الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 18، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
قاد طالوت الجيش وهزم جالوت بفضل شجاعة داود عليه السلام، مما أدى إلى دخول بني إسرائيل بيت المقدس. بدأ عهد الملوك الذي استمر لأكثر من أربعمائة سنة بعد هزيمة جالوت.
جمع الله لداود عليه السلام بين الملك والنبوة، وسخر الجبال والطير له، وألان الحديد في يده. كان داود عليه السلام قوي العبادة واجتهد في الطاعة.
علّم الله داود عليه السلام صناعة الدروع، وأعطاه صوتا جميلا، وسبّحت معه الجبال والطير. كانت هذه التسخيرات سبباً في قوته وملكه الشديد.
اختصم رجلان من بني إسرائيل أمام داود عليه السلام، وتسور رجلان المحراب وداود عليه السلام، وقضى داود بينهما. يروي المقطع تفاصيل القضيتين والحكم فيهما.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كان حديثنا بداية عن نبي الله يوشع بن نون عليه السلام، وكيف أنه أخرج قومه من فترة أتيه في سيناء وأدخلهم إلى بيت المقدس بعد قتال مرير، وبعد أن فتح الله لهم فلسطين وجلسوا فيها، قسمهم على هذه الأقاليم وجعل على كل إقليم قاضيا، وعرف فيما بعد هذا العهد بعهد القضاء، والذي استمر مئة سنة. ثم دب الخلاف بين بني إسرائيل حول الملك والسيادة والسلطة، فاستغل الكنعانيون هذا التفرق منهم، فأعادوا الكرة على يد قائدهم جالوت، فأخرجوهم من ديارهم. حينها رأى بنو إسرائيل أنه لابد أن تتفق الكلمة على ملك، على حاكم تجتمع الكلمة عليه ويقاتلون تحت لوائه، فاختاروا نبيا من أنبياء الله، وقد جاء في كتب بني إسرائيل أن اسمه شمويل، فاستشاروه في ذلك، فاختار لهم طالوت ملكا. وتمت الموافقة على طالوت، خاصة بعدما رأوا تلكم الآية العظيمة، أن رأوا التابوت قد وصل إليهم والملائكة قد حملته. فحينها أقر له بالملك والسيادة، فتحرك بهم طالوت، واختبرهم الله اختبر الله من معه من الجند بهذا النهر، وكان هذا النهر ذكر بأنه نهر أدمي، وكان بين فلسطين والأردن. فنهاهم عن شربه إلا من اغترف غرفة بيده، إلا أن الكثير حالفوا وشربوا، فردهم. فما بقي مع طالوت إلا القليل، يذكر علماء التاريخ والتفسير أن عدة بني إسرائيل والذين قد جاءوا إلى نبيهم مطالبين بالقتال كانوا ثمانين ألفا. كانوا ثمانين ألفا عندما قال لهم: «هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا؟» قالوا: «وما لنا ألا نقاتل؟» كانوا حين ثمانين ألفا، هؤلاء الملأ. فلما كتب عليهم القتال قلوا وتناقصوا. فلما وصلوا إلى النهر تناقصوا، وصلوا إلى ساحة الميدان، كم كانوا؟ ثلاثمائة شخص، ثلاثمائة شخص فقط. ويؤيد هذا المعنى بهذا العدد هو ما جاء في البخاري من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: «كنا نقول أن عدد أهل بدر هم عدد من كان مع طالوت». هذا في البخاري، على أن عدد من كان من أهل بدر هم عدد من كان مع طالوت، وكم كان في بدر؟ كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر صحابي، هؤلاء الذين خرجوا مع رسول الله في غزوة بدر لقتال كفار قريش. فالشاهد أن هذا العدد هو الذي بقي، تخيل من الآلاف المؤلفة ما بقي إلا هذا العدد القليل. هؤلاء لما رأوا القلة قالوا: «لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده». أين نحن بهذا العدد الضئيل أمام هذه الجيوش الجرارة من جيش جالوت؟ لكن صبروا واحتسبوا واستغاثوا ودعوا ربهم، فأن الله يفرغ عليهم صبرا. قلنا في هذه المعركة ظهر اسم سيأتي معنا في هذا الدرس، وفي هذه الليلة، ألا وهو داود عليه السلام. كان حينها شابا في السن السابع عشر ونحو ذلك، كان في هذه الغزوة، حضر مشاركا مع طالوت. قيل لما بدأت المعركة خرج جالوت وأراد أن يبارز من يبارز، من يقاتل، وكان شرسا. فداود استأذن من طالوت أن يأذن له في المبارزة، فرده: «اجلس، ارجع بصغر السنة، وأنك لن تستطيع على هذا القائد». فأخذ جالوت يتحدى من يبارز، فإذا بداود عليه السلام، وكان حينها لم يكن نبيا، لكن كان من الرعية، لكن كان قويا، شابا شجاعا، قال: «أنا سأخرج إليه». فرده طالوت، ثم ألح. حينها لما رأى طالوت من داود أنه يريد أن يخرج ولابد، قال: «إن قتلته لأجعلنك ملكا بعدي»، وعده بالملك. فخرج إليه، حتى أن جالوت استصغر، قال: «من أنت؟» قال: «وقاتله». فالمشهور في كتب التفاسير أنه استخدم المقلاع، والمقلاع عبارة عن آلة من جلد يوضع فيها الحصى ثم تدور ثم يرمى بها. وكان ذا خبرة، داود كان ذا خبرة باستخدام هذا المقلاع، وهي عبارة عن رمي من بعد دون أن يقرب. قال: «ربما كان جالوت هنا وهو هنا»، فكان يستخدم المقلاع ويضرب ويضرب ويضرب حتى قتله. فلما قتل جالوت أمام جيشه، خارت القوى بالمقابل، زادت همة أهل الإسلام، فقاموا بكرة عظيمة على جيش جالوت، فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت، كما قال الله سبحانه وتعالى. وبهذا الانتصار الساحق دخل بنو إسرائيل إلى بيت المقدس، لكن على أي هيئة؟ على هيئة الملوك، دخلوها على هيئة الملوك، معهم ملك ألا وهو طالوت. وكان هذا العهد من أعظم عهود بني إسرائيل، والذي اشتهر بعد ذلك بعهد الملوك، تتابع الملوك كما تتابع الأنبياء. كان عندهم أنبياء بعد نبي، ملك بعد ملك، ولا ما كان عندهم ملك أصلا. فكان طالوت أول ملك على بني إسرائيل، واستمرت هذه الحقبة الزمنية بتتابع الملوك الذي عرف عند بني إسرائيل بعهد الملوك، إلى أكثر من أربعمائة سنة. وكانت هذه من أعظم مفاخر بني إسرائيل على مستوى الأرض، قتال وجهاد ونضال وإعلاء كلمة التوحيد وإعلاء كلمة الله. والقتال هنا، وهنا، وهنا، كما قلنا، بعد هلاك فرعون، ما هناك هلاك ينزله الله سماوي بعد هلاك فرعون، كما قلت في القرآن: «كدأ بآل فرعون والذين من قبلهم»، فقط ما بعدهم، ما هناك هلاك سماوي، وإنما من كان معاندا كافرا يسلط الله عليه رسله، يسلط الله عز وجل عليه رسله، فيقوم الأنبياء بملوكهم بجيوشهم ويقاتلون حتى ينفذ حكم الله في هذا الكافر، وهذا العابد للصنم والوثن. فالشاهد، إخواني في الله، في عهد العهد الذي يسمى بعهد الملوك، كان من مفخرة مفاخر بني إسرائيل. وكان أول ملك هو طالوت، ثم استدامت مدة إلى أن جاء داود عليه السلام، فأخذ الملك من بعده. وكان داود عليه السلام هو أول نبي جمع الله له بين الملك والنبوة، أول نبي من بني إسرائيل جمع الله له بين الملك والنبوة. وآتيناه الملك والحكمة، الملك السلطة والحكمة النبوة، جمعها الله عز وجل لهذا العبد الصالح، وهو داود عليه السلام. فهذا، إخواني في الله، ما يكى كمقدمة لما سيأتي معنا من ملك داود عليه السلام. لكن هنا فائدة، قد يقول قائل: من خلال قصة قتل داود عليه السلام لجالوت، هل مباشرة استولى على الحكم؟ لا، ما استولى مباشرة، تأخر كما قلنا. إنما قتل جالوت وهو لازال في مقتبل عمره، متى آل الحكم إلى داود وأصبح ملكا على بني إسرائيل؟ ستأتي الآن هذه المسألة، هذا السؤال: متى استطاع داود عليه السلام أن يعتلي عرش الملك والحكم على بني إسرائيل؟ سنرجع، إخواني في الله، إلى معرفة شيء من عمري داود عليه السلام. تذكرون، من كان متابعا، طبعا في أول ما بدأنا به من دروس مختصر تاريخ الأنبياء والرسل، عندما تطرقنا إلى آدم عليه السلام، مر معنا اسم داود، عندما أخرج الله عز وجل ذرية آدم من صلبه ونثرهم بينه، فنظر آدم إلى ذريته جميعا، إلا أنه خلال النظرة لهذه الذرية، شد انتباهه رجل، من هو الرجل الذي شد انتباهه؟ داود، بماذا؟ بنور، رأى نورا ينبع من هذا الرجل. قال: «من هذا يا رب؟» قال: «هذا ابنك داود». قال: «كم عمره؟» وكم ذكرنا حينها؟ كم كان عمره؟ الذي قدره الله له؟ ستين سنة. فلما علم داود أنه ستين سنة قليلة، قال: «فاعطه من عمري كم؟» أربعين، اعطه من عمري أربعين. الآن إذن عمر داود كم سيكون؟ مئة سنة. هذا عمره سيكون مئة سنة، هو الأصل ستين سنة، ثم أعطاه آدم من عمره أربعين، أصبحت مئة سنة. كتب بني إسرائيل تقول: إن ملك داود عليه السلام استمر أربعين سنة، ملك داود كملك عليهم استمر أربعين سنة. إذن متى وصل داود إلى الكرسي؟ عمره كم؟ ستين سنة. في هذا العمر وصل داود إلى كرسي الملك على بني إسرائيل، واستمر ملكه أربعين سنة، إلى أن جاءت منيته وهو على قد ناهز مئة سنة عليه السلام. هذا الذي به تمتضح عندنا الصورة العامة. إذن داود لما قتل جالوت ليس حينها صعد إلى الحكم، لا، إنما انتظر، عاش طالوت ما عاش، وعاش داود عليه السلام ما عاش بعد موت طالوت، جاءت الخلافة لداود. فكان داود ثاني ملك على بني إسرائيل، ثاني ملك على بني إسرائيل. طالوت كان داود أولا، والثاني داود عليه السلام. كما قلنا، عهد الملوك جاء متأخرا في بني إسرائيل، جاء متأخرا في بني إسرائيل. داود عليه السلام هذا النبي الصالح، جاء ذكره في القرآن ستة عشر مرة. وهو داود من نسل يهوذا بن يعقوب بن إسحاق، من نسل يعقوب. ولهذا نسمع دائما هؤلاء أنبياء من أنبياء بني إسرائيل، كل هؤلاء نذكرهم من أنبياء بني إسرائيل. بنو إسرائيل من إسرائيل، يعقوب، يعقوب عليه السلام. قد مضى هذا معنا، نفهم العبارة هذه: بنو إسرائيل، أي بنيه، أحفاده، أجياله، وكل من كان من تحته، خرجوا من يعقوب من نسله عليه السلام. وباركنا عليه وعلى إسحاق، وكل هؤلاء من أنبياء بني إسرائيل، أي خرجوا من صلب يعقوب عليه السلام، منه، مئات السنين، تتعاقب الأجيال من هذا النسل، إلى أن خرج نبينا صلى الله عليه وسلم، لم يكن من صلبهم هنا، جاءت العداوة، لأن النبي خرج من صلب إسماعيل، ما يعقوب، فهو من نسل إسحاق، من نسل إسحاق. قد مضى هذا معنا في الدروس التي قد مضت. داود عليه السلام يعد ويعتبر من خيرة أنبياء بني إسرائيل، ميزه الله جل وعلا بالفضائل، بالمناقب، بالتكرمات، بالآيات الواضحات الجليات. مما ميزه الله جل وعلا أن الله سبحانه وتعالى قد جمع له بين الملك وبين النبوة، وآتاه الله الملك والحكمة. وآتاه الله جل وعلا فصل الخطاب، قيل: فصل