المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 20

المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 20

الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 20، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

صنع السامري للعجل وفتنة بني إسرائيل

استغل السامري غياب موسى عليه السلام وصنع عجلًا من الذهب لعبادة بني إسرائيل، بينما حاول هارون نصحهم. يروي هذا الفصل الأحداث التي أدت إلى الفتنة.

مواجهة موسى للفتنة ومعاقبة عبدة العجل

رجع موسى غضبانًا ووبخ قومه وأخاه هارون، ثم واجه السامري. بعد ذلك، أمر موسى بني إسرائيل بقتل أنفسهم كتوبة لعبادتهم العجل.

إرسال العيون واستكشاف بيت المقدس

بعد تعليم التوراة، أرسل موسى عيونا لاستكشاف بيت المقدس، فوجدوا المدينة محصنة وأهلها أقوياء، مما أدى إلى تردد بني إسرائيل في دخولها.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كانت المقدمة في التذكير بما وقفنا عنده في قصة موسى عليه السلام بعد إذ نجاهم الله جل في علاه من فرعون، ثم تتابعت الأمور حينها بما منَّ الله عز وجل عليهم من المني والسلوى، ومن الحجر الذي تنبع منه المياه، ومن الغمام، وما كان من تنظيم الأحوال لجعل بني إسرائيل عشائر وقبائل. ثم انطلق موسى بقومه إلى جبل الطور، وهناك مروا على قوم يعبدون ويعكفون على أصنام لهم، فطلبوا إلهًا كما لهؤلاء آلهة، فوبخهم موسى عليه السلام وأخبرهم أن هؤلاء متبر ما هم فيه. ثم استمر موسى بقومه يمضي بهم، فلما دنى من جبل الطور استأذن أخاه هارون في أن يخلفه في بني إسرائيل بينما هو سيذهب إلى لقاء ربه في الواد المقدس بطوى. فكان هذا مفترق الطريق بينهما، فذهب موسى عليه السلام شرقًا إلى الواد المقدس، وذهب هارون غربًا إلى جبل الطور. وذكرنا أن المسافة بينهما تقدر بستين كيلو. ثم كان النظر إلى ما كان من حوادث موسى عليه السلام، إذ أن الله عز وجل وعده أولًا بثلاثين ليلة بعدها يتم اللقاء، ثم أضيفت عشرة أيام فتم ميقات ربه، أي أربعين ليلة. فحينها أوحى الله عز وجل إلى موسى ما أوحى من الشرائع والأحكام، وعلى رأسها أن الله عز وجل أنزل عليه التوراة، ويمن أعظم الكتب السماوية، وكفاها شرفًا بأن الله كتبها بيده. وأشرنا إلى أن القرآن قد أشار إلى بعض الأحكام والشرائع، بل والنصوص التوراتية ذكرها لنا القرآن وخلد ذكرها في كتابه. وأن موسى عليه السلام بعدما ذلك وسمع الخطاب اشتاق إلى رفع الحجاب، فطلب رؤية ربه عز وجل، إلا أن الله قال: ﴿إنك لن تراني﴾ أي في هذه الدنيا، فإن النفوس البشرية لضعفها وعجزها لا تستطيع أن ترى الرب جل في علاه، ولكن علق ربنا الرؤية بصمود هذا الجبل، ولكن انظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني. لكن ما كان من هذا الجبل الأصم إلا وقد أصبح مندكًا، فخر موسى صعقًا. وبعد ذلك، بعدما استفاق موسى من وعيه، أخبره ربنا عز وجل بما جرى لقومه من الفتنة العظيمة، وفتنة السامري. فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفًا. ما الذي جرى في قوم موسى في فترة غيبته؟ الذي جرى أن هارون عليه السلام عندما وصل بقومه إلى الوادي المقدس أو إلى جبل الطور من الجهة اليمنى، وهي جهة اليابسة، استقر هناك. إذ بالقوم يتذاكرون فيما بينهم في قضية الحلي، الحلي الذهب والمصوغات والمجوهرات التي أتوا بها. إذ أن هذه المجوهرات والذهب يعود ملكها إلى القبطيين، إلى المصريين، حيث كانت عند بني إسرائيل ودائع. فعند السفر والانتقال في السرية الليلية، خرج بني إسرائيل وأخذوا هذه الأموال من الذهب، فعلموا أنه طبعًا بعضهم أخذها متأولًا، يرى بعض بني إسرائيل أن خروجنا من بيوتنا وديارنا وتركنا كل الأغراض، عشرة العمر ذهبت علينا، السوداء ما نذهب هكذا، سنأخذ الذي نستطيع على أخذه. فوجدوا الذهب من المصريين عندهم من كان من الودائع أو الأمانات أو الرهن، أخذوا. قالوا هذا عوض عن هذا، فأخذوا هذه الأموال من باب العوض. فلما وصلوا إلى جبل الطور، هنا لكم تحدثوا عن هذه الأموال وتأثموها، وجعلوها وزرًا من الأوزار، وخاصة أن الله جل وعلا أنعم عليهم بهذه النعم وأغدق عليهم بهذه المنا. وكان من أمرهم أن يتخلصوا منها، فتخلصوا منها وجمعوها، قيل أنها جمعت في حفرة حتى أصبحت كومًا لكثرتها، الله أعلم بمن طلب منهم ذلك. لكن ذهب جماعة من المفسرين أن هذا من فعل هارون عليه السلام، أشار إليهم بأنهم يتخلصوا من هذه الأموال وأنها لا تحل لكم، جمعوها تجمع إلى أن يأتي موسى عليه السلام فيحكم فيها بحكم الله، قيل هذا. فلما جمعت هذه الأموال وهذا الذهب وأصبح كومًا عظيمًا، جاء رجل من بني إسرائيل واسمه السامري. وإن كان من بعض المفسرين يرى أنه دخيل على بني إسرائيل. السامري هذا كان معه أمر عجيب، كانت معه قبضة، هذه قبضة قبضها حين أن انشق البحر بفرعون، أخذ أثرًا، وسيأتي معنا ما هذا الأثر، أخذ هذا الأثر واحتفظ به. فلا يزال محتفظًا بهذا الأثر في يده إلى أن حانت هذه الفرصة، فوجد هذا الذهب أمامه، فرمى بهذا الأثر وما في يده على الذهب، وقال له: كن عجلًا، كن عجلًا. فماذا صار؟ فإذ بهذا الذهب يتحول إلى عجل، يتحول إلى عجل، فأصبح عجلًا جسدًا له خوار، عجلًا أي بحجم العجل كبير، جسد ذهب. إليه جماعة من العلماء، أي أنه بجسد العجل، أي أنه من لحم ودم وعصب وعصير، أي أنه كامل الهيئة، حيوان حقيقي انبعث من هذا الكون بعد إلقاء هذه القبضة، له خوار، أي صوت، والخوار هو صوت الأبقار، كما يقال عن الأزير أو الزئير صوت الأسد، والصهيل صوت الحصان، والخوار صوت الأبقار. إلا أن هذا الحيوان لم تكن فيه حياة، لم تكن فيه حياة، وهذا قول ذهب إليه جماعة من أهل العلم. ومن أهل العلم من يرى أن هذا المخلوق نعم صار عجلًا، أي على شكل عجل، لكنه مصنوع من ذهب، بخلاف القول الأول من ذهب إلى أنه أصبح حيوانًا حقيقيًا له صوت بلا حياة. القول الثاني من أقوال المفسرين لا ذهب إلى أنه هيكل، نعم تشكل تشكل على صورة عجل، له شكل جسد عجل، له صوت، لكن على كلا القولين لا حياة له، لا حياة له. فلما ظهرت هذه الصورة أمام بني إسرائيل، ماذا قال السامري؟ قال: «هذا إلهكم وهذا إله موسى فنسي»، هذا إلهنا، هذا الذي شق لنا البحر، هذا الذي أغدق علينا بنعمه، هذا الذي أهلك فرعون، هذا الذي نحن الآن نتبوأ بما نحن فيه من الغمام والمن والسلوى. وأما موسى نسي، نسي أن الله هنا، فذهب إلى هناك إلى واد طوى، يذهب إلى ربه وربه هنا عندنا، فنسي موسى. فكانت هذه فتنة عظيمة، نعم انطلت على جماعات من بني إسرائيل، فعظموا هذه الآلهة العجلية، فعبدوها. هارون عليه السلام قام بما ينبغي أن يقوم به، النصح والدعوة والإرشاد والتنبيه والتحذير. قال: «يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن، وأما هذه فتنة إنما فتنتم به فاتبعوني وأطيعوا أمري». فقومه الذين ابتلوا، طبعًا ليس كل بني إسرائيل، وإنما جزء وهم كثر، قالوا: «لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى»، لما نأخذ بقولك أنت، أنت ما تدري، نحن سنبقى على عبادة هذا الرب، على عبادة العجل، إلى أن يأتي موسى، ننظر إلى حكمه بعد ذلك، ما نستعجل. هارون لم ينكف، وواصل واستمر في التحذير، لكن وصل بهم الأمر إلى أنهم كما قال عن نفسه: «إن القوم استضعفوني وكادوا أن يقتلونني»، وصلوا إلى حد القتل، وصلوا إلى حد القتل، أنهم إن لم يذهب عنهم سيقتلونه. تخيل إلى هذه الغلظة والصفاقة، إلى أن يصلوا إلى قتل نبيهم، حين أنحال بينهم وبين ما يشتهون. رأى هارون عليه السلام أنه قد بلغ من العذر مبلغًا، لكن إن حاز أخذ من بقي من بني إسرائيل وذهب بعيدًا، وترك هؤلاء لشأنهم، حتى لا يكون هناك اصطدام بينه وبين قومه من الموحدين، وبين من وقع في لوثة الشرك، هؤلاء لا يقع تصادم أو لا يقع حتى افتتان أن يفتتن البقية، فتركه هارون وذهب وانصرف عنهم. هذه الأحداث يقال كما يقول جماعة من المفسرين أنها صارت بعد الثلاثين ليلة، قد أشرنا إلى أن ميقات موسى الأول ثلاثين، ثم أضيفت عشرة الأيام البقية. أكثر المفسرين يرون أن فتنة السامري وقعت بعد الثلاثين، لما رأوا أن موسى تأخر، لأن موسى وعدهم وعد هارون بعد الثلاثين سيأتيه، بعد الثلاثين سيأتيه على الموعد، لكن حصل التغير وإضافة عشرة أيام، خلال هذه المدة وقعت فتنة السامري. رجع موسى كما قلنا بعدما أوحى أن أوحى الله إليه ما أوحى من وقوع قومه في فتنة السامري، فإن قد فتن قومك من بعدك وأضلهم السامري. فرجع موسى غضبان أسفًا، نعم وصل وقد قطع هذه المسافة ستين كيلو تقديرًا. فلما وصل رأى الأمر كما أخبره ربه، قومه يعكفون على عبادة العجل، مدعين بأنه الله جل في علاه. غضب موسى، بدأ الآن أول ما بدأ، بدأ بقومه، ومن يبتلي بهذه الفتنة. ألم يعيدكم ربكم وعدًا حسنًا؟ أفطال عليكم العهد؟ أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي؟ ألم يعيدكم ربكم وعدًا حسنًا؟ ألم يعطيكم ربكم الوعود؟ لكم الاستخلاف، لكم التمكين، منكم الأنبياء، سيكون منكم الملوك، أنتم الحكماء على الأرض، لكم الوعود الحسنة، ما شأنكم؟ أطال عليكم العهد بهذه السرعة؟ هل تأخرت النبوآت؟ هل تأخر تحقيق البشارات التي وعدتم بها؟ ما هي الأيام؟ قال: «بالأمس أم الأمس نجاكم الله من قومي فرعون وأنتم رأيتم هذه النعم تترى عليكم والوعود تأتيكم؟ أطال عليكم العهد بهذه السرعة؟ أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم بما كان من أمركم؟». حينها لما روا أن موسى ليس معهم، حينها تبرروا واعتذروا بهذا المبرر، قالوا: «إن حملنا أوزارًا من زينة القوم كما أشرنا»، قالوا: «يا موسى معنا ذهب أو زينة من زينة القوم أي القبطيين والمصريين، وعلمنا أنها لا تحل لنا فرميناها، وكذلك ألقى السامري، وكذلك ألقى السامري»، فأحالوا العهد على السامري، وأرادوا أن يتبرروا مما وقعوا فيه. انتقل موسى عليه السلام للمرحلة الثانية، وهي المواجهة لهارون، إلى أخيه، فأخذ بلحيته وبرأسه يجره. فقام هارون عليه السلام مدافعًا عن نفسه: «يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي». لأن موسى عاتب أخاه، قال: «ما رأيك يا هارون؟ ما خطبك؟ إذ رأيتم أن ضلوا»، أو قال: «ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني؟ أفعصيت أمري؟». أي ما منعك يا هارون إذا رأيتم قد وقعوا في هذا الذي وقعوا به أن تلحق بي، أن تتبعني، أنا قريب منك مسافة، إذا ما شئت بين يوم وليلة ستصل عندي، تخبرني. أفعصيت أمري؟ لأن قد أمرتك: «ولا تطيع سبيل المفسدين»، هذه أول وصية قد وصيتك بها وأوصيتك عليها، وها أنت الآن تعطي الأمر لأهل الفساد في أنهم يسيطرون على هذا الموقف. فكان من عذر هارون عليه السلام قال: «يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي، إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي». هنا هارون تنبه لأمر خفي، وهو أنه خشي أنه بإمكانه أن يغادر المكان ويذهب إلى الوادي المقدس ويلحق بموسى ويعطيه الخبر، لكن فراق المحل وترك الناس بلا راعي، هذا سيؤدي إلى شدة الافتراق بين بني إسرائيل، ستحصل مفسدة عظيمة إذا تركتهم. يعني وجودي أنا يعطب الصمام أمان، وهذا من تخفيف الشر. إني خشيت أن تقول أو أصلت عندك ستعاتبوني: «كيف تأتي وتركت القوم بلا راعي؟» سيكون هذا أشد وأعظم في النكير عليه. ولهذا رأى أن من المصلحة أن يبقى. انتهى موسى من هارون، انتقال إلى السامري، قال: «فما خطبك يا سامري؟ ما الذي جرك على أن وصلت إلى هذا الحال وأوقعت قومك في الكفر والشرك؟». قال: «أبصرت بما لم يبصروا به وقبضت قبضة من أثر الرسول». هنا سنأتي إلى القبضة، ما هذه القبضة عجيبة التي لما ألقاها السامري على الذهب وقال: «كن عجلًا» تحول هذا الذهب إلى عجل. هذه القبضة قد جاء في الآية: «أقبضت قبضة من أثر الرسول»، لكن جاء في حديث الفتنة، في حديث الفتنة عن ابن عباس، الإشارة لهذه القبضة. أن موسى وهارون لما قدموا عند السامري وأخذوا معه في الكلام: «ما شأنك؟» قالوا: «قبضت قبضة من أثر الرسول». قال هارون: «ومن الرسول هذا؟ من هذا الرسول؟» فقال: «الذي اجتاز بكم البحر»، ومن كان معنا في الدورة السابقة عندما تكلمنا حول مرور موسى ببني إسرائيل، أن من كان معهم حينها كان جبريل معهم. ولست في مقام استذكار هذه المعلومة، لكن لا بد أن نذكرها الآن، أن جبريل نزل وكان معهم، وكان على فرس، عليه السلام، جبريل كان على فرس، وكان يقود موسى ومن معه وبني إسرائيل من خلفه. فكان السامري يرقب يرقب لهذا الرجل الغريب، جاء عند المفسرين أن الذي جعل السامري يستغرب أكثر أن هذا الرسول، أن هذا الرجل الغريب على فرسه. أن الفرس ما تطأ أرضًا إلا تنبت، يعني أرض كما يقال، ما نزلوا في محيط الأرض ووصلوا إلى اليابسة. وكان على فرس، هذا الفرس ما تطأ أرضًا يابسة إلا وأنبتت الأرض محل القدم تنبت تنبت تنبت. حلم السامري أن لهذا المركوب والراكب شأنًا، ولهذا أخذ أثرًا من تُربة ما كان من وطء القدم هذا الفرس من الأرض، فأخذ القبضة. فقال: «فقبضت قبضة من أثر الرسول»، فعلم أن في هذه القبضة إحياء إحياء للأشياء والذوات والجمادات. فقال: «فقبضت قبضة من أثر