة الحروب، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحَصِّنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾. لتحصنكم، أي داود، لنحصنكم، الضمير لله، لتحصنكم، أي الألبسة. ومما علم الله عز وجل داود في صنعة اللبوس: أن الله عز وجل قال: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. قال المفسرون: معنى ذلكم: أي أنك يا داود، إذا صنعت الدروع للحروب، اجعلها واسعة، اجعلها واسعة، تغطي الناس، البشرية، لصعوبة الحديد، لصعوبة التصنيع والتسليح، وخاصة أن الجيوش أعداد أفرادها بالآلاف، يتحبون، لكن أنت يا داود، ما تحتاج إلى تعب، واسع، اجعلها سابغة، تغطي الجند من كل جوانبه، ما يحتاج إلى أن يكون أنك منفذ لإصابته، واسع. ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾. أي يجعلها دروع سابغة. ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. اختلفت علماء في هذه الآية على أقوال، أذكر من أشهرها: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. أي أن هذه الدروع التي ستكون فضفاضة، وحامية للجندي والعسكري، لا تجعلها قد درها، اجعلها وسط، لا تجعلها سميكة، درع سميك، يكون ثقيل على المقاتل، ولا تجعل هذا الدرع السابق رقيق، بحيث أن السهم يخترقه، لا يجعله وسط، وسط، بحيث أن تكون خفيفة على المقاتل، وكذلك حامية لهم من السهام والرمال والطعونات. قيل هذا، وقيل معنى آخر: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾. أي الحلق، الحلق الموجودة في الدرع، هذا لا تجعلها درع ماذا؟ حلق كبيرة، فتثقل سماكة فوق حجم الدرع، ولا تجعلها رقيقة، فتنفذ، ولا تصمد أمام الرماح. الشاهد أن الله عز وجل علم داود صنعة لبوس الحروب، فتخيل أن عندك جيش يقوده داود، عليه السلام، بهذا الاعتبار، كيف سيكون؟ ولهذا، كما ذكرنا، كما يقول العلماء: ما وجد جيش مسلح منذ أن خلق الله آدم، كهذا الجيش. استطاع استطاع داود، عليه السلام، أن يأتي بكل أنواع عتاد والعدة والصناعة، في الرأس، وفي اليد، وفي الرجل، بكل ما شاء، ما أي شيء يخترح، ما هناك شيء عيقه، فقط يتوني بالحديد، ويشكل، خذوه لبعده، يشكل، ولي بعده. ولهذا خرج، ولهذا كانت جيوش من أقوى الجيوش في زمن بني إسرائيل، ما يستطيع أحد على مقاومتها. ولهذا، كما أشرنا، كانت الملوك تهاب داود، عليه السلام، إذا سمعت بماذا؟ بجيشه، وبقربه. هذا ما يتعلق بداود، عليه السلام. أيضا مما يتعلق بداود: ما كان من قراءته، ومن صلاته. أشرنا إلى أن داود، عليه السلام، كان ذا عبادة، ولم يكن عبادته لنفسه، بل لعظيم صلاته وعبادته: أنه أثر على غيره، أثر على غيره، من الجمادات، وأثر على غيره من الحيوانات. الجمادات: الجبال، الجبال: ﴿إِنَّا سَخَّر