الخطاب هو الفهم الثاقب للمسائل والقضايا، وقيل: فصل الخطاب، أي الفصاح والبيان في العبارة والكلام. وهذا، وهذا، قيل في فصل الخطاب، مما جاء في فضائلي ومناقبي وآياتي. داود، أن الله عز وجل سخر له الجبال، كما قال سبحانه: «ولقد آتينا داود منا فضلا، يا جبال أوبي معه والطير»، وألن له الحديد. فربنا سخر له الجبال، وسيأتي معنا تسخير الجبال، وهكذا من آيات الله التي أعطاها لهذا العبد الصالح، أن الله سخر له الطير، والطير محشورة، كل له أواب. فكانت الطير تحشر بمعنى تجمع له، تجمع له. وكذلك من فضائل وآيات الله الذي مكن لها لداود عليه السلام، أن الله ألان له الحديد. وسيأتي معنا قضية هذه الآية الباهرة، وقس على ذلك ما كان من فضائله، ومن عباداته، وتعبده لربه سبحانه وتعالى. وصف الله جل وعلا داود بأنه ذا الأيد، واذكر عبدنا داود ذا الأيد، ذا الأيد، بمعنى ذا القوة. فكان داود عليه السلام قوي، يا ترى قوي في ماذا؟ داود أعطاه الله عز وجل القوة في كل شيء. وأعظم جوانب القوة التي أعطاها الله لداود، أولا في جانب العبادة والتعبد، فكان من أشد الناس تعبدا لله جل وعلا، يظهر هذا في صيامه، يظهر هذا في قيامه. قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الصيام إلى الله صيام داود، أحب الصيام إلى الله صيام داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما». وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود قيام. وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل، ينام نصف الليل ويقوم ثلثه، وينام سدسه، رواه البخاري ومسلم. هذا من تعبده لله، كان لا فتور ولا كسل، صيام وقيام، صيام وقيام، مع ما كان من أمر الثاني، سيأتي معنا. ولهذا كان ربنا جل وعلا يوصي نبيا أن يقتدي به: «واصبر على ما يقولون، واذكر عبدنا داود ذا الأيد»، اجعله قدوة لك في الصبر والاستبار، اقتدي بداود. فدل على أن داود آتاه الله جل وعلا صبرا عظيما على الطاعة والعبادة، هذا النوع من أنواع القوة التي آتاها الله جل وعلا لعبده داود. القوة الثانية، وما كان في قوة القتال، في قوة القتال والجهاد، كان قويا، ويؤيد هذا المعنى ما جاء في وصف نبينا عليه الصلاة والسلام عن داود، أنه كان يثبت عند اللقاء، يثبت عند اللقاء، كلمة يثبت عند اللقاء دلالة على ماذا؟ على أن داود عليه السلام ليس فقط أنه كان يرسل بالجيوش وهو في بلده، لا، ما كان يرسل وهو في بلده. بل كان يرسل الجيوش وهو معهم، كان معهم، ولهذا قال عنه نبينا: «وكان يثبت عند اللقاء»، لا ينسحب، لا يستسلم، لا يهرب، لا يثر، وإنما ثبات عند اللقاء، ثبات عند اللقاء. وهذا يلقل في قوله تعالى: «واذكر عبدنا أي داود ذا الأيد»، أي ذا القوة، ذا القوة. وقال ربنا عنه: «وشددنا ملكه»، هذه من القوة. أن الله شدد ملكه، فسيأتي معاني تشديد الملك الذي جعلها الله لداود عليه السلام. ومن أعظم ما مكن داود من القوة في القتال هو مع جنده، تلكم الآية المبهرة آلة، وهي: «وألن له الحديد». ألن له الحديد، كان الحديد في يده لين، الحديد، الحديد إذا لمسه داود عليه السلام أصبح عجين، أصبح عجين. ألن له الحديد، كان يؤت له بزبر الحديد، بقطع الحديد، تؤت له، فأول ما يضع يده ترطب، تلين، تكون كالعجينة. فماذا يقوم؟ يشكلها، يشكل منها ما شاء من الأسلحة، من الأسلحة. ولهذا قال له ربنا عز وجل، معلما إياه في صنع هذه الألبسة، قال: «أن اعمل سابغات، وقدر في السرد»، أن اعمل سابغات، تقديره: أي اعمل دروعا سابغة. اعمل يا داود، اصنع لجندك دروعا، والدروع هو ما يلبسه المحارب. يقال: والله تعالى أعلم، من أكثر من مفسر، قال: إن أول من صنع الدروع هو داود. ثم تتابع الناس بعد ذلكم على إثره. أول من صنع الدروع، ذكر هذا أكثر من المفسر. فعلمه ربه، ربنا، علمه، كما قال سبحانه وتعالى: «وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم»، تحصنكم، يحصنكم، نحصنكم، ثلاثة قراءات في هذه الكلمة. نحصنكم، أي الله جل وعلا علم داود صناعة الدروع لكي يحميكم، الله به، لنحصنكم، أو ليحصنكم، أي داود يصنع لكم، داود الألبسة لكي يمنعكم من ضربات السيوف، أو لتحصنكم، يعود الضمير إلى الدروع، يحصنكم، تحصنكم، نحصنكم، ثلاثة قراءات على هذه الكلمة، ومؤدى واحد. فربنا في قول: «وعلمناه»، علم الله جل وعلا داود كيفية صناعة الدروع، منها أن يعمل سابغات، اجعلها واسعة، اجعلها واسعة، لماذا؟ اجعلها واسعة، لأن الحديد لا يحتاج منك إلى أي شيء، يا داود، فقط يجي لك بالحديد، تشكله مثل العجينة. شبت الخباز، كيفية أتيب الخباز خمس ثواني، يجعل لك خبزا على أشكال وألوان. وهكذا داود، وسع في الدروع، كبر في الدروع، اجعلها سابغة، بحيث يتحصن بها الفارس. لأن الحداد الذي يقوم بصناعة الحديد يتحب الحداد عندما يؤت له بحديد حتى يصنع ترسا أو درعا لشخص واحد، يحتاج إلى نار حتى يذيب هذه الكتل الحديدية، وإلى مطارق، مطرقة ثم مطرقة ثم طرق وطرق وطرق، عل وعسى أنه ينجز هذا إذا كان واحد. فما ظنك بعمال كثر، وهم يصنعون بالنيران والمطارق، ذو دل وحده، بهذه الآية، ما يحتاج إلى العمال، ائتون بالحديد فقط. فكان لحظة يضع يده، عجيل يشكل السيوف، يشكل الدروع، يشكل كل سلاح. فكان عنده قدر على التشكيل، مع سرعة في الإنجاز، سرعة في الواقع. مثل هذه الآية قد جعلها الله لمن؟ لعيسى عليه السلام، كان يصنع من الطين كهيئة الطير، يصنع من الطين كهيئة الطير، فينفخ فيه ويجعله طيرا بإذن الله، هذه آية لعيسى. وهذه آية لداود عليه السلام. وهذا هو الصحيح، لأن بعض المفسر، قال: المقصود «وألن له الحديد»، أي أن الحديد أصبح عنده لين لمعرفته بأسباب الصنع. قال: لا، هذا بعيد، لأن الآية تذكر على أن مما من الله به على داود من الآيات البينات: «ألن له الحديد». وأكثر مفسرين على هذا، على أن داود عليه السلام كان إذا وضع يده على حديد أو قطع الحديد، كانت تلين فيشكلها كيف شاء. ولهذا علمه ربه أن اعمل سابغا، وقدر في السرد، السرد والتقدير فيها. وقدر، أي حاول أن تكون في عملك لهذا السرد، ما هو السرد؟ أكثر علماء على أن الحلق، الحلق الذي تكون موجودة، الحلق الموجودة، الذي كذلك تستخدم للدفاع عن هذا الدرع، قدر فيها، لا تجعل هذه الحلقات صغيرة بحيث لا ترد وتضعف عند الطعن، ولا أن تكون كبيرة فتثقل على كاهل الجندي، وإنما قدرها تقديرا. الشاهد بهذه الآية التي أعطاها الله لداود عليه السلام، أنه كان يصنع الدروع السابقة، ويصنع آلات الحروب، بما مكنه الله، استطاع داود أن يجهز جيشا مدرعا، كما يعبر بعضهم: ما هناك على وجه الأرض جيش كجيشه، ما هناك على وجه الأرض جيشا كجيشه، بماذا؟ بهذا التسليح، بهذه القدرة الدفاعية، في ألبسة الدروع، التروس، الكل شيء حديد. ما كان هناك مستبعد، ما يخطر على بال داود عليه السلام، هيأه وجعله لجنده، كيفه، وجعله لجنده. فأصبح جيشه مدرع بهذا، تأتي كلمة: «وشددنا ملكه». فكان الملك الذي أعطاه الله جل وعلا شديد، وملك داود شديد من ناحيتين: الناحية الأولى شديد في نفسه، إذ أن هذا الجيش قد سلح بالكامل بأعظم أنواع الأسلحة التي ما هي موجودة عند أحد. والتشديد الثاني، ما كان عند غيره، كان الملوك إذا سمعوا بداود يرعبون منه، يخافون منه، لا طاقة لهم بهذا الجيش، لا طاقة لهم بهذا الجيش، هذا الجيش الذي هيأه الله عز وجل لداود، بقدرته ومقتدراته، وبتحصينه وببأسه. أين ذهب به؟ كان يذهبه داود شرقا وغربا، ما أن يسمع ملك من ملوك الأرض على الكفر والشرك، إلا وغزى، إلا وقتله. فكان داود عليه السلام شديد القتال لأعداء الدين، لا يلين ولا يستكين. فكان في عهده التمكين لبني إسرائيل، بن النشر لعقيدة التوحيد لله جل وعلا في أقطار الأرض، في أقطار الأرض. داود عليه السلام، كذلكم، كما أشرنا، أن الجبال تسبح معه، والطير تسبح معه، متى هذا؟ هذا إذا شرع داود عليه السلام في الصلاة. داود عليه السلام يصلي بالناس في بيت المقدس، آية أخرى من آيات لداود، أن الله أعطاه صوتا جميلا جدا جدا جدا. وهذا بنص السنة، عندما سمع نبينا صلى الله عليه وسلم لقراءة أبي موسى الأشعري، وأعجب بقراءة أبي موسى وبصوته العذب، قال: «لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود». لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود، لحلاوة هذا الصوت. فكان داود عليه السلام له صوت له حلاوة وطراوة. حتى أن الجبال كانت إذا استمعت إلى صلاته، كنا نتأثر، هنا تسبح معه، على قولين: قيل تسبح معه، أنهم يكررون ذكر الله بذكره، وقيل تسبح معه، أن يصلون معه، لأن الله قال: «يسبحون بالعشي والإبكار»، والتسبيح في اللغة بمعنى الصلاة، التسبيح كان نبيه يسبح على راحلته، يسبح بمعنى يصلي على راحلته. والتسبيح يأتي بمعنى الصلاة، وبنو إسرائيل قد مر هذا، معنى أن في عهد موسى كانت لهم صلاتين: صلاة في العشي، وصلاة في الإبكار. فكان داود عليه السلام يصلي بهم بالعشي، ويصلي بالإبكار. فإن صلى بالعشي أو الإبكار، كانت الجبال تسبحن معه في العشي والإبكار، تصلي معه، من شدة ما تسمع من حلاوة صوت داود عليه السلام. وأيضا والطير محشورة، كما ذكر أهل التفسير، إذا شرع داود عليه السلام بالقراءة في التوراة، كانت تجتمع عليه الطيور، حتى أن سماء بيت المقدس تنغلق تماما، تنغلق تماما باجتماع الطيور فوقه، فوق سماء بيت المقدس، هذه آية، آيات عظيمات، أعطاها الله جل وعلا لداود، خاصة، ولبني إسرائيل عامة. وهذه الآيات يقابلها البلاء، يقابلها بلاء. فالله عز وجل مكن لداود من هذه الآيات العظام، ما لم يمكن لأحد، كما قال سبحانه: «ولقد آتينا داود منا فضلا، يا جبال أوبي معه والطير، وألن له الحديد». هذا، إخواني في الله، ملخص ما يذكر حول الحياة التي عاشها داود عليه السلام. فكان يقاتل، وكان يجاهد، وكان تفتح على يده الأقاليم والمدن. هنا، إخواني في الله، من المسائل التي نشير إليها، قصص قد وقعت لداود عليه السلام، وقد ذكرها لنا ربنا في القرآن، من هذه القصة: قصة الأغنام، قصة الأغنام التي جارت مع داود ومع سليمان، الذي جاءت في قول ربنا عز وجل: «وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث، إذ نفشت فيه غنم القوم، وكنا لحكمهم شاهدين، ففهمناها سليمان». ما قصة الأغنام؟ هذه قصة أن تخاصم رجلان من بني إسرائيل، أحدهما صاحب أغنام، والثاني صاحب حرث، صاحب مزرعة. وكان في المجلس حينها سليمان عليه السلام، القضية، وما فيها: أن صاحب الأرض يشتكي، يشتكي على صاحب الأغنام، أن هذا الرجل ترك أغنامه سائبة، فإذا به هجمت على مزرعته على حين غرة. فإذا بها أكلت وأفسدت المزرعات، وضيعت المحصول، وفعلت الأفاعيل، أغنام بهائم، قد تضرر، تضرر. فما الحكم يا داود يا رسول الله؟ فرأى داود عليه السلام أن الحكم العوض، وهو أنك يا صاحب الأغنام، أغنامك تدفع للمزارع، وليس لك شيء، تدفع للمزارع، وليس لك شيء، تلف يقابله عوض. فلما سمع سليمان ذلك، قال: «يا أبتي، ألا أدلك على علم خير من هذا الحكم؟» قال: «ماذا تقول؟» قال: «إني أرى أن صاحب الأغنام يدفع نعم أغنامه للمزارع، على أن المزارع ينتفع، انتفاع لا ملك، ينتفع من الأغنام، من أصوافها، من ألبانها». وأن الأرض هذه تدفع لصاحب الأغنام، تعال، وماذا أصلح فيها؟ أصلح فيها ما تلف من المحاصيل. قم بإصلاحه، إن كسروا سياج، إن كسروا شيء، عدل بعض المحاصيل، حاول تعيد تربتها، جهز الأمور. فإذا أتممت أمور الرجل، أتممت المحصول، أتممت المزرعة، كلهم يأخذ بعد ذلك حقه، خذ أنت أغنامك وانطلق، وأنت ارجع لمحصولك وخذه. وهذا الذي قال ربنا عنه: «فهمناها سليمان»، فهذا الحكم، هذا الحكم المناسب لهذه القضية. فهذا مما وقع لداود عليه السلام في قضية حكمه بين المزارع. كذلك مما يذكر، إخواني في الله، في أمر داود عليه السلام، أن الله عز وجل، مع أنه الله قد جمع له بين الملك وملك، وأعطاه النبوة، كذلك أنزل عليه كتابا، ألا وهو الزبور، أعطاه الله عز وجل الزبور، كما أنزل التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، أنزل الزبور على داود عليه السلام. إلا أن هذا الكتاب المنزل المقدس، ليس فيه حلال، وليس فيه حرام، وإنما كان عبارة عن مبشرات، مبشرات، فيها بشارة لعباد الله الصالحين بالنصر والتمكين، وما أعده الله لأهل الإيمان من نعيم مقيم، بشارات. وفيه كذلك إنذارات لمن خالف هذا الدين، الذل والهوان، وأنه يوم القيامة يكون من الخالدين في نار جهنم. ومما قال العلماء: إنه ذكر في كتابنا من آيات الزبور، هذه الآية، كما قال ربنا جل وعلا: «ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون»، هذه الآية، قالوا: إنها في الزبور، طبعا هذا على قول من قال: إن هذه الآية «ولقد كتبنا في الزبور» بمعنى الكتاب المقدس المنزل على داود. لأن منهم من فسر الزبور هنا بإسم «كتاب» بمعنى الكتب المنزلة عموما. لكن على كون إن كان كذلك، فكما ذكر: إن كتاب الزبور المنزل على داود، ليس فيه تحليل، وليس فيه تحريم، لماذا؟ لأن التحليل والتحريم أين موجود؟ في التوراة، التوراة هي المهيمنة على بني إسرائيل، ما هناك كتاب قام بنسخها سوى القرآن، الأحكام، فو التوراة، ما نسخها إلا القرآن. فكانت شريعة ماضية في بني إسرائيل، العقيدة، الأحكام، الحلال، الحرام، كلها كانت في التوراة، وبه يحكم الأنبياء، يحكم بها النبيون، ومنهم زبور داود، يحكم بها، لكن الكتاب المقدس، كما قلنا، عبارة عن بشارات، وعبارة كذلكم عن إنذارات. داود عليه السلام، مع ما كان من ملكه، وما كان من سلطانه على بني إسرائيل. إلا أن بني إسرائيل فيهم خصلة ذميمة، وهذه قد جاءت في المتأخرين، ممن لم ينهضوا رأسا بالأنبياء، الطعن والغمز في نبي الله، طبعا الأنبياء جميعا ما سلموا من الطعونات، الأنبياء جميعا ما سلموا من طعونات بني إسرائيل، طعنوا في عقولهم، طعنوا في أعراضهم، طعنوا في أشياء كثيرة. ولست الآن في مجال ذكر هذه النماذج، لكن يهمني هنا أن نعلم، وأن أذكر على أن من أشد من طعن فيهم اليهود، نبي الله داود وسليمان، أشد من طعن فيهم اليهود، نبي الله داود، ونبي الله سليمان، هذا من أشد الأنبياء طعنا، وقدحا فيهم. وهنا آتي إلى مسألة، وهي حادثة، نعم، وقعت لسليمان، لداود، ولسليمان، وكذلكم، أو لداود عليه السلام. وكذلك فيها مدخل للذي أريد أن أبين له، وهي قضية الخصم الذين تسوروا المحراب، وهل أتاك نبأ الخصم التسور المحراب؟ الخصم، تقفزوا، نبأ الخصمان دخلا على داود، لم يدخلا من الباب، وإنما قفزا وتسورا السور، فدخلا على داود، وهو في محرابه. وقال علماء: كان من عادة داود عليه السلام أن قسم الأيام عنده على ثلاثة أيام: يوم لله يتعبد فيه، ويوم للقضايا والنزاعات بين الناس، ويوم للرعية. ففي هذا اليوم الذي جعله لله سبحانه وتعالى، وقع في هذا اليوم مسألة، وهو أن دخل عليه خصمان، حتى أن داود تفاجأ، ففزع داود من هؤلاء، فزع من كيف دخلتم؟ من أين جئتم؟ أين الحراس؟ أين؟ قالوا: «لا تخف، خصمان، بغى بعضنا على بعض، فاحكم بيننا». لا تخف، نحن ما عندنا أي مكيدة، ولا مؤامرة، عندنا قضية نرفعها إليك، يا رسول الله، حلها بما آتاك الله من الفهم، ومن العلم، ومن الحكمة. خصمان، بغى بعضنا على بعض، فاحكم بيننا بالحق، ولا تشطط، ولا تشطط، أي لا تذهب، لا يمين، ولا يسار. كانت قضيتهم في هذه النعاج، إن هذا أخي له تسعة وتسعون نعجة، ولي نعجة واحدة، فقال: «أكفلنيها، وعزني في الخطاب». يعني القصة، وما فيها: يا داود، هذا أخي عنده تسعة وتسعون نعجة، وأنا عندي نعجة واحدة، واحدة. وهذا أصبح ينازعني عليه أخي، سلمني النعجة هذه، يا أخي، اتق الله في أمرك، أخي، عطني النعجة، سلمني النعجة، ولا زال يحرجني بها، يحرجني بها، ما أترك لي سبيل، أخي، هل أعطيه يا نبي الله؟ ولا ما أعطيه؟ هنا داود عليه السلام، قال: «لقد ظلمك هذا، ظلم ظلمك، ما ينبغي لماذا يفعل هذا معك؟ لغى ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجة هذا، ظلم، هذا لا يجوز». في آخر الآية، قال ربنا: «وظننا داود أن ما فتنا، فخر راكعا وأناب». داود عليه السلام، من خلال حكمه، علم أنه قد فتن، وأن هذا السؤال الذي طرح عليه كان فتنة، السؤال، طبعا اختفى الخصمان فجأة. حتى ستأتي معنا من هما؟ اختفى الخصمان، فكر داود، علم بإيحاء الله، لا أنه وقع في أمر، وهذا أمر فتنة، ما كان ينبغي. ولهذا عاتبه ربنا بعد هذا: «يا داود، إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى، لا تجعل الهوى هنا العاطفة تجرك إلى أنك تأتي بالأحداث أو الأحكام سريعا». نأتي الآن إلى هذا الذي يجعل