المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 22

المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 22

الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 22، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فترة التيه ووفاة موسى ويوشع

يتحدث عن الأحداث في فترة التيه، ووفاة موسى وهارون، وانتقال القيادة ليوشع بن نون. يشرح تفاصيل هذه الفترة والتحولات التي حدثت فيها.

فتح بيت المقدس ومعجزة الشمس

يروي قصة فتح بيت المقدس على يد يوشع بن نون ومعجزة حبس الشمس، ثم توزيع الأرض على بني إسرائيل وأحداث دخولهم للقرية.

عهد القضاء والاختلاف

يشرح عهد القضاء بعد وفاة يوشع، واختلاف بني إسرائيل الذي أدى إلى ضعفهم وتمكن الكنعانيين منهم.

اختيار طالوت ملكًا

يتناول طلب بني إسرائيل ملكًا لمقاتلة الكنعانيين واختيار طالوت رغم اعتراضهم، وتبرير نبيهم لاختياره.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، ولازلنا في أحداث موسى عليه السلام، ما كان من مسألة دخولهم، أي بني إسرائيل، في التيه، وأشرنا إلى هذه المسألة، وهي في الحقيقة عقوبة من الله جل وعلا لما رأى من بني إسرائيل. نقول عن الدخول إلى بيت المقدس، فحرم الله عليهم بيت المقدس، وضرب عليهم التيه في صحراء سيناء، ما يخرجون منها أربعين سنة. ومن ثم تتابعت الأحداث وهم في هذا المكان، من ذلك ما أشرنا من استقرارهم بعد أن اطمأنوا إلى أرض من أراضيها، فأصبحوا يحرثون فيها من بقلها وثومها وبصلها وعدسها إلى آخر ذلكم، وما يتبع ذلكم من المهن والحرف حتى استقرت الأوضاع. وهكذا ما مضى معنا من مسألة قتيل بني إسرائيل، وما كان من مسألة موسى مع الخضر، وهكذا أحداث ذكرها العلماء أنها وقعت في فترة التيه. ومن الأحداث التي وقعت كذلكم ما كان من موت هارون عليه السلام، فإن هارون توفاه الله جل وعلا في هذه الفترة، جاءته المنية في فترة التيه. وكما قال العلماء على القول الصحيح أن موته كان قبل موسى. ثم نذكر كذلكم مسألة من المسائل المهمة التي وقعت في التيه، وهي في أمر ذلكم الرجل الذي أتى إلى موسى عليه السلام، سأله موسى عليه السلام عن طلبه، فقاله هذا الرجل: جئت لكي أقبض روحك. وكان هذا الرجل هو ملك الموت، إلا أن موسى عليه السلام مات مالك نفسه، فرفع يده فلطمه حتى فقأ عينه. وكان موسى عليه السلام قويا شديدا قويًا، ففقأ عين ملك الموت. البشرية لماذا فعل ذلكم موسى عليه السلام؟ طبعًا الخبر مفاجئ، وخاصة أن ملك الموت جاء على صورة بشر، لم يأت على صورة ملك. لو أنه جاء على صورة ملك ما استطاع موسى أن يفقأ عينه، ما استطاع. لكن لما كان على صورة بشر استطاع. والأمر الآخر أن موسى عليه السلام ليس من الذين لا يقنون بالموت، حاشا وكلا، بل هو موقن بوعد ربه. لكن كان موسى يؤمل، يؤمل الآمال، وقد كان يبشر بنفسه بني إسرائيل بهذه المبشرات عن الدخول إلى بيت المقدس، عن صيرورة بني إسرائيل إلى أمراء وملوك، وأن الأرض ستكون لنا. فكان موسى يرى أنه سيرى شيئًا من هذا النصر، الظفر، وكون يأتيه الموت الآن في التيه، وما رأى شيء، ما استوعب هذا عليه السلام. ولهذا كان من ردة فعل أن لطم ملك الموت. حينها ذهب ملك الموت ورجع إلى الله جل وعلا قائلا: يا رب، إنك أرسلتني إلى رجل لا يريد