الرسول»، وكذلك سولت لي نفسي، فذكر هذا أمره. فحينها أعلمه موسى عليه السلام بأن هذا الفعل لا يُسكت عنه، قال: «فاذهب لست منا ولست منا ولسنا منك، اذهب أي خرج لا تبقى معنا لا تصاحبنا ما أنت من قومنا»، أمر بنفذه. فإن لك في الحياة أن تقول: «لا مساس»، هذه عقوبة دنيوية، لا مساس، أي أنك إذا مسست أحدًا أو مسك أحد، فإنك ستُصاب بآلام بآلام شديدة. فكان يمشي لوحده ويقول: «وإذا يعني خاف من غشيان بشر عليه يقول لا أمِس ولا أُمَس، لا أمِس ولا أُمَس، بعيدًا كوني لا أمِس ولا أُمَس، لا أمِس ولا أُمَس»، لأنه إذا تعرض إلى اللمس أوذي أوذي إذاءًا شديدًا. فكان هذا حاله، عاش منبوذًا إلى أن مات وأهلكه الله. وإن لك موعدًا لن تخلفه، هذا موعد آخر، يوم القيامة، وهو أشد. وانظر إلى إلهك الذي ضلت عليه عاكفًا، لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفًا. أما صنمك الذي ادعيت أنه ربك، انظر ما الذي سنفعل به، لنحرقنه يحرق حتى يكون رمادًا، ليس هذا فقط، بل ينسف يرمى يرمى بهذا الرماد في النهر والبحر حتى يضيع أشلاؤه ولا يبقى له شيء من الكيان. وهذه دلالة وإشارة إلى أن العقائد الكفرية والأفكار الشركية لابد أن تستأصل بقوة، تستأصل بقوة، لأن هؤلاء الذين عبدوا العجل ماذا وصفهم ربنا؟ ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل﴾، أشربوا يعني تخيل أصبح القلب هذا مشربًا كشراب حب العجل في قلبهم تمكن، حب العجل مرة. ولهذا استئصال هذه العقيدة الكفرية تحتاج إلى قوة إزالة. فماذا فعل؟ فاتخذ موسى عليه السلام أصناف الهد والهدم، الإحراق والنسف والرمي، حتى يعرف الجميع أن هذا باطل من أصله. حينها اعترف بنو إسرائيل بخطأ ما وقعوا فيه، كما تابوا. ولما سقط في أيديهم، طبعًا هذا التعبير بلاغي، وقال العلماء: أن أول من يعني أول ما جاء هذا التعبير في القرآن. وأصبح الناس إلى الآن يتداولون هذا المصطلح، إشارة على عظيم الندم، على عظيم الندم. فلما علم قوم موسى أنهم كانوا في غرور، وأن وقعوا في شرك عظيم، اعترفوا بذنبهم. لكن ماذا قال موسى؟ قال موسى: «إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم»، توبتكم قتل ما ينحي هذا الذنب، ما عظيم ما أنعم الله عليكم؟ هذا قمة الجحود. ما يزيل هذا الذنب إلا القتل، فشرع في حقهم القتل. فكيف كان قتلهم؟ قيل أن قتلهم أن تجمع هذه الجماعات الذين عبدوا العجل وكانوا بالآلاف بالآلاف، جمعوا. ثم أعطوا الأسلحة شتى أنواع الأسلحة، ما المطلوب؟ يقتل بعضكم بعضًا، هذا تمام التوبة. فبدأوا بذلك، كل واحد يأخذ سكينًا أو خنجرًا أو سيفًا ويوقع الذي أمامه، وهذا أمامه، وهذا الذي خلفه، هذه توبتهم. والقول الثاني أن الله عز وجل أمر من موسى أن الموحدين هم الذين يتولون قتل هؤلاء الذين عبدوا العجل، الذي لم يعبد العجل يقتل من عبد العجل. فدفعت إليهم الأسلحة واترك لهم المجال بالدخول، وأولئك لا يردون لا يردون ولا يصدون، هذا من تمام توبتكم، اتركوا من يأتي إليكم يقتلكم. فكان حتى من الأقرباء والأولياء من يأتي على أخيه، من يأتي على ابنه، من يأتي على أبيه، هذا حكم الله، هذا حكم الله. بدأ القتل في اليوم الأول، قتل من العبد سبعون ألفًا، كما قلنا بالآلاف، الذين عبدوا العجل بالآلاف. ثم في اليوم الثاني