المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 24

المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 24

الدرس في المختصر في تاريخ الأنبياء والرسل 24، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

قصص داود عليه السلام في القرآن وتفسيرها

يتحدث هذا الفصل عن بعض الوقائع التي ذكرت في القرآن عن نبي الله داود عليه السلام، مثل قضية الحرث وغنم القوم، وقصة الخصم الذين تسوروا المحراب وداود يحكم بينهم. يُظهر الفصل تفاصيل هذه القصص ودلالاتها.

تفسير قصة داود في المحراب والرد على الإسرائيليات

يناقش هذا الفصل تفسير قصة داود عليه السلام في المحراب ويربطها ببعض المفسرين بقصة امرأة اغتسلت فرآها داود، ويوضح أن هذه القصة مأخوذة من الإسرائيليات ولا تصح. يقدم الفصل تفسيرا بديلا لبعض العلماء بأن الفتنة التي وقع فيها داود هي استماعه لطرف واحد دون الآخر.

ذكر الزبور وكتاب داود وسليمان وفتنتهما

يتناول هذا الفصل الزبور الذي أنزل على داود عليه السلام، وهو كتاب مواعظ ومبشرات ونذارات، وليس فيه أحكام. كما يذكر قصة داود وسليمان عليهما السلام وهمتهما في القتال والجهاد، وأشار إلى قصة سليمان مع زوجاته ومحاولة استكثار الجنود من أبنائه، وتناول أيضا فتنة سليمان عليه السلام.

تفاصيل قصة سليمان والرد على الادعاءات اليهودية

يناقش هذا الفصل قصة سليمان عليه السلام وما نسب إليه من إسرائيليات، ويحذر من التفاصيل الباطلة التي تسيء إلى الأنبياء، ويقدم تفسيرات مختلفة للآية ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، بالأمس إخواني في الله كنا في صدد ذكر ما جاء في كتاب الله جل وعلا، وما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام عن نبي الله داود عليه السلام. وكيف أن القرآن قد أشار في عدة آيات إلى الكثير من الوقائع والأحداث التي كانت لداود عليه السلام، بل إن الله عز وجل قد ميزه وفضله بكثير من الأمور، قد أشرنا إلى بعضها، آتاه الله فصل الخطاب، وكان هو أول رجل جمع الله له بين الملك والنبوة. وهكذا ما كان من تشديد ملكه، وشددنا ملكه، أضف إلى ذلك ما كان من حسن عبادته وتعبده، خير الصيام صيام داود، وخير الصلاة صلاة داود، وكيف أن الله عز وجل أعطاه من القوة والسؤدد بكثرة جنده وعسكره، مع ما متعه الله عز وجل من تلكم الآية، وألنا له الحديد، فكان زبر الحديد إذا وضع بين يديه كأنه عجينة يكيفها كيف يشاء عليه السلام. وآتاه الله عز وجل كذلكم حسن الصوت، فكان من جميل صوته أن الإنس، وهكذا الطير والجبال، الكل يستمع لقراءته، يا جبال أوبي معه والطير يرددون معه وينصطون لقراءته لجميل ما يسمعون، لقد أوتيت مزمارا من مزامير آل داود، قالها نبينا عليه الصلاة والسلام لأبي موسى. الشاهد ذكرنا الكثير من الوقائع عن داود عليه السلام، وهنا نواصل الحديث عن داود في بعض الوقائع التي جاء ذكرها في القرآن أيضا، ومما جاء ذكره عن داود عليه السلام ما جاء في قول ربنا عز وجل: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم من الشاهدين ففهمناها سليمان﴾. هنا مسألة، ما علاقة سليمان بداود؟ علاقة سليمان بداود كما سيأتي معنا أن الله عز وجل وهب لداود سليمان، فسليمان عليه السلام ابن داود، ولهذا بعد أن ننتهي من ذكر قصة داود عليه السلام سننتقل إلى ابنه سليمان. وهذه الواقعة التي جاء ذكرها في القرآن هي مقترنة بين سليمان وداود، ما شأنهما في هذه الآية؟ ذكر ربنا عز وجل عن هذه القضية على أن رجلين مع أخيهما ارتفعا في تحاكمهما إلى سليمان وداود. إذ نفشت فيه غنم القوم، النفش وهو الرعي بالليل، الرعي ليلا، مفاد القصة على أن رجل عنده مواشي وآخر عنده مزارع، فصاحب المواشي غنمه في الليل رعت ودخلت على صاحب المزرعة فأتلفت وأكلت وحربت ودمرت، أفسدت. فقام هذا الرعي، صاحب الأرض، وقيل أن المحصول كان عبارة عن عنب، ذهب شاكيا إلى داود عليه السلام، أفصل بيننا، فكان من حكم داود عليه السلام كما ذهب جماهير المفسرين أن داود عليه السلام حكم أن الأغنام تذهب للمزارع، تذهب للمزارع من باب العوض، ومن باب العقوبة لهذا صاحب الماشية، أنك تحزم أمرك ولا تجعل الرعي هكذا. فانقضى الأمر على هذا، وقيل أن المجلس انفض على هذا الحكم الذي صدر من داود عليه السلام، قيل أن سليمان عليه السلام استأذن أباه، قال: يا أبتا، وفي رواية: يا نبي الله، أهكذا ترى أن ترى أن هذا الحكم في هذه القضية؟ فقال: وماذا ترى؟ قال سليمان عليه السلام: أرى أن الأغنام تدفع نعم للمزارع، ليس تمليك، ليس تمليك، وإنما انتفاع، ينتفع بها من لبنها وينتفع بها، وهذه الأرض التي تلفت تدفع لصاحب الماشية، ما الذي يفعل بها؟ يصلح ما أفسد، يصلح ما أفسد. فإذا أتم صاحب المواشي إذا أصلح الزراعة وجهزها وجعلها كما كانت يرجعها إلى صاحبه، ثم يرجع هو بأغنامه، يرجع بأغنامه، تعود الأمور إلى مجاريها، وهذا الذي ما عناه العلماء من قول ربنا: ﴿فهمناها سليمان﴾، أي كان الصواب في هذه المسألة مع سليمان عليه السلام. هذه واقعة جاء ذكرها في القرآن، واقعة أخرى كذلكم جاء ذكرها في القرآن، وهي قصة المحراب، والذي قال ربنا فيها: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط وهدنا إلى سواء الصراط إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب﴾ الآيات. في هذه الآية في أولها: ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب﴾، تسوروا أي قفزوا، ما دخلوا عن طريق الباب، وما استأذنوا الحجاب، وإنما تسلقوا، تسلقوا، ومن هؤلاء؟ على ظاهر الآية أنهم بشر، على ظاهر الآية أنهم بشر، وأنهم أصحاب قضية. قد يقول قائل: وعلى ما تسوروا؟ لماذا قفز؟ كان ينبغي الاستئذان، يذكر فيما يذكر من حياة داود عليه السلام أنه قسم الأيام، جعل هناك أيام لعبادته وتعبده، وجعل هناك أيام لفصل القضاء، وجعل أياما للرعية. فما كان في أيام عبادته وتعبده لا أحد يدخل عليه، ينقطع يتبتل لله، وكأن هؤلاء وافقوا هذا اليوم، إذ لن يسمح لهم بالدخول فاضطروا إلى القفز، فتسوروا المحراب، فلما دخلوا حق لأداود عليه السلام أن يفزع منهم، على حين غره، من أنتم؟ أصدقاء؟ أعداء؟ ماذا تريدون؟ فذكروا له الحكاية، خصمان اختصمنا، خصمان بغى بعضنا على بعض، فاحكم بيننا، عندنا قضية، ولابد أنك تفصل بيننا في هذه القضية، ثم شرعوا في بداية ببيان قضيتهم، فذكر الأول: «إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة، ولي نعجة واحدة»، نعاج كثيرة، لكنه استطمع، فما رضي بالذي عنده حتى أخذ ينظر للنعجة الوحيدة التي عندي. فقال: «أكفلنيها وعزني»، أي أجبرني وألزمني وضغط علي، لا بد أن تسلمها، تسلمها لي، فما رأيك بما صنع حينها؟ حكم داود عليه السلام بما حكم، أن هذا من الظلم، وأن هذا من الضيم، وأن هذا لا يجوز، وأن هذا حال الشركاء، الطمع، الطمع. فظل داود: «أن ما فتلناه»، فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب، اختلف العلماء، ما هي الفتنة التي وقع فيها داود هاهنا؟ وظل داود: «أن ما فتلناه»، حتى أنه استغفر ربه وخر راكعا وأناب، أقوى العلماء كثيرة، منهم من قال: الله أعلم، لم تذكر لنا، لم تذكر لنا، افتتنا في هذه القضية، فاستغفر ربه وأناب، أرجع إلى الله. وإن له عندنا لزلفا، بمعنى أن بعد استغفاره وتوبته ارتفع ما كان هذا ينقصه، حاشا، ارتفع منزلة عند ربه، ومنهم من قال: أن هنا: ﴿فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب﴾، ما كان عن زلة، وإنما علم أن الله عز وجل حباه بالحكم الصائب، وخشي أن يفتتن بما ألهمه الله، فازداد استغفارا حتى لا يزداد غرورا، قيل هذا. هنا سأنبه على مسائل مهمة جدا، وخاصة في هذه القضية، وهي من الأقوال الشهيرة عند بعض العلماء، عند بعض المفسرين: «إن هذا أخي له تسعون وتسعون نعجة»، قال العلماء: طبعا أشير إليكم إلى بعض الأقوال على أن المقصود بهذه القضية ليست عندي لا نعاج ولا عندي خصومة، وإنما هذا أمر دبر لداود عليه السلام ليتفطن لأمر وقع فيه. وانتبه الآن لهذه القضية، وإنما أنا مضطر لأن أذكرها لأنها مشهورة جدا في كتب التفاسير، وهي للأسف مأخوذة من الإسرائيليات، ما الذي صار؟ وما الذي جار؟ وما المقصود؟ هذه القصة مأخوذة من الإصحاح الحادي عشر، وهي من كتب التوراة. تقول هذه القصة على أن داود عليه السلام استيقظ ليلة وليلا، فأخذ يمشي على السطح، فبينما هو في جنح الظلام إذ وقع بصره على امرأة جميلة وهي تغتسل، فأعجب بها وفتن بها، وما استطاع أن يخفي ذلك، بل أرسل من أرسل إلى هذا البيت وأن يجلب له المرأة، فجلبوها، فوقع عليها. ثم أن هذه المرأة بعد مدة أرسلت إلى داود بأنها حبلى، وكان هذه المرأة متزوجة من رجل يعد من القواد ممن كان داود عليه السلام يبعثهم إلى النواحي والأنحاء، فهنا أراد داود عليه السلام أن يصطفي هذه المرأة، إذن كيف الحل؟ وهي متزوجة، إذن لا بد من التخلص من زوجها. فعلم داود بعد السؤال أن زوجها قد ذهب إلى الجهة المعينة من الجهات الذي يقاتل فيها، فأرسل إلى قائد تلكم الجيوش أن فلان ابن فلان، وهو زوجها، هذا أدخله في معركة، واجعله على رأس الجيش على رأسه، بشرط أن تكون هذه المعركة نسبة النجاح فيها ضئيلة. وأنكم إذا وصلتم إلى ذلك المكان أتركوا هذا الرجل لوحده، وتراجعوا، أي أن داود كان يدبر إلى مقتل هذا الرجل، فقام من استلم الرسالة بفعل هذه المكيدة، فأرسلوا لهذا الرجل أن أقدم معنا، معنا غزوة وقتال، حتى إذا استطاعوا أن يدخلوا في معركة، يعني نسبة النجاح فيها قليل جدا لخطورة الوضع، ومع ذلك دفعوا في المقدمة، وانسحبوا خلفه، فقتل، قتل هذا الرجل. فماذا صار؟ خل الجو لمن لداود عليه السلام، فجاءت الأخبار بأن زوجها قتل، فأخذت المرأة فترة من النياحة إلى أن تهت، فضمها داود إلى نفسه، هذه القصة موجودة في كتب التوراة، ولا زال اليهود يعتقدونها إلى الآن. لكن يصل الأمر إلى أن بعض المفسرين يريدها، هذا الإشكال، قد يقول قائل: طيب، أنت الآن ذهبت بنا إلى قصة بعيدة، تعال هنا نتكلم عن قصة المحراب، ما علاقة المرأة بالمحراب؟ افهم الآن، يقولون، أو يقول جماعة من المفسرين: العلاقة بين ما وقع لداود مع المرأة في القصة المكذوبة. أعيد أو أكرر القصة المكذوبة المفترى، ويعلم من عقيدة المسلمين كما قال بعض أهل العلم كالمالك وغيره: «أن من زعم أن نبيا من أنبياء الله وقع في زينة فقد كفر»، انتبه، أزح هذه الأفكار من رأسك، إنما أذكر لك ما يتنقله اليهود. من زعم أن نبيا من أنبياء الله وقع في زينة فقد كفر، طيب نرجع الآن، ذهب جماعة من المفسرين إلى أن داود عليه السلام عندما وقع في هذا الأمر أرسل الله عز وجل إليه ما فيه بيان خطأه، فأرسل هذين الخصمين. فقال أحدهما: «أنا عندي تسعة وتسعون نعجة، وهذا عنده نعجة واحدة»، ما المقصد بالنعاج؟ لأن داود عليه السلام كان عنده كثير من النسوة، أي كأنهم يقولون لك: يا داود، أنت حباك الله بنساء كثر، كثر، ثم أخذت تستطمع في تلك المرأة، في تلك المرأة التي هي لزوجها، فمرتضيت حتى تضمها إلى نفسك غصبا. واضح الربط هنا، فشعر داود بعظيم ما وقع، فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب، واضح العلاقة، هذه العلاقة، هذه القصة إخواني في الله، وهذا الربط لا يصح البته، البته، وإن كان جماعة من المفسرين، نعم، ما يذكر حادثة الزنا، إنما نقلت الزنا عن اليهود. أما أهل الإسلام لا يقول أنه قلبه تعلق بها، فقد تعلق بها إلى أنه استطاع أنه يدبر مكيدة في قتل ذلك، ثم ضمها وبعد ذلك تزوجها، هذا الذي ذهب إليه جماعة من المفسرين، وهذا غلط، وهذا خطأ، فأحببت أني في هذا المقام لأن هذه الآية مما يتعلق بداود. وأن هذا التفسير مشتهر، دائما يذكرون قصة داود، وأن فتنا، وذلك بقصة المرأة الذي تعلق بها، دائما يذكر قصة المرأة، فكون يا عبد الله على حذر من هذا الكلام، وأعلم أن هذا ليس بثابت، يرجع السؤال كذلك إلى هذه القصة: ﴿فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب﴾، من ماذا يستغفر ربه؟ من أهل العلم من أهل العلم من وجد أن الذي دعا داود عليه السلام إلى الاستغفار، وإلى الخرور لله، وأنه قد فتن لأنه قال: «وقد فتناه»، فاستغفر ربه، فظن أنما أننا فتناه، طيب ما هي الفتنة؟ قال: فتنة داود في هذه القضية أنه إنما استمع للطرف الأول، ولم يستمع للطرف الثاني. الطرف الأول تكلم، داود هذا رجل، يا نبي الله، هذا عنده تسعة وتسعون نعجة، واشد علي وأرد نعجتي وأرد كذا، فداود على هذا الكلام حكم، طيب هل أعطى فرصة للثاني أن يتكلم؟ ما أعطاه، فذهب جماعة من أهل العلم هنا، هنا الذي جعل داود عليه السلام يتفطن أنه كان ينبغي يترك المجال للثاني. ويذكر فيما يذكر في هذا الصدد قصة نقية عن شريح القاضي رحمه الله، أن رجلا جاء إليه، أن رجلا جاء إليه، فإذ به يشتكي من جاره، وأن جاره قد ضرب حتى أنه قد فقع عينه، أخرج عينه، فانزل فيه حكما، فقال شريح: «لا ائتني بالثاني، ائتني بالثاني»، فقال: من؟ قال: من؟ في المجلس، يا شريح، رحمك الله، الرجل أتى ببينة، يعني عينه قد خرجت، يعني تنتظر تستع من الثاني. قال: «وما يدريكم؟ لعل الثاني قد فقعت عينه أيضا، والثاني ربما كذاك عينه قد فقعت، كيف نحكم على الثاني غيابا؟» فأحيانا يحتاج الإنسان إذا أن يحكم ينتظر إلى القول الثاني، فهذا قول العلماء في هذا، وإن لقد سمعتم في أول كلام أن من أهل العلم سكت، قال: الله أعلم بما جاء ذكره في القرآن. وظن داود أنما فتنا، فالله أعلم بما هذه الفتنة، لكن بعضهم يشير إلى هذا، إلى أنه استمع إلى قول دون الطرف الثاني، وأما من ذهب إلى مسألة أن داود عليه السلام أراد بذلكم أو قول من يقول بأن الذين تسوروا كانوا عبارة عن ملائكة، ودخلوا على داود، فهذا كما ذهب إليه أو ما قاله ابن حزم رحمه الله تعالى: هذا من الباطل، وهذا من أعظم التقول على الله، من أعظم التقول على الله. قال: «بل إن الخصوم من بني آدم بلا شك، وليس ملائكة، وليس ملائكة حتى يدعون أن هذا خصمه، وأن هذا اعتدى، وأن عندهم نعاج، لماذا الكذب كله؟» قال: هكذا ما يصح، فالهم لمن حزم، تعفون أسلوبه في تفنيد الأقوال. فهذا إخواني في الله ما جاء في ذكر قصة داود عليه السلام، ومما يذكر كذلكم عن أمر داود عليه السلام ما أشرنا إليه في درس أمس، أن الله منى عليه بكتاب مقدس، ألا وهو الزبور، وآتينا داود زبورا، الزبور هو الكتاب المقدس المنزل على داود عليه السلام. وما عندي مزيد بحث عن هذا الكتاب المقدس، لكن أشار جماعة من أهل العلم كالإمام القرطبي رحمه الله تعالى: أن الزبور عبارة عن مئة وخمسين سورة، مئة وخمسين سورة، وأن الزبور ليس فيه أحكام، وليس فيه حلال، وليس فيه حرام، وإنما هو كتاب مواعظ، فيه مبشرات، على أن من استقام على الدين، من استقام على الشريعة، فله كذا من الفضل، له كذا من الأجر. وفيه كذلك النذارات، أن من خالف وعاند وعارض فسيكون جزاؤه كذا وكذا، قالوا: هذا خلاصة ما في الزبور الذي أنزله الله عز وجل، وبعض قالوا: وكذلك مما ذكره ربنا عز وجل عن الزبور ما جاء في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾، أي هذا مما كتب في الزبور من آيات الزبور. هذه الآية: ﴿أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾، كما قلنا هي عبارة عن مواعظ، وعبارة كذلكم عن مبشرات، هذا على قول، طبعا على أن الزبور بمعنى الكتاب المقدس المنزل على داود عليه السلام، الحاصل أن داود عليه السلام بما آتاه الله من قوة، وجلده في العبادة والتعبد، كان يقاتل بلا هوادة. ولهذا كان في عهده من التمكين لبني إسرائيل ما لم يكن في عهد أحد من قبله، من بعد، سيأتي، لكن من قبله ما هناك أحد، بني إسرائيل عاشوا في عز، عاشوا في عز في زمن داود عليه السلام، أقوى الجيوش، أزهى العصور، الفتوحات الكثيرة التي لا حصر لها. وكان داود يرسله ربنا إلى الكفار، فائدة يذكرها بعض العلماء: من كان معنا لو تذكرون من لدى النوح، من لدى النوح عليه السلام، وتتابع الأمم والأجيال من قوم هود، وقوم عاد، وصالح، وشعيب، ولوط، وقوم، الأقوام الذين بعدهم، أهلكهم الله، أهلكهم الله بإنزال الرياح، والرجفة، والحصب، والزلزلة، وإلى آخر ذلك من العقوبات الإلهية في حق الكافرين. قالوا: وكانت آخر عقوبة أنزلها الله على الكافرين الإغراق لفرعون، هذه آخر عقوبة أن الله استأصل الكفار بها، استأصل الكفار، قوم عاد، استأصلهم الله بعقوبة، قوم هود، استأصلهم الله بعقوبة، قوم شعيب، استأصلهم الله بعقوبة، قوم فرعون، استأصلهم الله بعقوبة إلهية. قالوا: قوم فرعون هم آخر قوم استأصلهم الله بعقوبة كونية، ما بعد ذلك لا، كيف يستأصل الكفار؟ بجند، بجند من جنوده، يرسل الله عز وجل من أوليائه من يذهب إلى الكفار ويقاتلهم، وهذا الذي ابتدأ من زمن من بعد موسى عليه السلام، بدأ القتال إلى هذه الأزمان إلى زمن نبينا عليه الصلاة والسلام. يرسل ربنا الأنبياء والرسل مع الجنود مع الجيوش، يذهبون شرقا وغربا إلى القتال، وإلى دك حصون الكفار، فهذه فائدة يذكرها جماعة من أهل العلم في كتب التواريخ، على أن آخر عقوبة اجتث الله بها الكفار هي عقوبة فرعون، وما بعد ذلك كانت العقوبات تتنزل بأن الله يرسل جنده، يرسل جنده على الكافرين. لما بلغ داود عليه السلام إلى سن كم؟ متى مات داود؟ وقد عمره كم؟ مئة سنة، مئة سنة، مات داود عليه السلام وانتقل الملك وانتقل الحكم وانتقلت النبوة لابنه سليمان عليه السلام، سليمان كذلكم من أعظم أنبياء بني إسرائيل، جاء ذكره في القرآن ستة عشرة مرة، ستة عشرة مرة جاء ذكره في القرآن. وقصة سليمان في القرآن كثيرة، وكثيرة تنوعت، قصة سليمان عليه السلام يهمنا أن نعلم ما يتعلق بسليمان عليه السلام أنه سار على سيرة أبيه، سار على سيرة أبيه، من الهمة في القتال، لا هوادة، لا هوادة، فكان يضرب شرق الدنيا وغربها للقتال والجهاد ورفع راية التوحيد عليه السلام. ومما يذكر في هذا الباب ما صار في قصة همته كما جاء في الصحيح، أن سليمان عليه السلام قال: «لأطوفن الليلة لأطوفن الليلة على زوجاته، وكانت مئة زوجة، وكلهن يحبن ويضعن غلاما، وهؤلاء الغلمان سأجعلهم في سبيل الله»، هذا الكلام من سليمان على ماذا يدل؟ يدل على حبه ليس فقط أنه استكثر من النساء من باب التمتع لا. بل أراد الاستكثار من العسكر والجند، ولو من أبنائه، ولو من أبناء من صلبه، لأطوفن الليلة على امرأة، عن النساء، مئة زوجة، يحبن ويلدن ويضعن بإذن الله غلمانا، ويكون هؤلاء كلهم مجاهدين مقاتلين في سبيل الله، إلى هذا الحد، هذا يعطيك إشارة إلى همة سليمان في باب القتال. إلا أن سليمان عليه السلام في هذه الواقعة كما جاء في الصحيح لم يقل: «إن شاء الله»، ما قال: «إن شاء الله»، فإذ بنسائه لم تلد منهن أحد إلا واحدة، ما شأنها؟ أتت بنصف إنسان، أتت بنصف إنسان، وهذا فيه فضيلة يا عبد الله على الإكثار من ذكر: «إن شاء الله»، وبإذن الله، ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله. لهذا قال رسول الله: «ولو قال إن شاء الله لكان دركا لحاجته، لو قال إن شاء الله لبارك الله في ليلته ولحقق الله ما طلبه ورجاه»، لكن لم يقل، لم يوفق، وإنما امرأة واحدة أنجبت نصف غلام، طيب أنتقل هنا إلى قصة حتى لا أذهب بعيدا، لأن هذه القصة أنا أحتاجها الآن في آيات ذكّر ربنا عز وجل عن سليمان في قوله: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب سليمان﴾. ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا، ما هذه الفتنة؟ وما هذا الجسد الذي ألقي على كرسيه؟ جماعة من أهل العلم، بل نقل عن ابن عباس، وعن مجاهد، وعن الحسن، وعن قتادة: على أن هذا الجسد هو شيطان، شيطان استطاع أن يصل إلى كرسي سليمان. شيطان استطاع أن يصل إلى كرسي سليمان، وأخذ فترة من الزمن، أكثر روايات جعلوها أربعين يوما، أربعين يوما، ثم أناب، أناب أي أن الحكم رجع إلى سليمان، ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا، أي شيطانا، مدة من الزمن، ثم أناب، أي أناب الحكم والكرسي والإمارة، أنابت، رجعت إلى سليمان عليه السلام. هذا