الموت. فأمر الله عز وجل ملك الموت بعدما أعاد عينه أن يرجع إليه ويخبره بأن الله يخيرك بأن تضع يدك على متن الثور، وأن لك بكل شعرة تحت يدك سنة تعيشها. يعني لو أنت ستحسب هذا، يعني كم عسى أن اليد ستقع على الشعر كثير، لا تعد ولا تحصى في هذه المسافة، فاجعل كل شعرة سنة، مئات أو آلاف السنين. فرجع ملك الموت إلى موسى وأخبره بخبر الله، وأن الله يخيرك بهذا، تريد الحياة، ضع يدك على ظهر متن ثور، فلك على كل شعرة سنة. فقال موسى عليه السلام: وماذا بعد ذلك؟ قال له ملك الموت: الموت، الموت، ما هناك مفر. فلما علم موسى عليه السلام بهذا، قال: فالآن، فالآن، إذا كان الموت سيأتي، فالآن، لعلمه عليه السلام أن ما عند الله خير وأبقى، خير وأبقى. فموسى عليه السلام قبضت روحه في فترة التيه، لكن طلب طلبًا من ربه، وهو على أنه يقبض، ليس في هذا المكان، قبضه لا يكون هاهنا، وإنما يكون هنالك، أنه يدفن بالقرب من بيت المقدس، هذا كان طلبه، رمية حجر. يعني يقول علماء: إن موسى لم يطلب أن يكون داخل بيت المقدس، وإنما بمسافة. علل جماعة من أهل العلم لأن موسى يعلم بأن الله قد حرم بيت المقدس على هذا الجيل، فإنها محرمة عليهم، أي هذا الجيل، ويشمل موسى، لهذا لا هارون ولا غير، ما أحد ظفر ببيت المقدس، ما أحد ظفر. فقال: وكذلك موسى يعلم بهذا، ولهذا رضي بالدون، قرب بيت المقدس، وفيته هناك رمية حجر. فكان لموسى ما أراد عليه السلام، فأخذت الملائكة موسى عليه السلام إلى ذلك المحل بالقرب من بيت المقدس، فقبضت روحه، وصلت عليه الملائكة. قال عليه الصلاة والسلام، كما في الحديث الصحيح: «لو كنتم ثم لأريتكم قبره على جانب الطريق عند الكثيب الأحمر». هذا وصف قبر موسى عليه السلام يصفه لنا نبينا عليه الصلاة والسلام، «لو كنتم ثم»، أي في أرض الشام، في فلسطين، «لا أريتكم قبره جانب الطريق»، بالقرب أو عند الكثيب الأحمر. طبعًا اليهود الآن ما يعلمون بهذا، ما يعلمون بهذه الحقيقة، لو علموا بقبر موسى عليه السلام لأقاموا الأرض، وما أقعدوها من كثرة الشركيات والوثنيات، بل سيعبدون موسى، ويعبدون قبره، لكن عمي ذلك عليهم. مسألة قبل أن تقبض أو تقبض الملائكة روحًا، موسى عليه السلام، موسى استدعى يوشع بن النون، مر معنا هذا الاسم قريبًا، وهو خادمه الذي لازمه في رحلته مع الخضر عليه السلام، وأشرنا حينها أن هذا الرجل ستكون له قصة، وهذا أوان قصته. يوشع بن النون عليه السلام استدعاه موسى عليه السلام، وأوصاه، وأوصاه ببني إسرائيل خيرًا، فأنت ستكون القائد والنبي لهذه الأمة، وأعطاه العصا، عصا موسى، أعطاه إياها. ثم بعد ذلك ذهب موسى. نأتي الآن إلى قصة يوشع بن النون، طبعًا بهذه الصورة، بهذا الكلام، انتهينا من قصة موسى عليه السلام. لكن هل انتهت قصص الأنبياء؟ لا، من انتهت، ستأتي الآن سلسلة أخرى تتابع الأنبياء، تتابع الأنبياء، نبي بعد نبي. يوشع بن نون عليه السلام عندما ولي هذه المهمة العظيمة أن يسير ببني إسرائيل، سار بهم خير ما سار. ومن المهمة بمكان أن نفهم أن يوشع بن نون عليه السلام عندما أخذ العصى جعل ذلك في التابوت. وهذا التابوت سيأتي معنا كذلك إشارة، تابوت، صندوق له غطاء، جمعت فيه الأشياء المهمة، والتي عبر عنها القرآن: «بقايا من آل موسى وآل هارون». بقايا، حرص العلماء على معرفة