استحر القتل، وكان موسى عليه السلام يدعو ربه بأن الله عز وجل يرفع هذه العقوبة عن بني إسرائيل وعن قومه. ثم قال ربنا: «ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون»، فعفى الله عز وجل عن البقية، لكن قتل منهم من قتل بالآلاف، لكي يكونوا عبرة لمن بعدهم، وأن لا يفكر أحد أبدًا بأن يمس مقام التوحيد بسوء بعد هذا. ولم يكتمل الأمر، هذا العفو كما قال علماء كان مشروطًا بشرط، كان مشروطًا بشرط. ما هو الشرط؟ أنك يا موسى تأتي بسبعين رجلًا من صلحاء قومك من بني إسرائيل، تأتي بهم إلى الميقات، إلى الميقات، إلى وادي طوى. فكما قال ربنا: «واختار موسى قومه سبعين رجلًا لميقاتنا»، فأخذ موسى عليه السلام من الصلحاء من الأتقياء الأبرار العباد من بني إسرائيل اختارهم. ثم انطلق بهم، وهذه الانطلاق كما يقول أهل العلم الانطلاق الثالث الآن لموسى في تواجده في الوادي المقدس طوى، الأولى عند الوحي، والثاني عندما نزل الله عليه الأحكام والشرائع والتوراة، وهذه الثالثة رجع بهم ستين كيلو كما قلنا كما تقدر على أقل تقدير. فلما وصلوا أو كادوا أن يصلوا إلى المحل، ما الذي صار؟ أبادهم الله أهلكهم الله جميعًا. يذكر العلماء ما سر هذا الاختيار؟ يذكر بعض أهل العلم أن الله عز وجل أراد من موسى أن يختار الصفوة من قومه لكي يعتذروا لكي يعتذروا عما جرى، شرك أين؟ أنتم ما قام إلا يوشع، ما قام إلا هارون عليه السلام هو الذي انبرأ، هو الذي انبرأ، أين البقية؟ أين الصلحاء؟ أين العباد؟ أين الأتقياء؟ أين الأصفية؟ لا تحرك أحد منكم. فأمر ربنا من موسى أن يأتي بهؤلاء الصفوة من باب الاعتذار عما بدر منهم، قيل هذا. فلما كاد موسى أن يصل أو قيل وصل أخذتهم الرجفة فماتوا جميعًا عن بكرة أبيهم، ولم يبق إلا موسى وحده عليه السلام. حينها استعظم موسى هذا الأمر استعظامًا عظيمًا، قال: «ربي لو شئت أهلكتهم من قبل إياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا؟». وكان من دعاء موسى أن يقول: «ربي بماذا أرجع لبني إسرائيل وقد ذهب صلحاؤهم؟ أرجع ممن؟» يعني تخيل أنت في منطقة مثلًا، يعني تأتي لهذه البلاد، تأخذ الخير والفضل والداعية والشيخون والشيخ، تجمع الصفوة في المجتمع. ثم تأتي لوحدك، فتسأل: «أين الصلحاء؟» قالوا: «ماتوا كذلك ماتوا»، فكان موسى يستعظم هذا الأمر، وكان يدعو ربه عز وجل: «بماذا أرجع؟ وكيف أقول لبني إسرائيل إن سألوني أين أين الناس؟». فلا يزال يدعو ربه، وهنا من العلماء من ذهب إلى أن هؤلاء إنما أهلكهم الله لأمر آخر، وهو ما في قوله تعالى: ﴿قالوا أرنا الله جهرة﴾. لأن موسى عندما دخل أو وصل إلى وادي المقدس طوى أبقى هؤلاء الصفوة، ثم انفرد في مكان، وللعلماء في ذلك صفات، ما استطاع هؤلاء النخبة أن يروا ما الذي جرى لموسى، لكن سمعوا خطابًا وعلموا أن موسى يخاطب ربه، ومن وراء حجاب. فلما جاء موسى قالوا: «يا موسى أرنا الله جهرة»، حين فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. فقيل هذا من هذا الحاصل أن موسى لا يزال يدعو ربه عز وجل في أن الله يدفع ذلك. فكان الأمر، قال ربنا: «ثم بعثناكم من بعد موتكم»، أحياهم الله من جديد، أحياهم الله، قد ماتوا، لكن حكمة الله وقدرة الله فوق كل شيء، أحياهم الله، بعثوا من قبورهم مرة أخرى. فازدادوا بذلك إيمانًا وانقيادًا وتعظيمًا لجناب الرب عز وجل. وقالوا: «ذلك دروس لبني إسرائيل تربية لما سيأتي لما سيأتي». حينها ذهب موسى عليه السلام بهؤلاء ووصل إلى قومه من بني إسرائيل، وانتهت فتنة السامري، وهؤلاء بعثهم الله وازدادوا إيمانًا. فبدأ موسى عليه السلام بماذا؟ بالتربية، أنزل الله التوراة فيها حكم الله، أخذ يعلمهم الشرائع والأحكام، يعلم النقباء الاثني عشر. وهؤلاء النقباء يرجعون إلى قبائلهم وعشائرهم فيعلمونهم مما علمهم الله مما أخذوا من موسى. فبدأت الشرائع والأحكام تنتشر عند بني إسرائيل وهم في هذا المكان. لكن بني إسرائيل وما أدراك ما بني إسرائيل، أصبحوا يتململون يتضايقون من ماذا؟ يتضايقون من الشرائع من الأحكام. ولهذا بدأوا بالشكوى، فإذا جاءت الأحكام من نقبائهم شكوا كل موسى: «خفف علينا يخفف علينا في الأحكام»، مع أن شريعتهم الصلاة عندهم عبارة عن صلاتين بالغدو والعشي. ومع ذلك طالبوا التخفيف، طالبوا التخفيف، عندهم شعيرة الصيام يصومون نعم، طالبوا التخفيف. وعندهم ما يتعلق بالأوامر والواجبات والمنهيات ودفع الأموال والصدقات إلى آخر ذلك، لكنهم كانوا يتبرمون. وازدادت الشكاوى عند موسى عليه السلام زادت. فبينما هم في هذا الحال في يوم من الأيام وهم في الوادي وهم عند جبل الطور في الجهة اليمنى. سمعوا بزلزلة زلزلة عظيمة ترتجف في الأرض ترتجف في الأرض ارتجافًا شديدًا. ما الذي صار؟ الذي صار أن جبل الطور الذي بجنبهم وهو جبل أشم عظيم ارتفع، من الذي رفعه؟ الله عز وجل ارتفع، ارتفع الجبل من محله، ارتفع ارتفع ارتفع. ثم إذ به يكون فوقهم كما وصفه ربنا: «كأنه ظلهم»، مظهر عظيم جدًا، لو أن الإنسان يتصور أنه في بقعة معينة ويكون فوقه عبارة عن القاعدة الجبل، يعني ربما مترامية الأطراف شرقًا وغربًا وشمالًا من كل النواحي جبل. فقط سقوطه إهلاك لا حياة. وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور، علم بنو إسرائيل ما المراد من هذا الرفع، ما هو؟ خذوا ما آتيناكم بقوة، يا بني إسرائيل أنتم بين أمرين لا ثالثة لهما، إما أن تأخذوا بما في التوراة، وإما أن يطرح عليكم هذا الجبل ويبيدكم عن بكرة أبيكم. سبحان الله، أنظر كيف وصل الحال إلى هؤلاء الأقوام من العتو من العتو. فحينها هل هناك حال ثالث؟ لا، حينها سجدوا سجدوا لله سبحانه وتعالى. وأخذ موسى عليه السلام يتلو عليهم ما في التوراة كل ما في التوراة وهم يسجدون ويقومون: «سمعنا وأطاعنا»، يسجدون: «سمعنا وأطاعنا»، يسجدون: «سمعنا وأطاعنا»، كل شيء هات يا موسى الذي معك، ما هناك شكوى ما هناك تبرم ما هناك تضايق، خلاص الذي في رؤوسهم ذهب. يذكر فيه ما يذكر، وبعضهم يؤيد هذا في الواقع المعاصر على أن بني إسرائيل في سجودهم هذا، وبعضهم لا زال من بعض الفرق اليهودية يسجد هذا السجود، أن سجودهم عبارة عن ماذا؟ أنهم يسجدون على الحاجب الأيسر، الحاجب ليس سجودًا كاملًا، لا وإنما سجودهم كان على الحاجب الأيسر، لماذا؟ الحاجب الأيسر لأن العين اليمنى كانت تنظر إلى الجبل من شدة الخوف، من شدة الخوف. يعني جزء سجدة حاجب الأيسر على الأرض واليمنى في الجانب الأعلى تنظر إلى الجبل، قربة دنى ابتعد ينظر إلى سير حركة الجبل من فوقهم من شدة خوفهم. يذكر من يذكر من بعض المفسرين من بعض السلف قال: «فلا تزال تلك سجدهم». ويذكر بعض المؤرخين وممن يكتب في التاريخ اليهود يذكر أن بعض الفرق اليهودية تزد إلى الآن هذه السجدة إذا سجدوا سجدوا على جنب على جنب على جنب الأيسر تاركين الجهة اليمنى، لماذا؟ قالوا: «هذه السجدة التي رفعت عنا عذاب الله»، هذه السجدة التي رفعت عنا عذاب الله. فالله أعلم، الشاهد أن موسى عليه السلام استمر في هذا الحال استمر في هذا الحال في تعليم بني إسرائيل التوراة وما أنزله ربنا عز وجل. ثم بعد ذلك بعد هذا التعليم والتربية، جاءت المرحلة الفاصلة، وهي أصبح الأمة مستقرة تعلمت الشريعة تعلمت الأحكام، الآن جاء المقصد الأسمى. وقد ذكرنا في الدروس الأول أن دعوة موسى عليه السلام تعود على أصلين عظيمين. الأصل الأول دعوة فرعون إلى توحيد الله، والأمر الثاني أنه يأخذ بني إسرائيل إلى مصقة رؤوسهم إلى بيت المقدس. وقد ذكرنا ذلك في دروس مضت أن قال فرعون: «وأرسل معي بني إسرائيل أتركهم لي»، أنا أريدهم أرجعهم إلى بيت المقدس. فكانت هذه المعركة بين موسى وفرعون، الآن خل الأمر لموسى عليه السلام. فأصبح زمام بني إسرائيل بيده، فلما كان عند جبل الطور يربي في هذا الشعب هذه التربية الإيمانية، تعليمهم التوحيد والأحكام والشرع، ونزل التوراة. أخذ الآن بدأ بالتحرك، ذهب شمالًا إلى بيت المقدس، يرجع إلى مصقة الرأس. لما وصل موسى أو كاد أن يصل أرسل من أرسل من العيون ينظر إلى بيت المقدس كيف هو؟ لو تذكرون إخواني في الله أن يعقوب عليه السلام وهو الأصل لبني إسرائيل كان في فلسطين في بيت المقدس. فلما جاءوا إلى مصر بدعوة من ابنه يوسف عليه السلام، ماذا قال يوسف لأبيه؟ «إجاء بكم من البدو»، ما الذي يعنيه؟ من البدو، أي أرض فلسطين أرض فلسطين في تلكم الأيام كانت بادية بادية ليست كمصر مدينة قوية. فموسى الذي يعرف من التاريخ القديم على أن فلسطين كانت بادية من البوادي. لكن قبل أن يدخل ويتوجأ إليها أرسل إليها عيونا من أصحاب: «اذهبوا وانظروا ما الذي جرى إلى بيت المقدس؟» فذهبت العيون ورجعت وأخبروه. ليس الوضع كما تظن يا موسى، ما الذي صار؟ الذي صار أن بيت المقدس أصبحت مدينة عظيمة مغلقة الأبواب محصنة الأسوار. وعليها أقوام تغير، أصبحت مدينة ثانية، مرت مئات الألوف تركت مئات الألوف، لكن جاء فيها أقوام عاشوا في هذا المكان وتحصنوا عليها حصون وسدود وأبواب بخمة وحراس وجيوش. حينها علم موسى على أن الأمر يستحق العناء ولابد من الدخول. فقال: «يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين»، أمرهم بالاستعداد وأن الأمر يحتاج إلى قتال قتال. لأن هؤلاء أصحاب المدينة أصحاب الذين بنوا المدينة وأصحاب من أهلها لن يتركوها بسهولة، لأن القصد أن بني إسرائيل هم سيعيشون مدينتهم يرجعون إليها، وهؤلاء يخرجون، وهذا لن يكون بهذه السهولة. فماذا كان رد بني إسرائيل؟ قالوا: «يا موسى إن فيها قومًا جبارين وإن لن ندخلها ما داموا فيها»، حتى قالوا: «يا موسى إن فيها قومًا جبارين»، أول قومًا جبارين. قيل أنهم من بني كنعان بني كنعان، ووصفوا بالجبروت، كانوا أقوياء، بل في بعض كتب التفاسير ذكروا أنهم عمالقة عمالقة ضخام. ولا أستزيل على ذلكم لأنهم أن توسع وبالغ في مسألة طولهم وعظم أحجامهم.