القول إنما أقوله أنه ذكر عن السلف، قتادة، ومجاهد، والحسن، وعن ابن عباس، طيب هذا القول يمكن نضع له احتمالات، لكن الذي ما نرتضيه إخواني في الله، والذي أحب أن أشير إليه الآن: التفاصيل، التفاصيل، أنبه على مسألة داود وسليمان عليهما السلام من أشد الأنبياء بهتانا، وقع في حياتهما من عند اليهود. ما كذب اليهود على أحد من أنبياء الله ككذبهم على سليمان وعلى داود، سمعنا بقصة داود أنه رمي بالزينة، هذا عند اليهود، وأما سليمان بالمثل، سليمان بالمثل، رمي بالأباطيل من عند اليهود، ويذكر هذا في كتبهم المحرفة المسطرة. نرجع الآن الذي جاء عن سلفنا، الوصول إلى هذا الحد، نعم، بما عرفوه من كتب أهل الكتاب، على أن شيطانا استطاع أن يصل إلى ملك سليمان، فترة من الزمن، ثم هرب، ورجعت الأمور إلى ما كانت عليه، وهذه الفتنة، طيب التفاصيل، انتبه، وأذكر التفاصيل لأنها أيضا موجودة عند بعض المفسرين، تساهل في إيرادها. ما هذه التفاصيل التي ينبغي أن نحذر منها؟ وهي التي ينبغي أن تعد من الأباطيل، وفيها الطعن والغمز في سليمان عليه السلام، مدار القصة باختصار على أن سليمان عليه السلام أن قوة ملكه إنما تكمن في خاتمه، ولها تسمعون في عالم السحر: خاتم سليمان، خاتم سليمان، دائما يدندنون على هذا، أصحاب السحر والشعوذة والكهانة، ومن يتعامل مع العفاريت، دائما يقول: خاتم سليمان. هذا من عقائد اليهود، يرون أن قوة سليمان عليه السلام وتحكمه في العوالم والكائنات إنما يكمن في خاتمه الذي في يده، وفي يوم من الأيام، وفي يوم من الأيام ذهب سليمان عليه السلام إلى الإغتسال، ونزع خاتمه، ووضعه عند زوجته، أي إحدى زوجاته، واسمها جرادة، اسمها جرادة، وضع الخاتم، خاتمه عندها. ليتما ينتهي من اغتساله واستحمامه سيرجع، في غيبته، من الذي حضر؟ حضر شيطان، هذا الشيطان تمثل بصورة سليمان، فأتى عند جرادة، أي الزوجة، وقال: أين خاتمي؟ فقد خذوا، فلما أخذ الشيطان هذا الخاتم ولبسه، أصبحت المخلوقات، وهذه الأشياء التي تحت سليمان، عادت إلى ماذا؟ إلى هذا الشيطان، يتحكم فيها، يتحكم في المخلوقات، يتحكم كأن سليمان معنا. من الذي كان تحت حكم وملك سليمان؟ استطاع الشيطان المتلبس هذا، وثم طبعا الرواية الإسرائيلية: أنه أصبح يتلاعب بنساء سليمان عليه السلام، ويتفاعل، وتعامل مع الرعية، حتى أن الناس، حتى أن الناس، أنكروا هذا، العباد والزهاد من بني إسرائيل، أنكروا هذا، شكله، وإن كان شكل سليمان، وخاتم سليمان، لكن أحكامه ليست أحكام سليمان. فأخذوا يسألون ويستفسرون عن من هذا؟ حتى استطاعوا أن يصلوا إلى أن هذا ليس بسليمان عليه السلام، وإنما هو شيطان مريد متلبس، متلبس، فجاء العباد بعد فترة، بعد من كشف أمر، بعد من كشف أمر الشيطان، اجتمعوا، وقرأوا التوراة والكتاب المقدس، حتى استطاعوا أن يهرب، ويخرج من المملكة. فطار الشيطان وطار وهرب بعيدا عن مملكة سليمان، وخاتمه الذي كان لسليمان سقط في البحر، طيب أين سليمان؟ سليمان عليه السلام لما جاء، طبعا لما جاء سليمان وأراد خاتمه، ووجد زوجته جراد، قال: أين خاتمي؟ قال: أنت أخذته، أنت أخذته، قال: ما أخذت شيء، ثم رأى ذلكم الشيطان المتلبس به، والذي كما قال: سابق الأحداث، هذا الشيطان. فأمر من كان في الملحاش أن يطردوا سليمان، لأن سليمان رجع إلى هيئة الإنسان، كما قال: المبتذل، غير معروف، لم تظر عليه الأبهة، لا في لبسه، ولا في شكله، فطرد، طرد، هكذا تأتي القصة، وهكذا الدبلجة، طرد، فأصبح يهيم على وجه الأرض، هنا وهنا، بل ضرب، إذا جاء عنده ناس، سألوا: من أنت؟ قال: أنا سليمان، ضربوه، ظنا منه أنه يكذب ويفتري. إلى أن وصل إلى البحر، وجد هناك من الصيادين، وسألهم طعاما وقوتا، فقالوا: من أنت؟ قال: أنا سليمان، ضربوه حتى رث ورق له من رق، قال: «دعوكم من دعوه، دعوكم كاذب، له كاذب، دعوكم أعطوه طعاما»، فجئت له بسمك من البحر، فلما جاء سليمان وشق بطن السمك، إذ بخاتمه الذي سقط من الشيطان وقع في البحر، فالسمك ابتلعت الخاتم. فإذا من توفيق الله أن السمك تعود إلى سليمان، فلما شق بطنها، إذ بالخاتم أمامه، لبس الخاتم، رجع مجده، رجع مجده، هذه إخواني في الله هي قصة، القصة الإسرائيلية الموجودة عند هذه الآية: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾، أي ثم رجع. فعندي القول الأول والقول الثاني، القول الأول: أن هناك نعم شيطان، نقل هذا عن ابن عباس، عن مجاهد، عن قتادة، أن شيطانا استطاع أن يصل إلى ملك سليمان، لكن هؤلاء ما فصلوا، ما أتوا بهذا التفاصيل، التفاصيل هذه نجزم بمنكرانها، باطلة، لأن ما يمكن لا للشيطان ولا لغير الشيطان أن يتمثل بالأنبياء والرسل، فضلا أن يمكن الشيطان أن يتلاعب بأزواج الأنبياء والرسل، طعنا في أعراضهم. إذن عندي هذا القول، وهو أنه شيطان، مدة يسيرة، جلس، كيف جلس؟ الله أعلم، أنه شيطانا، في أعراضهم، وأبعد، وأبعدوا التفاصيل، إنما أذكرها للتحذير، هناك قول ثاني، قول ثاني في قصة هذا الجسد: ﴿وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾، ما هو هذا الجسد؟ هو نصف الغلام الذي ذكرته لكم آنفا. وقد أخبرتكم أنا أحتاج لهذه القصة حتى أربط مرة معنا قصة لما طاف سليمان بزوجاته في أن ينجب له أولادا يقاتلون، فما وفق إلا بواحدة، لم تأتي إلا بنصف غلام، هذا الغلام النصف غلام، إن صح التعبير، هذا الذي كان بعد سليمان في كرسيه، بعد حكمه. وهذا القول نعم، قال به جماعة من أهل العلم، قال به أبو حيان في تفسير المحيط، وقال به البيضاوي في تفسيره، وأبو السعود، وهكذا ابن عاشور في التحرير والتنوير، وانتصر له الإمام الشنقيطي، الإمام الشنقيطي رحمه الله تعالى في تفسيره، لما فند الرواية الإسرائيلية. قال: «والذي يظهر أن الجسد الذي ألقي على ملك سليمان هو نصف الغلام، هو نصف الغلام»، فهذه أقوال إخواني في الله أشير إليها في هذه المسألة، حتى عندما تقرأ قصة سليمان تعرف المغزى من هذه الآيات، كذلك مما يذكر من أمر سليمان، وما قصه ربنا، قصة سليمان والخيل. سليمان عليه السلام والخيل، إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد، وقال: «إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب»، ردوها علي، فطفق مسحا بالسوق والأعناق، ما قصة سليمان عليه السلام؟ وما حقيقة فعله بالخيل؟ هذا محل خلاف بين أهل العلم. نبدأ: ﴿إذ عرض عليه﴾، أي عرض الجيوش، عنده جيوش، وعنده جنود، وكان من كتائب الجيوش كتيبة الخيل، الخيل، خيول عظيمة، إذ عرض عليه بالعشي، العشي من بعد الزوال، أي يقول: من الظهر إلى المغرب، من بعد الزوال، أي دخول وقت الظهر، هذا يسمى عشي، إلى غروب الشمس، يسمى عشي، في هذا الوقت تم العرض