محتوى هذا التابوت، قالوا: إنه وضع فيه عصا موسى، وضع في التابوت الألواح الأصلية، الألواح الأصلية، لأن الألواح بعد ذلك نسخت، نسخ عند بني إسرائيل، فالألواح الأصلية وضعت في التابوت. كذلك ما كان من آثار المن والسلوى، وقيل كذلك شيئًا من ثياب موسى، ومن ثياب هارون، هذه الأشياء البقايا جمعت في هذا التابوت. وهناك تابوت آخر نحاول أن لا ننسى، لا ننسى، وهو التابوت الذي فيه جثمان من جثمان يوسف عليه السلام. وهذا يجرنا، إخواني في الله، إلى الدرس الأول في الدورة الأولى، عندما تحدثنا أن موسى عليه السلام خرج ببني إسرائيل، مرت معنا قصة تلكم العجوز، عجوز بني إسرائيل، تذكرونها. وكيف أن موسى مع بني إسرائيل عمي عليهم الطريق، فتذكر موسى أن من وصية يوسف عليه السلام قبل موته: «أنكم يا بني إسرائيل إذا أردتم أن تخرجوا من مصر فاخرجوا بجثماني معكم». قصة طويلة، وقد مضت، ولست في صدد ذكرها، لكن المهم هذا التذكير على أن بني إسرائيل ما جاوزوا البحر إلا بعدما أن أخذوا جثمان يوسف عليه السلام، فكان هذا في تابوت آخر. لكن الكلام الآن على هذا التابوت الذي جاء به، وهو التابوت المستحدث، والذي فيه بقايا من آل موسى وآل هارون. يوشع عليه السلام مسك زمام الأمور باعتباره أول نبي بعد موسى عليه السلام، تحمل مسؤولية عظيمة، والشرائع أمامه، فأنبياء بني إسرائيل تتتابع، ما ستنقطع، ستأتي معنا نبي بعد نبي، نبي بعد نبي. وكما قال نبينا: «إنما بأنما بني إسرائيل كانت تسوسهم أنبياؤهم، كلما هلك نبي خلفه نبي، نبي بعد نبي مباشرة، ما ينقطع»، تنقطع عنهم النبوة. وأما شريعة التوراة فكانت هي الشريعة المهيمنة في تلكم الأزمان، بل حتى صارت إلى زمن رسول الله، كما في قصة الجان، كما في قصة الجان الذين حضروا زمن رسول الله، قالوا: «إنا سمعنا كتابًا أنزل من بعد موسى»، على زال الكتاب موسى. سار معهم حتى في زمن رسول الله عليه الصلاة والسلام. وذكرنا أن كتاب التوراة كتاب مليء بالشرائع والأحكام، حتى حتى أن النصارى والإنجيل يعتمد عليه، والإنجيل إنما جاء مؤيدًا لأحكام التوراة، وإنما غير في بعضها، غير في بعضها. وإنما جاء القرآن بالنسخ التام لأحكام التوراة. بدأ يوشع بن النون عليه السلام بتربية بني إسرائيل، حتى متى؟ حتى انتهت المدة، ما هي المدة؟ انتهت الأربعون سنة، انتهى وقت التيه. ويوشع ربا جيل كبير على الإيمان، ترك الخوف والشجاعة. الآن حان الذهاب إلى أين؟ إلى بيت المقدس، إلى بيت المقدس، أعد العدة الحسية والمعنوية، فتحرك يوشع عليه السلام بهذا الجيش العظيم من بني إسرائيل، متوجها إلى بيت المقدس، لا خور، لا ضعف. فوقعت حروب ومقاتل يذكرها المؤرخون. ومن أعظم المعارك الذي أحب أن أشير إليها، أعظم معركة وقعت بين يوشع عليه السلام وبين هؤلاء من الكنعانيين، تلكم المعركة التي جاء ذكرها في الصحيح، حين وافقت تلكم المعركة يوم الجمعة، قاتل يوشع عليه السلام، ووصل القتال إلى عصر الجمعة. وكان هذا الوقت حرج عليهم، لماذا حرج؟ لأن في شريعة التوراة إذا غربت الشمس يوم الجمعة كان ذلك إذان على دخول السبت، والسبت يوم عبادة عند اليهود، لا يعملون، لا يقاتلون، ما يشتغلون سوى بالعبادة والتعبد، يحرم عليهم إذا غربت شمس الجمعة، فلا يزالون في عبادة إلى أن تغرب شمس السبت، هذا الوقت عندهم السبت في الليلة واليوم كل عبادة ممنوع. لما دخلوا في القتال رأى يوشع عليه السلام أن الشمس كادت أن تغرب عليهم، فحينها دعا ربه، أو توجه إلى الشمس قائلا لها: «يا أيها الشمس، يا أيتها الشمس، إنك مأمورة، وأنا مأمور، أنت مأمورة بأمر الله، الأمر الكوني، في أن تسير في فلكك، هذا أمر الكون، وأنا مأمور بأمر الله الشرعي بأن أقاتل وأجاهد». «يا أيها الشمس، إنك مأمورة، وأنا مأمور، اللهم احبسها علينا، احبسها». واختلف العلماء في تحبيس الشمس على ثلاثة أقوال، القول الأول: أن الشمس ترجع القهقرة، ترجع وراء، لا تتقدم. والقول الثاني: أنها تقف في محلها، ما تتحرك. والقول الثالث: أنها تمشي لكن ببطء. والأخير رجحه الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى. لماذا دعا يوشع بهذا الدعاء؟ حتى لا تغرب الشمس، لأن إذا غربت سيضعون السلاح، محرم عليهم القتال، انصياعًا منهم لأمر الله، تعلموا الانصياع لأوامر الشرع، تعلموا، سيضعون السلاح، سيكون هذه فرصة ثانية لمن للأعداء يخرجون من حصونهم، وهم في قعر دارهم، سيبيدونهم عن بكرة أبيهم، الأمر مخيف. فدعا ربه بهذا، فقال عليه الصلاة والسلام: «فحبست الشمس»، استجاب الله لدعاء يوشع عليه السلام، فحبست الشمس، فاستطاع يوشع أن يدخل، وانتصروا على الكنعانيين، وفتحوا بيت المقدس، وأخذوا هذه الدار بعدما أن غابت عليهم مئات السنين، واستقروا في قعر دارهم، في قعر دارهم. بعد ذلكم تأتي المرحلة الثانية، وهو في توزيع الأدوار في أرض فلسطين، دخل يوشع بن نون عليه السلام، وهنا مسألة في دخول يوشع عليه السلام، يوشع بن نون، يوشع عليه السلام، لعظيم هذه النعمة التي حباه الله لبني إسرائيل، أمرهم أن يدخل هذه القرية، فاكلوا منها حيث شئتم رغدًا، وادخلوا الباب سجدًا، وقولوا: «حطة حطة». أمرهم يوشع عليه السلام من باب التعظيم لعظيم ما أنعم الله عليهم، أن يتأدبوا في دخولهم بأقوالهم وأفعالهم، لا فخر، لا خيلاء، لا فخر، ولا خيلاء، بأقوالهم، قولوا: «حطة»، أي حطة يا رب عن ذنوبنا، إشارة إلى دعاء الله المغفرة، اغفر لنا، ارحمنا، تب علينا، ما هناك استكبار، لأن الفضل لله، هو الذي مكنوا من رقاب الأعداء. وادخلوا سجدًا كذلك بالفعل، يظهر منكم التعظيم لله، قيل: السجود هاهنا سجدًا، قيل: ركوع على هيئة الركوع، ومنه من قال: بمعنى الانحناء، الانحناء. وهذا يذكرنا بما فعله نبينا عليه الصلاة والسلام عندما فتح الله له الكعبة، دخل مكة وهو مطاطئ برأسه، مطاطئ تعظيمًا وتأدبًا مع ربه عز وجل. وهكذا أمر يوشع عليه السلام: «وكلوا منها حيث شئتم رغدًا، وادخلوا الباب سجدًا، وقولوا حطة»، نغفر لكم خطاياكم، وسنزيد المحسنين، وعدهم الله بالزيادة والإحسان إذا أظهروا الإعظام والإجلال، وإزداء النعمة لله. فقال ربنا: «فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي قيل لهم». لا زالت هناك رواسب للأسف، هناك قوم لا زال عندهم التعنت والهوى، من صرعوا لأمر نبيهم، وإنما خالفوا القول، وخالفوا الفعل، أمرهم نبيهم بأن يقولوا: «حطة»، بمعنى المغفرة، فبدلوا. وكما جاء في الحديث الصحيح، قالوا: «حب في حمطة»، استهزاء، يقول: إيش، إيش؟ قال النبي: «قالوا حطة»، «حب في حمطة»، «حب في حمطة»، استهزاء. ولما أمرهم بأن يدخلوا المسجد أو القرية، وهم سجد بالانحناء، أو على قوم من قال بالركوع، جاء في بعض روايات يحسنها جماعة من أهل العلم: أنهم دخلوا يزحفون على أدبارهم، أي جلسوا يزحفون على إليتهم، على أدبارهم، زحف، ما هناك تواضع لله، ولا شكر لنعمه. إذا هذا الاستهزاء والاستكبار كذلك ما ترك هذا الموقف منهم يمر من غير عقوبة، فبدل الذين ظلموا منهم قولا غير الذي لا قيل لهم، فأنزلنا على الذين ظلموا رجزًا من السماء، رجز، لكن هنا العقوبة نزلت على من؟ على هذه الطائفة، ما عمت، بخلاف التيه، التيه كانت العقوبة كاملة للجميع، لكن هنا لا، إنما العقوبة نزلت على الذي اكتسبها، وفعلها. هؤلاء الذين فعلوا هذا الفعل، أنزل الله عليهم الرجز، قال علماء: وهو الطاعون، فهلك، فأهلك الله منهم من أهلك. دخل يوشع عليه السلام إلى أرض فلسطين فاتحًا لها، وقد وضع يده على هذا القطر، وعلى هذه البلدة، بدأ عليه السلام بتقسيم المناطق على حسب العشائر والقبائل. وقد ذكرنا أن هذا من لدن موسى عليه السلام قسمهم، وهذه القسمة تنفع في تقسيم المحلات والمناطق، فقال: «يا بني يوسف، أنتم في هذا المحل، وأنتم يا بني بنيامين في ذاك المحل، وأنتم يا بني يهوذا في ذاك المحل، وأنتم من بني لاوي في ذاك القبيلة»، أعطاهم، قد قسمهم مناطق، وجعلهم على كل منطقة. وجعل عليهم كذلكم ماذا؟ قضاة، وجعل على كل قرية فيها قاضي، بمعنى قاضي، أي الأعلم بالتوراة، يعني هذه القرية من بني يوسف، يبحث من الذي أعلمهم، من أعلم، قالوا: فلان، إذا أنت على قومك تعلمهم، وتفتي فيهم. طبعًا هذا أكثر ما صار بعد موت يوشع عليه السلام، بعد ما صار. كان الأمر كذلك، وكسمي هذا العهد بعهد القضاء، بزمن القضاء، بعدما قسمت الأراضي على الشائر والقبائل، انتدب من كل قرية، ومن أهلها الأصلح والأعلم، الذي يفتي، والذي يقضي بين الناس، بين الناس. وهذه الفترة التي سمعتموها، والذي أطلق عليها علماء التاريخ بزمن القضاء في بني إسرائيل. على القول الصحيح أنها استمرت مئة سنة، استمرت مئة سنة، اليهود يزعمون أن هذه الفترة استمرت ثلاثمائة سنة، هذا ليس بصحيح، بل أجمع العلماء من المؤرخين أن هذه الفترة ما زادت عن مئة سنة، في أقصى ما وصلت لها هذه المرحلة، استقروا في أرض فلسطين، تبوأوا فيها. بينهم هؤلاء القضاء كان فيهم كذلكم الأنبياء، يكونون بينهم، لكن كان القرية فيها قاضي، مفتي، يحكم بهم بشريعة التوراة، واستمر هذا الزمان، أو هذه الفترة، ربحًا من الزمن. بعد ذلكم، إخواني في الله، حصل الاختلاف، حصل الاختلاف، حصل الاختلاف، حصل الاختلاف بين بني إسرائيل، ليس في باب الشريعة والدين، لا، الدين لم يقع بينهم اختلاف، الكل منتفق على التوراة، على اتباع شريعة موسى عليه السلام. إذن وإن وقع الخلاف، وقع الاختلاف في الأمور الدنيوية، لمن تكون له الهيمنة، لمن له المرجعية، ما يقع بين البشر من التحاسد والتنافس. في أول أمرهم كانوا على قلب رجل واحد، ثم دخل الداخل عليهم، الكل يطمع أن يكون له السطوة، وله الجولة. فمثلًا من بني يوسف كانوا يرون أن الأصل يعود إليهم، لأنهم الأصل، إذ أن يوسف عليه السلام هو له الفضل في هذا الخير. وبني لاوي يقول: لا، نحن الأصل، لأن موسى عليه السلام من سلالة بني لاوي، فنحن له الفضل عليكم يا بني إسرائيل. وهكذا ما من عشيرة من العشائر إلا وأخذ ماذا يخالف الآخر. ودب بينهم الخلاف والاختلاف، فبينما هم كذلكم على هذا الاختلاف، ابتلاهم الله جل وعلا ببلية، ببلية عظيمة، وهذا من أثر الاختلاف، ما هو؟ أن الكنعانيين، الكنعانيين الذين أخرجوا من أرض فلسطين، لم يستسلموا بسهولة، فهم يرون كذلك أنهم أحقوا بالأرض. فأخذوا يجمعون الجموع، ويجيشون الجيوش، ويعدون العدة في استرجاع وطنهم السليب، فلسطين، وبيت المقدس، فجهزوا جيوشًا جبارًا تحت قائد اسمه جالوت، اسمه جالوت، ذكر العلماء في كتب التواريخ ما يتعلق بترجمة هذا الرجل، وكان قويا شديدًا. يذكر أنه من الضخام، وكان شديد الباس، جعل قائدًا عامًا لبني كنعان في أن يغزو بيت المقدس لكي يخرج بني إسرائيل. نعم تمت الحروب والقتال، لكن أن لبني إسرائيل الصمود، بالأمس صمدوا، وفتحوا، لما كانوا مجتمعين، لما كانوا متحدين، فالاتحاد فيه قوة. لكن الآن مع هذه التفرقة، مع وجود الخور والضعف، وجد أن بيت المقدس لقمة سائغة، فاستطاع جالوت أن يقتحم بيت المقدس، ودخل فيها، فماذا فعل من أفعال جالوت عندما دخل بيت المقدس؟ أولًا: إجلاء بني إسرائيل، خروج، أخرجهم جميعًا، ما أبقى أحدًا منهم. وهذا يسميه العلماء بالخروج الأول، بالخروج الأول، سيأتي معنا الخروج الثاني، سيأتي معنا الخروج الثالث، هذا الخروج الأول لبني إسرائيل من بيت المقدس، فهم جلسوا مئة سنة في زمن يوشع عليه السلام، ومن بعده، لكن ما استكملوا المدة حتى ابتلاهم الله بجالوت. فأولًا أجلاهم، ثانيًا استولى على ديارهم، وغنم كل ما فيها من الأموال والعقار والأراضي. ثالثًا: أسار أولادهم وأبناءهم، جعلهم أسرى عنده. رابعًا: أخذ عليهم التابوت، أخذ عليهم التابوت، والذي قد ذكرنا أن هذا التابوت كان معظما عند بني إسرائيل، كان معظما عند بني إسرائيل، فيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون. وقد أشرنا إلى شيء من محتواه. ماذا فعل بني إسرائيل بعد هذا الإجلاء؟ تشردوا، تشردوا، أصبحوا بلا مأوى، تجمعوا في بلاد الأردن، تجمعوا في بلاد الأردن، وهم على هذه الحالة من التفرق والتمزق والتشتت. حينها قام الأعيان والملأ منهم، من كبرائهم، من عقلائهم: أن هذا لا يكون، وأن استمرارنا على هذا الوضع ما سيأتي إلا بالذل والهوان، ويرجعنا إلى ما كنا عليه، ولن تقوم لنا قائمة، لن تقوم لنا قائمة. فهنا اقترحوا أمرًا، وهذا الأمر الذي اقترحوه ذكره لنا ربنا في كتابه، وفي قوله تعالى: «ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله». وكما استفت، إخواني في الله، من فوائد هذه الدروس: أنك تعرف الترتيب للحوادث، ترتيب الحوادث، تسمع بهذه الآية، لك ما تدري أين محلها، أين هي هنا؟ هذا موقعها، هذا موقعها. فلما خرج بني إسرائيل وتشردوا في بلاد الشام بعد أن طردوا من البيت المقدس، تشاوروا، وأرادوا حلًا للحالة التي وصلوها. ذهبوا إلى نبيهم، ولهذا قال ربنا: «ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى»، إن بعد هلاكه، قد مر معنا موسى قد مات، وبعد ذلك يوشع بن النون، ثم مئة سنة، ثم جاءت هذه الهزائم الساحقة عليهم، الآن هؤلاء يتحدث ربنا عنهم. «ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى»، الملأ، الأعيان، والأشراف منهم، وذوي الجاه، اجتمعوا، قالوا لنبي لهم: من هذا النبي؟ طبعًا هنا في كتاب الله لم يأت به التصريح، لكن وجد في كتب أهل الكتاب أن اسمه شمويل، شمويل. وأنا قد ذكرت لكم قديمًا، إخواني في الله: أن التوراة وما كان من شروحات التوراة الموجودة عند اليهود فيها الكثير من هذه الحقائق، قصة يوشع، لذكرناها حول الشمس، هذا موجود عندهم، مصطرًا إلى الآن، مصطرًا موجود عندهم، يذكرون هذا، يذكرون هذا: أن يوشع دخل، وأن يوشع فتح، وأن يوشع الشمس توقفت إلى آخر هذا، يوجد عندهم. نعم، فيه تصحيف، لكن يؤيدون ما عندنا. فهذا النبي في كتبهم اسمه شمويل، ولهذا تجد أن من المفسرين من يأتي به، وهذا لا يضرنا، حتى لو قدنا اسمه شمويل، ما يضر، ما فيه هناك فائدة عقدية، أو هناك مخالفة ستضر. فأنا نمشي على المشهور، وهذا كما قلنا جرى عليه جماعة من المفسرين. فاجتمع هؤلاء على هذا النبي، على شمويل، واقترح عليه هذا المقترح، ما هو المقترح؟ ابعث لنا ملكًا، نريد ملك، ما نريد عالم، لا نريد عابد، ما نريد، يعني نبي يعظ الوعظ، عندنا أنتم فيكم الكفاية، نريد ملك يقود السلاح، يقود كما قاد يوشع بن نون عليه السلام. ملك عندهم من الحنكة، من القوة، وخاصة أن الكنعانيين أصحاب قتال وبسالة. ابعث لنا ملكًا نقاتل في سبيل الله. هنا هذا النبي شمويل توجس من قومه، قال: «هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا؟» انتبهوا، منتبهوا، ابقوا على حالتكم، ابقوا على هذا الحال، الشيء، الأمر ليس بالسهل، تطالبون بشيء أعظم مما تستحقون. ملك تقاتلون، هل أنتم مستعدون للقتال، وللجهاد، والتضحية، والبذل؟ قالوا: «وما لنا لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا؟» كيف يا نبي الله ما نقاتل؟ كيف؟ أم لدوافعنا سلبت الأموال، أخذت الذراري، فيرون أن هذه من أعظم الدوافع الكفيلة والكافية إلى ماذا؟ إلى القتال، والمضيء إلى الجهاد. طبعًا هذه دعوة، لكن ما هم إلا وقد تولوا، سبحان الله، تولوا، لا زال، لا زال يرجعون بعضهم إلى ما كان من أصلهم، تولوا، ليس الجميع، البعض، كما سيأتي معنا. فحينها هذا النبي الصالح دعا ربه عز وجل في أن الله يبعث لهم ملكًا منهم، من ذريتهم. طبعًا في كتب التفاسير التطوير وإطالة في كيفية الاختيار، وكيف تم اختياره، ولست بصدد هذه الأمور لأنها ليست لها أدلة صحيحة، فالله أعلم بثبوتها. لكن تم اقتراح طالوت، طالوت، في أن يكون الملك والقائد العام لبني إسرائيل، فالله عز وجل اصطفاه عليكم، أي هذا المصطفى من عند الله بالقيادة. طالوت، الذكر لهذا، هم استهجنوا، لأنه كان يعني أكثر المفسرين في كتبهم يذكر: أنه كان دباغًا، أو كان نحو ذلك من أصحاب المهن الذي ما يرتفع إليه، فاستغربوا ذلك، قالوا: «أن يكون له الملك علينا، ونحن أحق بالملك منه، ولم يؤت سعة من المال»، طعنوا فيه من وجهين اثنين. الوجه الأول: أنه ليس من ذوي الملك، لأنه كان في تلك المدة كانت أكثر السلطة عند يهوذا، من بني يهوذا، هم الذين عندهم البأس، والقوة، فكانوا يرون أن الحاكم الفعلي يكون من هذا الصنف، لكنه خرج من صنف آخر. فقالوا: «كيف يكون من ذاك الصنف وليس له حق؟» وزيد على ذلك: أنه كان فقيرًا، أنه كان فقيرًا. فقال لهم نبي الله: «إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم»، لأن هذا اصطفاء من الله عز وجل، بأن الله أنعم عليه بعلم، وقد كان عالما بالتوراة، عالما بأحكامها. وفي ذلك إشارة، إخواني في الله، إلى أعظم صفات القادة، من يقود الأمم، والأفراد، والجماعات، أن يتحلى بالعلم، هذه أعظم صفة، لأن الإنسان بالعلم سيجر من تحته إلى بر الأمان، بما علمه الله، بخلاف الذي يتولى قيادة الأمة من الجماعات والفرق، وهو جاهل. وكم رأينا، إخواني في الله، والشيء بالشيء يذكر، حتى نستغل، نغتنم هذه المجالس بالتبصر بدين الله جل وعلا: أن نرى ما عليه جماعات كثيرة من الجماعات الحزبية، حين أن ولوا أمرهم إلى قائد، حد هذا القائد أن يسمى بمفكر، أو يسمى بمرشد ديني، أو مستواه العلمي داعية، أو أنه كان مهندسًا في بعض أمور الدنيا. ثم تحال إليه الأمور العظام من النوازل والدماء، ويقود هذه الأزمة، فماذا كان الذي كان؟ الذي ترونه الآن، ما وصلوا أبدًا، لهم سنوات طوال، سنوات طوال، لأنهم حققوا ما أرادوا من السلطة والدولة، ولأنهم حققوا الدعوة، لا هذا ولا ذاك، بضاعوا، وضيعوا. لكن بخلاف دعوة أهل السنة، عندما أنيط الأمر إلى علمائها من أهل العلم، بل ليس أي واحد، بل إلى الراسخين من أهل العلم، انظر كيف قادوا هذه الدعوة المباركة، نعم تسير، وإن كانت بخطى بطيئة، لكنها متينة، متينة، ما فيها مهاترات، ولا فيها انتكاسات. إنما انتكاسات عند غيرنا تذهب الدعوة، فتى طويلة، ثم تنتكس، وترجع إلى أهلها، ليس فقط رجوع، بل وإنما ترجع على أهل بالويلات، بالدمار، بالدمار، انظر ما الذي وقع لحزب النهضة في تونس، وإلى جبهة الإنقاذ الإسلامية في الجزائر، وإلى حزب الإخوان في مصر، وغيرها، وغيرها، تجمعات كثر. بل كان في جبهة الإنقاذ الإسلامية كان عدد الأتباع يعدون بالملايين، بالملايين، عدد لا يعلمهم إلا الله، كلهم تحت جنح هذا الحزب، لكن لمن آلت آلوا أمورهم؟ سلموها لبعض من هو دون ذلك بالعلم. وأذكر فيما أذكر: أن الشيخ الألباني رحمه الله تعالى لما جالس بعض هؤلاء ممن أتى إليه، وهم يبشرونه بعدد جماعتهم، والسواد الأعظم التي وصلت له هذه الجماعة. فسألهم الشيخ الألباني المحنك الإمام السلفي الذي تربى على فهم القرآن والسنة، وعلى مسألة القيادة والريادة للأفراد والجماعات والأمة، سأل هذا المتلمك المفتخر بالعدد الغفير، والجماهير الكثيرة، قال: «كم عدد العلماء»، أي دعك، دعك من هذه الأرقام التي تطلب، وتفرح بها، سأله سؤال: «كم عدد العلماء الذي عندكم؟» فسكت الرجل. صحيح هذه الجماعة مع كثرتها، ما لها يعني رصيد من العلم. وهذا الشيخ مسجل، مسجل. فسأله الشيخ الألباني رحمه الله تعالى عن عدد الأتباع من العلماء، فسكت الرجل، فقام الشيخ رحمه الله تعالى، وجارى الرجل: «آلاف آلاف العلماء»، سكت، قال: «مئات»، إذا ما عندكم آلاف العلماء، إذا عندكم مئات العلماء، سكت، قال: «عشرات»، عشرات من أهل العلم، عشرات. فقال الرجل: «شيوخ قلة»، شيوخ قلة، لأنه ما كان هناك فقال الرجل الذي حاوره الألباني رحمه الله تعالى: قال: «شيوخ قلة»، أي رصيد، رصيد العلماء في هذه الجماعة كانوا قلة. فقال: «شيوخ قلة»، لأنه حينها لم يكن كان هناك إلا من كان متتبع لأحوال تلكم البلاد، إلا ما عرف عن عباس مدني، علي بلحاج، فقط هؤلاء كانوا الرؤوس، فقط. وما علموا بعلم، وما علموا بعلم. الشاهد نعود إلى درسنا: أن نبي الله أخبرهم على أن طالوت سيكون هو الملك عليكم